سحر البيان في تعدد قرآءات القرآن - د. محمود شمس - المجلس 33

دورة سحر البيان في تعدد القرآءات القرآنية – 1437هـ

المجلس 33 – توجيه القرآن من الآية 261 في سورة البقرة

د. محمود شمس

تكلمنا في اللقاء السابق عن قول الله تبارك وتعالى:

(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

وعندما تكلمنا في قضية الإنفاق، وقضية إسناد الإنبات إلى الحبة، واستعمال جمع التكسير في (سَبْعَ سَنَابِلَ) واتفاق القرآءات جميعها على ذلك، وهذا يدل على أن القرآءات وحي من عند الله تبارك وتعالى لأن اتفاق القراء على قرآءة واحدة في كلمة يمكن أن تُقرأ بأكثر من قرآءة، إنما هو دليل أن القرآءات وحي من عند الله.

*في كلمة (مِّئَةُ حَبَّةٍ): إبدال الهمزة ياءً؛ لكونها مفتوحة بعد كسر، ونعلم أن العرب في الأصل كانوا يكرهون النبر أي الهمز؛ لأن الهمز ثقيل حرف شديد.

*الجمع بين اللغات في الكلمتين أمر من الأمور التي تؤكد إعجاز القرآءات لأن الله تعالى عندما يأتي باللغات التي وردت في كلمة فإنّ في ذلك محافظة على اللغات العربية.

*وفي قوله: (وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) قراءتان:

يضاعف: بتخفيف العين وإثبات الألف.

يضعّف: بتشديد العين وحذف الألف.

ومعلومٌ أن التشديد للتكثير، ف(يضعّف) معناها يدل على تكثير التضعيف عن مضاعف، ويستعمل الله تبارك وتعالى في الإنفاق قضية التضعيف والمضاعفة، بين التكرار لأن التكرار بعدد محدد، أما التضعيف والمضاعفة فإنما هو تكرار غير محدد، زيادة أكثر من مرة إلى ما شاء الله إلى سبعمائة ضعف.

*وقرآءة التشديد (يضعّف): يدل على أن التضعيف يزيد عن (يضاعف).

ويختم الله الآية بـ (وَاسِعٌ عَلِيمٌ):

أي: لا تعمل عقلك في كيفية المضاعفة وكيفية التضعيف لأن الله تعالى واسع يسع هذا التضعيف وهو قادر على كل شيء، وفي نفس الوقت هو عليم يعلم أين يضع تضعيفه، يعلم المخلص من غير المخلص يعلم من أنفق مرضاة الله ومن أنفق في غير مرضاة الله.

قوله تعالى:

( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)

 *في قضية الإنفاق في القرآن الكريم يستعمل الله أساليب متعددة لبيان المراد من مكانة المنفقين عند الله تبارك وتعالى، فنجد القرآن الكريم أحيانا يستعمل أسلوب الإنفاق العام ويستعمل أسلوب الإنفاق الخاص، لكنه في أحيان كثيرة يذكر الإنفاق دون أن يقيد بالمال كما قال في آية سورة آل عمران: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)

فهاهنا إنفاق عام، إنفاق بالمال، بالكلمة الطيبة، بالوقت، بالجهد، بالصحة، بالعلم، ولذلك فإن الله جلّ وعلا ذكر جهد الإنسان في تصدقه مقابل صدقة المال:

 (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

*ذكر الله تبارك وتعالى صنفا لا يجد إلا جهده أي طاقته وجهده فهو يتصدق منه أيضًا وهذا يدل على أن هناك من الصدقات ما هو من غير المال، هاهنا في الآية التي معنا قيّد الانفاق بالمال (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَمَا أَنْفَقُوا): (ثمّ) هاهنا للتراخي، وتكون أحيانا للتراخي الرتبي كما سبق بيانه، وهو أن يكون ما بعد (ثمّ) أهم وأقوى مما قبلها.

أي أن الأهم ألا تتبع صدقتك منا أو أذى، وهو أولى بأن ينفق من غير أن يتبع صدقته منا ولا أذى.

*المنّ من الله على عباده هو الإنعام والفضل، ومن الإنسان إلى أخيه بمعنى أن يعيره بما أنفق عليه، ومن معاني المنّ أيضا: القطع، كما وردت (غيرُ منوُّنٍ) وهناك أيضا (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) في سورة هود، الجذ: هو القطع.

*لم يقل فيها (عطاء غير ممنون) لأنه في الجنة لا يوجد منّ ولا معايرة، ولم يبق إلا التخوف من القطع فجاء القرآن بكلمة مجذوذ لإبعاد هذا التخوف.

قال الله (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)؛ لأن التخوف من القطع هو الموجود هناك، أما المنّ بمعنى المعايرة فلا يوجد له مكان.

 (وَلا أَذىً): أي ولا أذى للمتصدق عليه أو المنفق عليه؛ لأن الإنسان إذا كنا سننفق عليه ثم بعد ذلك نؤذيه بالقول أو أي حركة فلعله يتمنى لو لم يقبل تلك الصدقة، بعض الناس يتمنون أن يموتوا جوعا ولا يؤذيهم بالمنّ من تصدق عليهم.

*حكمة عربية معروفة: واحد كان ذا مكانة ومال لكن تغيرت عليه الظروف فأصبح في حاجة وذات يوم له حاجة عند أحد الناس ولكن هذا الناس لا يقدر أحدا هو قوي في ذاته، لكن الرجل لم يحترمه ولم يقدره ولم يعطه، فقال متألما متحسرا: (والله والله لحفر بئر بإبرتين وكنس أرض الحجاز في يوم ريح بريشتين ومشي بحرين زاخرين إلى صعيد بمنخلين وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين ولا وقوفي أمام لئيم يضيع معه حياء عين. يعني: لا يراعي الحياء في عيني).

(ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً)

 (ثم) لو أردنا أن نطبقها في أرض الواقع ربما بعض الناس لا يؤذي عقب الصدقة لكن بمرور الأيام يحدث موقف ما، فمن الممكن ان يضنّ على المتصدق عليه أو يؤذيه، وإذا كانت (ثمّ) للتراخي الزماني فمهما تباعد الزمن فلا ينبغي أن تتبع صدقتك منا ولا أذى, النفس البشرية إن لم يجاهدها الإنسان وإن لم يؤثر فيها القرآن فلا فائدة من ذلك، بل (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) الصدقة من أقرب وأفضل القربات إلى الله لكن الله تعالى جعل قول المعروف خيرا ،والمغفرة لها محوران في المعنى الذي ألم فقد يخطئ التعير. المحور الثاني ينبعي أن تيتر علي لذلك رب العباد يختم تلك الآية بغني حليم.

*الغني دائما تأتي ختاما للآيات التي تتحدث عن الإنفاق (َأَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ مِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖوَلَاتَيَمَّمُواالْخَبِيثَمِنْهُتُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚوَاعْلَمُواأَنَّاللَّهَغَنِيٌّ حَمِيدٌ )غني عن صدقتك إذا كنت ستؤذي من تصدقت عليه فإن الله غني عن صدقتك قادر على أن يبدل الأحوال فيجعلك فقيرا ويجعله غنيا قالت أنا آخذ نصيبي من الطعام وأتصدق بشيء فذهبت بنصبيها لتعطيه للسائل فيدخل الزوج ويضربها فيأتي من يتزوجها وكان كريما جدا منها وكان يقول لها لا تبخلي على أحد فأتى يوما سائل فخرجت لتعطيه وإذا بها تعود وهي باكية قالت وجدت السائل الذي بالباب الزوج الأول فقال لها وأنا السائل الأول وذكرها فالله تبارك وتعالى عني، أنت تبخل بما لا يتكلون الله غني حليم يمهلهم ويجعل هذا في نفي عذابهم وخلودهم في جهنم.

(لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) كأن المنّ يبطل الصدقة بنصّ القرآن

 

(كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) وهنا (ينفق) استخدم ينفق بالمفرد، في المدح (ينفقون) وفي الإنفاق رياء (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) ليس فردا قد يكون كثير لم أفرده الله هكذا؟ إشارة إلى أن المجتمع المسلم لا يتفق على معصية، لا توجد جماعة تقول تعالوا نرتكب معصية الليلة لكنهم يجتمعون على الطاعة. أما المعصية فيسعدها هو وحده لكن الله تعالى يعبذر هاهنا بقوله (يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) الزمخشري له كلام جميل ويعدها من الكلم النوابغ ذكرها وهي المنّ فنداء يقول: طعم الآلآء أحلى من المنّ وهو أمرّ من الآلآء عند المنّ. الآلآء الأولى غير الثانية، الأولى النعم والآلآء الثانية شجرة ورقها مرّ يقال في اليمن شجرة اسمها الآلآء أوراقها مرة من أشد الأشياء مرارة. والمنّ الأول ما ينزل على ورق الشجر يشبه العسل طعمه (الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) والمنّ الثاني معايرة المنعم بالنعمة؛ طعم المنّ مرارة في ورقها عند المنّ أي المعايرة؛ ولذلك من يمنّ على الناسيكونفعلهلهمرارةفينفسمنيمنعليه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل