تفسير سورة الصافات - المجلس الأخير - د. عبدالرحمن الشهري - دورة الأترجة

تفسير سورة الصافات - المجلس الأخير

د. عبد الرحمن الشهري - دورة الأترجة القرآنية

(فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ﴿١٤٩﴾ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ﴿١٥٠﴾ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٥٢﴾ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ﴿١٥٣﴾ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿١٥٤﴾ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٥﴾ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴿١٥٦﴾ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٥٧﴾)

تعتبر قصة لوط وقصة يونس هذه هي آخر القصص في سورة الصافات التي مرت معنا الآن. الآن ينتقل الحديث إلى مجادلة قريش فيما ينسبونه إلى الله من الولد، قريش أو بعض قبائل العرب كما يذكر المفسرون مثل سُلَيم وخزاعة وجهينة كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله - تعالى الله عن ذلك- فالله I يقول (فَاسْتَفْتِهِمْ) والاستفتاء طلب الفُتيا أي السؤال، اِسألهم يا محمد إسأل هؤلاء بعد أن ذكرت هذه القصص (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ) هذه أدلة عقلية، تعالوا هل الله سبحانه وتعالى يختصّ بالبنات وأنت تأخذون الأولاد؟! على أيّ أساس كانت هذه القسمة؟! الجواب لا يوجد جواب! أليس كذلك؟ لا يوجد جواب، لماذا تخصصون الملائكة وتزعمون أنهم بنات الله؟! طبعاً السؤال هذا لا يوجد له جواب، السؤال الثاني: الملائكة هؤلاء الذين تقولون أنهم بنات الله هل خلقهم الله I وأنتم جالسون تشاهدون كيف خلقهم؟! واحد منكم أنتم أيها المشركون شهد خلق الملائكة؟! الجواب أيضاً لا. ولذلك قال الله I في آية أخرى (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) وقال في سورة الكهف (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) أدلة عقلية تخلي المشركين فعلاً لا هم شهدوا خلق الملائكة، وتخصيصهم للملائكة أنهم بنات ثم ينسبونهم لله I على أي أساس؟! ولذلك قال الله في سورة النجم (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) على أساس قسّمتم؟ أرأيتم؟ هذه أدلة عقلية تثبت بطلان هذه العقائد الكاذبة.

قال الله I (أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) يعني إن هؤلاء المشركين من شدة افترائهم وكذبهم واختلافهم ينسبون إلى الله الولد، يقولون (وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ) يعني الله يصطفي البنات فيتخذهم بنات له أو الملائكة ويترك البنين لكم أنتم هذا غير صحيح، فأنتم عندكم بنات وعندكم بنين، ثم أنتم لم تشهدوا خلق الملائكة، ما أدراكم إنهم بنات أو أنهم بنين وهم مخلوقون من طينة غير طينة البشر ولم يشهد خلقهم أحد من البشر؟! (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) هذا استفهام إنكاري، يعني يقول أين عقولكم؟! على أي أساس؟ ولذلك المناقشة العقلية لهؤلاء المكذبين والمشركين والملحدين مقنعة كما في سورة الطور أيضاً سورة الطور مليئة بالحُجج (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36)). أنتم من الذي خلقكم؟ أنتم خلقتم أنفسكم؟ الجواب لا. (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) خلقتم هكذا صدفة؟! طبعاً أيضاً العقل يقول لا، لأنهم يعرفون أنه ما يُخلَق الرجل إلا من زواج فالله ذكر لهم ثلاث احتمالات فيقول (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36)) فكل هذه الأدلة والاستدلالات العقلية تثبت أنه لا بد أن يكون هناك خالق خلق هؤلاء البشر، لا يمكن أنهم هم خلقوا أنفسهم ولا أنهم خُلقوا هكذا صدفة فلا بد أن يكون هناك خيار ثالث أن هناك من خلقهم، من هو؟ من هو الذي خلقكم؟ لف، خالق السماوات والأرض وهو الله I وهم يؤمنون به، فلماذا يصرفون العبادة لغيره؟! ولذلك لاحظ كيف يقول (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) دعوة إلى التفكر والتذكر والتأمل والنظر والتدبر وإعمال العقل أين عقولكم؟ وكيف تذهب بكم الظنون والأوهام إلى أنكم تظنون أن الأصنام هي التي خلقت أو هي التي رزقت أو أن الملائكة هم بنات الله وأنتم لكم البنين؟!!.

ثم قال الله I (أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ) سلّمنا لكم أن الملائكة بنات الله وأنكم أنتم اصطفيتم بالبنين، ما هو دليلكم على ذلك؟ عندكم حجة؟ عندكم شيء مكتوب يصلح دليلاً؟ فقال (أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) طبعاً هو ليس لديهم كتاب يثبت هذا ولا دليل ولذلك قال الله (ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وطبعاً الجواب في كل هذه الأسئلة بالنفي، لا يوجد، لا يوجد دليل يثبت ما يزعمه هؤلاء المشركون المكذّبون من نسبة الملائكة أنهم بنات الله أو نسبة أن الله I له البنات وأنهم هم لهم البنين، كل هذه مجرد تخرّصات وأكاذيب يرددها هؤلاء المشركون دون أن يكون لهم عليها دليل.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) نفس المعنى، جعلوا بين الله وبين الجِنَّة، والجِنَّة المقصود بها الملائكة لأن الملائكة لا يراها الناس مستترة عنا فسمّاها الله جِنَّة وكل ما لا تراه يسمى جِناً وجِنَّة، سمي الجِن جِنَّاً لاستتارهم عن الناس، وسمي المجنون مجنوناً لأن عقله مستور، وسُميت المقبرة مجِنّة لأنها تخفي ما تحتها، وسمي التِرْس مِجَنّ لأنه يجن صاحبه في الحرب، وهكذا. (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) الملائكة الكرام عليهم الصلاة والسلام مؤمنون موحّدون مصدّقون يعلمون أنهم محضرون بين يدي الله I يوم القيامة وأنهم لو فعل أحد من الملائكة أو دعا أحداً إلى عبادته من دون الله فإنه سوف يُحضر، محضَرون يعني سوف يُحضرون للحساب وللمحاسبة يوم القيامة.

قال الله I (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) يصفون يعني يكذبون ويختلقون من الكذب، والله I ينزّه نفسه عما يلصقه به هؤلاء المشركون والملحدون، والله I منزّهٌ عن النقائص كلها (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) يرجع الحديث أيضاً إلى أن الله العباد المؤمنين الصادقين ينزّهون الله I عن كل ما يتّهمه به المكذِّبون المشركون. ثم يقول (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) أي أنتم هؤلاء المشركون ما تعبدون من الأصنام وما تنسبونه إلى الله I من الأبناء ومن البنات (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163)). (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) هنا في قوله I في تعيين الجِنَّة هنا أو في ما يسميه العرب الأساطير التي انتشرت عند بعض قبائل العرب، ذكر المفسرون يقولون أن بعض قبائل العرب وليست كل قبائل العرب كانت ترى أن الملائكة بنات الله فيذكر المفسرون أنها ثلاث قبائل التي هي بني سليم وخزاعة كما قلنا وجهينة، ونقل الواحدي عن بعض المفسرين أنهم قالوا: إن قريشاً وأجناساً من العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة قالوا: الملائكة بنات الله، وليس كل العرب. ومجاهد بن جبر يقول: قال كبار قريش الملائكة بنات الله فقال لهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فمن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سَراة الجنّ فأنزل الله (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ). في قوله I هنا تلاحظون أنتم حتى في عادة العرب أو بعض قبائل العرب عندما يبشَّرون بالأنثى ماذا يحدث؟ يعني يذكر الله I أن العرب قبل الإسلام كانوا يتعاملون مع البنات بنوع من الإهانة فقال (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)) فلاحظوا أنهم هم يأنفون من البنات إذا رزق أحدهم بالبنت وفي نفس الوقت ينسبون البنات إلى الله سبحانه وتعالى أين التوقير وأين التعظيم لله I في نفوس هؤلاء؟! ولذلك قال الله في سورة النجم (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27)) في سورة النجم، وقال أيضاً في سورة الإسراء (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40))، وقال تعالى (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) وأيضاً من الأساطير الثانية إدّعاء النسبة بين الجن وبين الله I وهو كما يقال افتراءٌ نادت به بعض زنادقة قريش فقالوا إن الله وإبليس أخوان فالله إله الخير وإبليس إله الشر ولا شك هذه أساطير لا قيمة لها، والآيات التي وردت في الاحتجاج عليهم هل شهدتم خلق الملائكة؟ الجواب لا، هل عندكم كتاب يثبت هذا؟ الجواب لا، فهي كلها تخرّصاً وأحاديثاً ملفّقة. ثم يقول الله I (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162)) يقول الزجاج رحمه الله: معنى (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) أي ما أنتم بمضلّين أحداً إلا من قدّر الله ضلاله، فأنتم لا تملكون أن تُضِّلوا أحداً إلا إذا أراد الله I إضلاله. (إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ) أي من قدّر الله I إضلاله.

ثم يقول الله (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) وهذه الآيات بالمناسبة فيها إشارة إلى العقائد الباطلة التي كانت منتشرة عند العرب، اعتقادهم في الملائكة، اعتقادهم في الجن، طبعاً لأن الوحي غائب عنهم وبالتالي يتخبطون تماماً كما يفعل بعض فلاسفة الزمان هذا يتخبطون. ولذلك لاحظوا نحن المسلمون ولله الحمد لأن عندنا القرآن الكريم فنعرف قصة بدء الخلق، ولذلك الآن هل واحد من المسلمين الآن واحد منكم الآن يشكّ في أن آدم مخلوق من تراب؟ ما أحد يشكّ، صح؟ نحن نعلم أن آدم هو أبو البشر، وأن الله خلقه من تراب، وأن الله نفخ فيه من روحه، وأن الله أمر الملائكة بالسجود له، أليس كذلك؟ ونعلم أنه ليس له أب وليس له أم وأنه مخلوق من التراب صح؟ ونحن نعلم أيضاً أن حواء مخلوقة من ضلع آدم صح؟ هذه بالنسبة لنا أشياء مسلّمة يقينية، تعالوا شوفوا الآن في كتابات الملحدين والنصارى ماذا يقولون؟ قصة بدء الخلق كيف؟ ضلال وحيرة وشكّ لا حدود له، وأذكر من القصائد المشهورة قصة إيليا أبو ماضي وهو شاعر نصراني من شعراء المهجر يقول:

جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيت

ولقد أبصرت قُدامي طريقاً فمشيت

وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت

كيف أبصرتَ طريقي؟ ولماذا؟

لست أدري، لست أدري

وتستمر القصة أو القصيدة على هذا المنوال مليئة بالشكّ والحيرة في قصة الخلق، في البدء، في المصير. نحن، لا، نعرف من خلقنا ونعرف كيف خلقنا ونعرف ما هو المصير الذي ينتظر المؤمن وينتظر الكافر وحدّثنا الله عن قصص السابقين، نحن في سورة الصافات اليوم مررنا على قصة نوح وإبراهيم وموسى وإلياس ويونس ولوط وتوقفنا مع جدال النبي e للمشركين، لدينا صورة واضحة كاملة تامة لكل التفاصيل. ولذلك نحن عندما نتدارس مثل هذا القصص لكي نطمئن أكثر وهذا كان يطلبه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) إلى آخره، فالطمأنينة تأتي مع العلم وكثرة التفقّه في كتاب الله سبحانه وتعالى وتلاوة آياته والتدبر في معانيها ومعرفة تفسيرها، كيف بدأ الله الخلق؟ كيف خلق هؤلاء؟ كيف خلق هذه الأمم؟ كيف بعث هؤلاء الأنبياء؟ ما الذي قاله الأنبياء لأقوامهم؟ وما الذي قاله الأقوام لأنبيائهم؟ هذه تزيد يقين المؤمن وتعينه على الاستمرار.

ثم يقول الله I في الآيات التي بعدها (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) وقبل ذلك في قوله I (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) هذا كلام الملائكة عليهم الصلاة والسلام (وَمَا مِنَّا) أي الملائكة (إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) الله سبحانه وتعالى قد جعل للملائكة مراتب، فأعظم الملائكة جبريل عليه الصلاة والسلام وذكر النبي e صفة جبريل فقال: إني رأيته على صفته الملائكية مرتين له ستمائة جناح وذكر من صفته عليه الصلاة والسلام الشيء العظيم وحدّث النبي e أصحابه يوماً عن أحد الملائكة قال: ما بين شحمة أذنيه وكتفيه مسيرة -نسيت ما أدري خمسمائة سنة أو سبعمائة سنة- فلك أن تتخيل عظمة هذا المخلوق وهو ليس أضخم من جبريل!. قال (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) وهذه أيضاً من الأدلة على أن المقصود بالصافات في أول السورة الملائكة عليهم السلام (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) أي الذين يصفّون بين يدي الله ولعبادته صفوفاً. (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) ودعونا نرجع إلى قصة يونس فالملائكة عليهم الصلاة والسلام يكثرون من التسبيح هذه من صفاتهم قال الله (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) وهم مكان قدوة ومحل قدوة في هذا الأمر الإكثار من التسبيح ويونس عليه الصلاة والسلام كما مر معنا في القصة (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

قال الله سبحانه وتعالى (وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) بعض الكفار عندما يُدعَون إلى الله I يقولون (لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ) يعني لو كنا على بينة ونصدقكم فيما تقولون عن الأولين لكنا عباد الله المخلصين وكنا استجبنا لله، وبعضهم يحتج بالقدر فيقولون لو أراد الله أن نؤمن لهدانا فيحتجون بهذا على الكفر الذي هم فيه.

قال الله (فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وهذه الآيات فيها دروس وفيها عبر منها:

·       أن الحق والباطل ضدان أزليان منذ أن خلق الله آدم u وربما من قبل ذلك لكن نحن لا نعرف إلا من خلق آدم إلى اليوم وهما ضدان دائماً يتنازعان قال الله I: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) فهذا صراع بين الحق والباطل ولذلك ترون أنتم اليوم الحروب والمنازعات والمناكفات كل المنازعات التي ترونها صراع بين الحق والباطل، ليبلوكم ويعرف الله I ويعلم هذا متحققاً. أيضاً من فوائد هذه الآيات تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به (سبحان الله عما يصفون) هذه هي الآية التي نستنبط منها هذا الحكم.

·       ومن فوائد هذه الآيات تقرير طبيعة الملائكة، نحن نعرف الملائكة خلقهم الله من نور فهم مخالفون لنا في طبيعة الخِلْقة نحن مخلقون من تراب وهم مخلقون من نور، وهم لا يعصون الله ما أمرهم أما نحن فتقع منا المعصية، وهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون أما البشر فمنهم المؤمن ومنهم الكافر

·       ومن فوائد هذه الآيات وهذه أريد أن أؤكد عليها يا شباب وهذه تهمكم جداً تقرير دور العقل في الاحتجاج على التوحيد، الأدلة العقلية اجمعوها يا شباب كل ما تمر معكم في الآيات الاستدلالات العقلية التي مرت معنا إجمعوها لأنها مفيدة جداً في المحاججة والمجادلة للكفار والملحدين وحتى أنت في تعليمك وفي قناعتك، وهناك كتاب اسمه "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان" لمحمد بن إبراهيم الوزير اليماني كتاب قيم جداً. ولذلك الله I يقول هنا (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) هذا يدل على أهمية العقل في الحوار وإعمالك في الملاحظة والمقارنة واستنتاج الحقائق وعدم تهميش العقل بنظريات خرافية مثل نظريات العرب ينسبون البنات إلى الله I هكذا بدون أي حجة وبدون أي دليل.

ثم يقول الله I في آخر هذه السورة العظيمة (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) يقول الله I قد أوحينا إلى عبادنا المرسلين كلمة والمقصود بالكلمة هنا مجموعة من الكلمات لكن مثل ما أن يقول كلمة التوحيد، كلمة التوحيد ليست كلمة وإنما جملة "لا إله إلا الله" أليس كذلك؟ لكنه يسميها الله كلمة. وعندما يقول (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) هي ليست كلمة وإنما أكثر، لكن العرب يسمون القطعة من الكلام كلمة، كأن نقول والله ألقى اليوم محمد كلمة جميلة نقصد أنه ألقى خطبة مثلاً ولا نقصد أنه ألقى كلمة واحدة فيقول الله هنا (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) فالله سبحانه وتعالى قد ضمن لعباده المرسلين النصر، وهذا فيه تهديد للمخالفين الذين يكذبونه وقريش تسمع هذه الآيات (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) هذا الخطاب لقريش يا محمد قد سبق كلمتنا كما رأيت لعبادنا المرسلين، أنا قصصت عليك قصة نوح وقصة إبراهيم وقصة موسى وإلياس ولوط وعيسى ويونس كل هؤلاء الأنبياء ماذا كانت النتيجة ؟ نصر الله هؤلاء الأنبياء على أقوامهم المكذبين وليست هذه فقط لهؤلاء الأنبياء الذين ذكرتهم لك بل لكل الأنبياء (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) وهذه قاعدة عامة أن الله I ينصر رسله ولذلك قال (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) ولا شك أن هذا وعد عظيم من قادرٍ I ليس وعداً من غير قادر وإنما وعد من القادر العزيز I.

ثم قال (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) ولاحظوا أن الله ينسب هؤلاء الجند المجاهدين إلى نفسه فيقول (وَإِنَّ جُنْدَنَا) هو الذي جنّدهم ولذلك الذين يجاهدون في سبيل الله هم منصورون بإذن الله تعالى في كل الحالات سواء قتلوا أو انتصروا، نسأل الله أن ينصرهم في كل مكان وأن يديلهم على أعدائهم. والله قد وعدنا كما في هذه الآيات أن المؤمنين والمجاهدين والصابرين هم المنصورون لكن هل النصر هو أنك تبقى على قيد الحياة دائماً؟ ليس بالضرورة، قد يكون النصر هو أنك تُستأصل عن بكرة أبيك يكون هذا نصر ولذلك الله I عندما ذكر قصة أصحاب الأخدود وقد أبيدوا عن بكرة أبيهم صح؟ قال الله I (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) البروج) ثم قال الله I (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) ثم قال (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) لاحظوا في القرآن الكريم كله ما فيه هذا الوصف إلا في هذه الآية أنه وصف الفوز بأنه فوز كبير مع أنهم ماتوا كلهم لكنه انتصر منهجهم، انتصرت عقيدتهم، وانتقلوا إلى المرحلة التي تليها. والمؤمن المجاهد الصابر إذا مات انتقل إلى النعيم المقيم بإذن الله تعالى، فالله I هنا يذكر هذه القاعدة فيقول: هذا وعدٌ مني لرسلي وأتباعهم المؤمنين إلى يوم القيامة (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) مهما تعرضوا له من النكبات أو الخسائر أو العثرات. (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) يا محمد يعني تول عن هؤلاء المكذبين (حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) يعني أبصرهم أمهلهم وأنظِرهم وهم كذلك يُنظِرونك ويتربّصون بك، كل واحد يتربّص بالثاني. (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) كان المشركون يستعجلون ويقولون للنبي e إن كنت صادقاً فأتنا بعذاب الله، فالله I ذكر أنهم سوف يأتيهم العذاب ولكن الله لا يستعجل بعجلة ابن آدم فقال الله I (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) وقال (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) وقال هنا (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) يعني إذا نزل عذابنا بساحتهم فساء ذلك الصباح عليهم. (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) هذا تكرار لما تقدّم من تنزيه الله I لنفسه عن هذه العقائد الباطلة التي اتهمه بها هؤلاء المشركون من نسبة البنات إليه. (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) كل هذه القصص التي مرت معنا في سورة الصافات يختمها الله يقول: "سَلَامٌ" ثم يقول بعد هذه القصة الطويلة كلها وهذه السورة العظيمة (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) فكأن سورة الصافات "سورة المرسلين" لأنه أراد فيها أن ينتصر للنبي e ويقصّ عليه هذه القصص العظيمة للأنبياء السابقين الذين انتصروا في النهاية بدعوتهم وبصبرهم وبجهادهم (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)) يختم الله I بهذا الختام العظيم ويحمد الله I نفسه على هذا الفضل العظيم.

أنا أقول لاحظوا معي هذه الآيات العظيمة في سورة الصافات، أولاً لنتخيل معاً يوم نزلت على النبي e قبل أن تنزل عليه هذه السورة وهو في مكة وهو في شدة وفي ضيق من تكذيب هؤلاء المشركين ثم تنزل عليه هذه السورة العظيمة تتحدث له عن الماضي السحيق وتتحدث له على المستقبل البعيد في الجنة وفي النار كيف يضمن الله I له النصر ويذكر له القصص الذي يثبته ولذلك يمكن أن نقول أن مجمل ما حوته سورة الصافات نقاط نلخصها في ختام هذه التسع دقائق المتبقية:

Ø   النقطة الأولى التوحيد ودليله في الآفاق والأنفس ذكره الله I في الآفاق في خلق السماوات والأرض وانسلاخ الليل والنهار وخلق السماوات والأرض وإنبات النبات، دليل التوحيد ولذلك الذي أراد الله به خيراً يرى التوحيد في كل شيء كما قال الشاعر:

فيا عجباً كيف يُعصى الإله        أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية       تدل على أنه واحد

في النبات، في المطر، في شروق الشمس، في غروب الشمس، في الليل وفي النهار، في تعاقب الليل والنهار، في روحك التي بين جنبيك، في نومك وفي يقظتك، أليس كذلك؟

Ø   أيضاً من المعالم الرئيسية: خلق السماوات والأرض ووصفه سبحانه لذلك كيف خلق السماوات والأرض .

Ø   أيضاً من المعالم: إنكار المشركين للبعث، وأن هذا من العقائد المشتركة بين كل المكذبين ينكرون اليوم الآخر، وذكر الله I محاورة أهل الجنة لأهل النار والعكس.

Ø   أيضاً من المعالم: كيف وصف الله الجنة ونعيمها ووصف الله I لنا الخمر التي في الجنة وصفاتها ووصف لنا الشجرة التي في جهنم شجرة الزقوم.

Ø   أيضاً من معالم هذه السورة العظيمة: ما ذكره الله من قصص الأنبياء نوح وإبراهيم وموسى ويونس ولوط وإلياس وما فيها من العبر مع أنه أخذ منها مقاطع فقط.

Ø   ومن معالم هذه السورة: دفع فرية المشركين وقولهم إن الملائكة بنات الله والاحتجاج عليهم بأنهم لم يشهدوا هذا الخلق فهم كاذبون وليس لديهم كتاب يُثبِت هذا الزعم الذي زعموه وإنما هو تخرّص جاءوا به من عند أنفسهم.

ومن فوائد هذه السورة التي مرت معنا:

Ø   تنزيه الله I عما ألصقه به هؤلاء المشركون.

Ø   ومن فوائد هذه السورة العظيمة: أن المشركين لا يفتنون إلا أصحاب العقول الضعيفة التي لم تستنر بنور الوحي وهذا فيه إشارة إلى ضرورة التعلم والتفقه في كتاب الله I حتى يعرف المسلم كيف يجاوب ويحاجج ويدافع عن عقيدته وعن دينه.

Ø   ومن فوائد هذه السورة العظيمة وهي التي سميت بها السورة: وصف الملائكة عليهم الصلاة والسلام بأنهم صافّون يصفّون أقدامهم بين يدي الله I وأن صفوفنا نحن في الصلاة تشبه بصفوف الملائكة الكرام عليهم الصلاة والسلام. ولذلك قال النبي e للصحابة: "ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يحاذون بين الأقدام أو بين الأكعب والمناكب أو نحو ذلك".

Ø   ومن فوائد هذه الآية: مدح المرسلين عليهم الصلاة والسلام والثناء عليهم، وفي هذا إشارة إلى أن القدح فيهم كفر وتكذيب لكل ما مدحهم الله I به، أليس كذلك؟ أي قدح في أي نبي من الأنبياء تكذيب لهذا الثناء الذي أثناه الله I على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ونحن نكرر أيها الأخوة نحن المسلمون أي قدح في نبي من الأنبياء من بني إسرائيل أو ممن قبلهم فهو قدح في جميع الأنبياء فنحن ندافع عن عيسى وندافع عن موسى وندافع عن إبراهيم وعن يونس كما ندافع عن محمد عليه الصلاة والسلام سواء.

Ø   ومن المعالم التي مرت معنا أيضاً: حمدُ الله I وثنائه على نفسه ولذلك ختم الله I السورة به فقال (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)) وهذا من أبلغ الدعاء ولذلك كان يختم النبي e به دعاءه، ويختم به الأئمة ويختم به الداعي المسلم دعاءه لأن هذا من أبلغ الدعاء. ولذلك النبي e يقول: "لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ولذلك من أجود الدعاء الذي يدعو به المسلم ما دعا الله به في القرآن وهذا من فضل الله I علينا أنه علّمنا كيف نثني عليه، وهذه نعمة عظيمة.

 

Ø   وأختم بهذه الفائدة أنه لاحظوا في كيف علّمنا الله كيف نثني عليه، وكيف علّم بني إسرائيل، فعندما علّمنا في سورة البقرة في آخرها في قوله سبحانه وتعالى (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)) هذا في سورة البقرة والخطاب للنبي e وللمسلمين. لكن عندما جاء في ذكر قصة من قصص بني إسرائيل قال في سورة آل عمران (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) لاحظوا الفرق بين الدعاء الذي علّمه الله للنبي e ولأمته وبين هذا الدعاء الذي علّمه لبني إسرائيل تجد فضل محمد عليه الصلاة والسلام وأمته على سائر الأمم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل