سحر البيان في تعدد قرآءات القرآن - د. محمود شمس - المجلس 32

دورة سحر البيان في القرآءات القرآنية – 1437هـ

المجلس 32

د. محمود شمس

تكلمنا في اللقاء الواحد والثلاثين عن قوله تعالى:

﴿ أَوۡ كَالَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ۬ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ (البقرة:٢٥٩)

وتكلمنا عن الفعل (مرّ) سواء تعدى بحرف الاستعلاء (على) أو بالباء.

وتوقفنا عند قول الله تعالى: ﴿ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ

والقراءات الواردة في هذا الفعل اثنان:

* قراءة بحذف الهاء وصلا واثباتها وقفا.

* قراءة بإثباتها وصلا ووقفا.

أصل الهاء هاهنا في قول الله تبارك وتعالى  ﴿ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ

- البعض يرى أن أصلها (من السنة) وتصغيرها سنيهة، والسنة معناها أن في تلك السنة بمرورها تتغير الأشياء التي تترك مصنوعة أو مطبوخة فهاهنا كلمة سنة أصلها (سنه).

- والبعض  الآخر يرى أنّ ﴿ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ ﴾  أصلها (لم يتسنّ) وكانت قبلها (لم يتسنن) ثم قلبت هذه النون ألفا، فأصبحت (لم يتسنا)، ثم حذفت الألف وعُوّض عنها بهاء السكت.

هذا إذا كان أصلها من يتسنن، وهي من السنة بمعنى الجدب والمجاعة.

فقول الله تعالى ﴿ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ:

- من يحذف الهاء في الوصل يرى أن الفعل أصله (يتسنن) ثم عوّض عنها بهاء السكت. وهاء السكت تكون ساكنة دائما لأنها جيء بها عوضا عن حرف محذوف، أو لبيان حركة أخيرة في الحرف.

- ومن لم يحذف الهاء يرى أن الكلمة أصلها (سنهة) لأن السنة عندهم أصلها سنهة بدليل أنها في التصغير (سنيهة) وبالتالي الهاء أصلية وليست للسكت وبما أنها أصلية فالهاء ثابتة في الوصل وفي الوقف.

فمن يقرأ بحذف الهاء فتكون الهاء عنده هاء سكت، ومن يقرأ بثبوتها في الوقف والوصل فالهاء عنده هاء أصلية.

مع ملاحظة أن الهاء إذا تحركت لم تعد للسكت كما وردت في قول الله تعالى:  ﴿ فَبِهُدَٮٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ (الأنعام:٩٠) اقتده هذه هاء سكت.

        وورد فيها قراءتان بين الإثبات والحذف.

        ثم وردت قراءة ثالثة هي قراءة ابن عامر بتحريك الهاء بالكسر (اقتدهِ)،

هنا عندما تحركت الهاء لم تعد هاء سكت وإنما أصبحت هاء ضمير وهي تعود على مصدر نقدره من الفعل ﴿ فَبِهُدَٮٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ أي: اقتدِ الاقتداء، كأن هذه الهاء يكنى بها عن هذا المصدر وتكون هاء ضمير وليس هاء سكت. والله أعلم.

        ثم لننظر إلى قدرة الله تعالى: فالشيء الذي يتغير بمرور الزمن لم يتغير، الطعام والشراب عمره قصير يوم واحد يؤثر فيه ويتغير ، بخلاف الحمار الذي لا يتغير إلا بمرور زمن كثير  قد يتغير بقدرة الله تعالى، حتى إذا نظر هذا الرجل إلى الحمار الذي لا يهلك بسرعة فيراه قد هلك، والطعام الذي يهلك بسرعة فيجده كما تركه قبل أن ينام، فيتحير في المدة لذلك قال:  ﴿ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٍ ﴾  (البقرة:٢٥٩)

        الكلمة التالية هي كلمة (ننشزها) في نفس الآية ﴿ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ ڪَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمًا‌ۚ ﴾  (البقرة:٢٥٩) .

القراءتان الواردتان في هذه الكلمة خلفهما بين الزاي والراء:

*  (ننشزها) : بمعنى الارتفاع فإن العظام عندما يريد الله تبارك وتعالى إحياء صاحبها فإنه يجمعها وترتفع حتى تلتئم ثم يأتي اللحم وما حوله ليكسو هذه العظام حتى يحيي الله تعالى صاحبها.

* (ننشرها) : بمعنى نحييها ونبعثها، من النشور.

فالقراءتان مترتبتان على بعضهما البعض؛ لأن النشوز هو الارتفاع لذلك المرأة الناشز هي المرأة المتكبرة المترفعة على أوامر زوجها.

إذن ف(ننشزها) بمعنى: نرفعها حتى تلتئم .

ثم تأتي قراءة (ننشرها) والنشر الذي هو بمعنى إحياء الله تبارك وتعالى بعد أن يرفعها حتى تلتئم ثم يكسوها لحما.

إذن لكل قراءة معنى ولكل منهما دلالة في الآية الكريمة.

        ثم بعد ذلك قوله:  ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ ڪُلِّ شَىۡءٍ قَدِيرٌ ﴾  (البقرة:٢٥٩) .

والقراءة الأخرى .. قال  { اعلمْ أن الله على كل شيء قدير}.

* {قال أعلمُ} : بالفعل المضارع بهمزة القطع.

* {قال اعلمْ}: بفعل الأمر مبدوء بهمزة وصل.

{أعلمُ} : إقرار من الرجل أنه أصبح يعلم أن الله على كل شيء قدير؛ لأنه في البداية قال : ﴿ أَنَّىٰ يُحۡىِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَا‌ۖ ﴾: كأن في كلامه بعض الاستغراب، فأقرّ في النهاية أن الله على كل شيء قدير.

وقراءة {اعلمْ} بفعل الأمر توجيهها أن الرجل يخاطب نفسه، يقول لنفسه : ﴿  اعۡلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ ڪُلِّ شَىۡءٍ قَدِيرٌ ﴾  والبعض يرى أنه أمر من الله، أي قال له الله: { اعلمْ أن الله على كل شيء قدير}.

 ولكن عندما نتدبر نجد أن الله قد بيّن له عمليا أنه على كل شيء قدير، فليست هناك مناسبة أن يقول له بعد ذلك (اعلمْ) ، فإذا كان بعد هذه التجربة العملية لا يقر أن الله على كل شيء قدير فما الفائدة من الكلام النظري،  لكنه هو يقر على نفسه أن الله شيء قدير.

.. وهل يصح أن يأمر الإنسان نفسه؟!

نعم يصح ،على سبيل التجريد يسمى عند أهل البلاغة (أسلوب التجريد) يجعل نفسه صديقة له ثم يأمرها وينهاها، كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ﴾ (النازعات:٤٠)

نهى: فعل ماض والنفس مفعول به، فأين الفاعل؟

الفاعل: هو.

فالله تبارك وتعالى أمر الإنسان أن ينهى نفسه، وأمره أن يحاورها وأن يقول لها افعلي ولا تفعلي، وأن يخاطب نفسه لأن الله قد أودع في نفس الإنسان فجورا وتقوى،  فالإنسان مطالب أن يهذب نفسه وأن يجاهدها. ينهى الإنسان نفسه بأن يجرّدها فينهاها.

        تكلمنا سابقا في قول الله تعالى : : ﴿ وَٱلۡمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ ﴾ (البقرة:٢٢٨) المطلقة تتربص بنفسها مع أن الإنسان يتربص بغيره.

        فالذي يرجحه السياق أن الرجل هو الذي يأمر نفسه، لأنه بعد هذه التجربة العملية لا يتوقع أن يحتاج لأمر من خارجه، إذا استفاد من التجربة العملية فهو الآن يأمر نفسه (قال اعلمْ أن الله على كل شيء قدير)، وتجد أن لكل قراءة من هاتين دورا في المعنى، فكأنه قال لنفسه بعد رؤية التجربة العملية: (اعلم)، ثم أخبر عن نفسه أنه قد علِم، قال (أعلمُ أن الله على كل شيء قدير).

رأينا في هذه الآية وحدها ثلاث قراءات وكيف كان أثر ذلك في المعنى.

        ننتقل إلى قول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٲهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى ڪَيۡفَ تُحۡىِ ٱلۡمَوۡتَىٰ‌ۖ﴾ (البقرة:٢٦٠)

تكلمت قبل ذلك عن: (أرني) بكسر الراء ،  و(أرْني) بسكون الراء.

وأصلها (أرئني) ثمّ حذفت الهمزة، وأما على قراءة (أرِني) بالكسر فإن حركة الهمزة قبل أن تحذف نقلت إلى الراء.

﴿ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٲهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى ڪَيۡفَ تُحۡىِ ٱلۡمَوۡتَىٰ‌ۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِن‌ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطۡمَٮِٕنَّ قَلۡبِى‌ۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةً۬ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنۡہُنَّ جُزۡءًا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيًا‌ۚ ﴾ (البقرة:٢٦٠)

        (نعلم أن خليل الرحمن كان يريد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، لأنه كان يعلم علما يقينيا أن الله تعالى قادر، لذا فقد سأل عن الكيفية (كيف تحيي الموتى) وعلل سؤاله بقوله (ليطمئن قلبي).

(أولم تؤمن): يسمى استفهاما تقريريا، والناس أحيانا لا ينتبهون لذلك المعنى فيقولون مثلا: إن كان يعلم علما يقينيا أن الله يحيي الموتى فلماذا قال الله له: أولم تؤمن؟

نقول هذا استفهام تقريري. يعني أن المستفهِم يعلم جواب المستفهَم مقدّما، لكنه يريد أن يأخذ الإقرار من المستفهَم، والله أراد أن يقر خليل الرحمن أنه يؤمن وأنه يعلم ولكنه يريد أن يصل إلى مرحلة عين اليقين.

        واليقين يمر بمراحل ثلاثة: علم يقين - عين يقين - حق يقين.

فالله تبارك وتعالى أمره أن يأخذ أربعة من الطير (أربعةً) بالتنوين والتنكير تدل على أيّ أربعة (من الطير)

( من ) بيانية، والطير أي جنس الطير، لماذا لم يحدد الله الأنواع الأربعة؟

لأنه لو حدد الأنواع الأربعة لقال البعض إن قدرة الله تبارك وتعالى متوقفة على هذه الأنواع لا تتعداها أو كان في ذلك مشقة على إبراهيم أن يذهب ليبحث عن الأنواع التي حددها الله له فربما لا يجدها فترك الله له الباب مفتوحا وقال خذ أي أربعة من أنواع الطير فصرهنّ إليك.

﴿ فَصُرۡهُنَّ ﴾ بالضمّ من صار يصور.

﴿ فَصِرۡهُنَّ ﴾ من صار يصير.

البعض يرى أن القراءتين تفيدان معنى واحدا هو: قرّبهن إليك ادنهن إليك ثم ضمّهن وقطّعهنّ لا يفرقون بين قراءة الكسر وقراءة الضم. فيقولون أن كل قراءة تفيد المعنيين.

يعني (صُرهن) تفيد أملهنّ وقطّعهن و(صِرهنّ) كذلك.

لكن البعض الآخر يفرق بين المعنيين فيجعل قراءة الضمّ ﴿ صُرۡهُنَّ ﴾ أي: صُح بهنّ يعني نادِ عليهن، ولذلك يقال: صوار من الواو وهو يجيب إذا دُعي، فيؤخذ من ﴿ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ﴾ الذي هو بمعنى النداء بمعنى صُح عليهن يعني قرّبهن إليك وأمِلهن.

وتكون ﴿ صِرۡهُنَّ ﴾ بمعنى التقطيع والضم، بمعنى: نادِ عليهن حتى يقتربن منك ونعلم أن نداء الطير وتقريبهن منه حتى يتأكد من سلامتهن تماما.

الكسر بمعنى التقطيع والضمّ بمعنى التقريب وبمعنى أمِلهنّ وقرّبهنّ ونادِ عليهنّ.

﴿ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنۡہُنَّ جُزۡءًا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيًا‌ۚ

        (الجزء وما فيها من قراءات كلها لغات:

جُزءا، جُزُءا، جزّا ، وهكذا.

        ثم يختم الله تعالى بقوله ﴿ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

سؤال: لماذا العزة والحكمة ختمت بهما هذه الاية؟ ولماذا ختمت الآية قبلها بقوله ﴿ اعۡلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ ڪُلِّ شَىۡءٍ قَدِيرٌ﴾؟

الجواب:

لأن الرجل هناك لم يكن مقرا بكمال قدرة الله على ذلك، ولذلك قال لنفسه ﴿ اعۡلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ ڪُلِّ شَىۡءٍ۬ قَدِيرٌ ﴾

لكن هنا إبراهيم موقن تماما أن الله على كل شيء قدير، فلماذا ختمت بالعزة والحكمة هاهنا؟

العزيز:هو الغالب القاهر القادر الذي ليس فوقه من يرد كلامه وليس في حاجة لأحد، هذا معنى العزّة يعني: يا إبراهيم يؤمن من يؤمن ويكفر من يكفر ويكذّب من يكذّب، هذه دلالة أنت طلبتها فتم لك ما أردت واعلم أن الله تبارك وتعالى عزيز ليس في حاجة لأحد وليس فوقه من يرد كلامه.

كلمة (حكيم) يسميها أهل البلاغة احتراس حسن، احتراس ليقول لك اعلم أن حكمة الله تبارك وتعالى تقتضي أن يضع قوته وعلمه وأمره في مكانها، فليست قوة كقوة البشر التي قد يضعونها ظلما في الناس، فالله مع أنه عزيز إلا أنه حكيم فالحكيم هاهنا احتراس حسن،

ولذلك نجد في قول الله تعالى ﴿ إِن تُعَذِّبۡہُمۡ فَإِنَّہُمۡ عِبَادُكَ‌ۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ﴾ (المائدة:١١٨)

البعض يقول هذا موضع مغفرة، نقول: لا،

فعيسى عليه السلام يفوض الأمر لله تعالى في قوم مجرمين يستحقون العقاب  ﴿ إِن تُعَذِّبۡہُمۡ فَإِنَّہُمۡ عِبَادُكَ‌ۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ﴾

العزيز: الغالب القاهر القادر الذي ليس فوقه فمن يستطيع أن يقول له لم فعلت هذا،

لكنه في نفس الوقت (حكيم)

فلو قال مثلا (فإنك أنت الغفور الرحيم) لكانت المغفرة والرحمة هاهنا تدل على ضعف - تعالى الله عن ذلك-.

هذا هو السر في أن هذه الآية ختمت بالعزة والحكمة، والآية التي قبلها ختمت بالقدرة (اعلم أن الله على كل شيء قدير).

        الآية التالية:

﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٲلَهُمۡ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍ۬ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ۬ۗ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ‌ۗ وَٱللَّهُ وَٲسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة٢٦١)

في إنفاق المال نجد عجبًا، فالله يسند المال للمنفقين بإضافته إليهم ﴿ يُنفِقُونَ أَمۡوَٲلَهُمۡ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ عندما يريد أن يمدحهم مبينا مكانتهم، ولكن عندما يريد أن يحثهم على الإنفاق يقول:

- ﴿ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ يُنفِقُونَ ﴾ (البقرة:٣)

- ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِ‌ۖ ﴾ (الحديد:٧).

فيضيف المال والرزق إليه سبحانه؛ وذلك ليذكرهم بأن المال مال الله، وهو قادر أن يسلبه منهم ويعطيه من يشاء.

في قوله:  ﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ ﴾

أين فاعل أنبتت؟

الفاعل ضمير مستتر تقديره (هي) يعود على (حبّة)، فأسند الله الإنبات للحبة.

كيف يسند الإنبات للحبة مع أن المنبِت هو الله كما قال تعالى ﴿ ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُ ۥۤ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٲرِعُونَ ﴾ (الواقعة:٦٤)

الإنبات بالذات رب العباد ما أسنده لأحد أبدًا وإنما هو المنبِت تبارك وتعالى، الإنسان يسمى حارثا وليس زارعا، والإنبات مختص بالله تبارك وتعالى، فهو المنبت حقيقة، فكيف أسند الإنبات للحبة؟

الجواب: هذه إشارة إلى معنى لطيف، وهو أن الله - تبارك وتعالى- يشير إلى أن الحبة المباركة المنتقاة بإخلاص إذا وضعت في أرض صالحة للإنبات وأخذ صاحبها بكل الأسباب فهي حبة منبتة بإذن الله، وهذا يعني أنّ الجنيه أو الريال الذي ينفقه الإنسان إذا كان قد أتى به من حلال وأنفقه ابتغاء مرضاة ربه ووضعه في مكانه فسيضاعفه الله لصاحبه بلا شك. نستدل بتلك الآية على أنه ينبغي للإنسان أن يضع صدقته في مكانها المناسب الصالح لتثمر الحسنات المضاعفة.

ما السر في بيان جزاء المنفقين أموالهم بهذا التشبيه وهذا المثل؟ ما المعنى الجامع بين الإنفاق وبين هذا المثل؟

تعلمون عندما يرغب الفلاح في إعادة زراعة أرضه فإنه يتخير أفضل أنواع البذر فيأتي ببذور لا تحتمل إلا القوة والأصالة، ثم يهيئ التربة تماما ثم يتخير المكان الصالح للإنبات فلا يضع البذرة في أرض صخرة لا تُنبت.

أولاً يتخير البذرة لزراعة أرضه، وينبه على أهل بيته لا أحد يأتي ناحية هذه البذور ومن الممكن أن يضع يده فيها وهو داخل وهو خارج يعني كأنه يحاول أن يتلمس الاهتمام الكبير، وهكذا يتخير البذور ويتخير الأرض، ويأخذ بالأسباب أملًأ في الحصول على الخير الكثير؛ لأن البذرة ستأتي بالآف، فالله تبارك وتعالى يخاطب في الإنسان عقله، أتثق في الأرض الصلبة التي وضعت فيها البذر ولا تثق بالله تبارك وتعالى الذي وعدك بالأجر العظيم على صدقتك وأنه يدّخرها لك، وأن ما عند العباد فان، وما عند الله باقٍ  ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٲلَهُمۡ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ ﴾

قال هنا ﴿ سَبۡعَ سَنَابِلَ ﴾ ، وفي قصة يوسف ﴿ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَـٰتٍ ﴾ ... فما الفرق بينهما؟

(سنابل) : جمع تكسير، وجمع التكسير يدل على جمع الكثرة، وعندما نضع جمع الكثرة مع العدد سبعة قد يفيد مطلق العدد؛ لأن العدد سبعة ومشتقاته يدل على مطلق عدد وليس السبعة بحقيقتها.

(سنبلات) : جمع مؤنث سالم القلة، يدل على حقيقة العدد الذي قبله، فالسبعة التي هنا غير التي هناك.

السبع التي هنا في سورة البقرة تدل على مطلق العدد، فليس بالضروة أن كل حبة تنبت سبع سنابل، قد تنبت أكثر، أما في الآية في سورة يوسف في رؤيا الملك ﴿ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٲتٍ سِمَانٍ يَأۡڪُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٌ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضۡرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ ﴾ فهو رأى سبع بقرات بالعدد.

ما علاقة القراءات بهذا؟

اتفاق القراء كلهم على قراءته هنا ﴿ سَنَابِلَ ﴾ ، وفي يوسف ﴿ سُنۢبُلَـٰتٍ ﴾ لهو دليل على أن القراءات وحي من عند الله، فالقراء اتفقوا على ﴿ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ ﴾ واتفقوا على ﴿ سَبۡعَ سَنَابِلَ ﴾   هنا،  و﴿ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَـٰتٍ ﴾ هناك، وهذا يؤكد أن القراءات من عند الله، وليست محل اجتهاد أو قياس من البشر.

والله أعلم.

قامت بتفريغ المجلس : سمر الأرناؤوط

وقامت بتنسيقه:

 

جنان الرحمن



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل