سحر البيان في تعدد قرآءات القرآن - د. محمود شمس - المجلس العشرون

دورة سحر البيان في تعدد قراءات القرآن -  20

فرش سورة البقرة .. تابع.

د. محمود شمس

 قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (البقرة:58)

هنا عندنا ثلاث قراءات:

1.     ﴿  وَقُولُوا حِطَّةٌ  يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ﴾

2.     ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ   تُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ﴾

3.     ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ  نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ﴾

أولا: (الخطايا) جمع خطيئة .

والخطيئة تجمع على خطايا - جمع تكسير- .. وتُجمع على خطيئات - جمع مؤنث سالم -.

جمع التكسير يدل على الكثرة قولا واحدا.

أما جمع المؤنث السالم فإنه يدل على القلة لأنه إذا وقع تمييزا لمعدود سنجد المعدود من ثلاثة إلى تسعة.

جمع المؤنث السالم أقول: ثلاث خطيئات وأربع خطيئات إلى تسع خطيئات. لكن جمع التكسير يقع تمييزا لكل الأعداد إذن جمع التكسير فيه دلالة على الكثرة.

o        (خطاياكم) هاهنا تدل على كثرة خطاياهم التي وُعدوا بمغفرتها. ولذلك نجد (خطاياكم) هذه لم يقرأها أحد من القراء (خطيئاتكم) بينما في سورة الأعراف جمهور القراء على  (خطيئاتكم) نفس الآية تقريبا.

جمع التكسير يدل على كثرة الخطايا.

o        (يُغفر لكم) قراءة التذكير والبناء للمجهول - أو ما لم يسم فاعله -.

قراءة ( يُغفر)  و( تُغفر) لما لم يسم فاعله .. المقصود منها تسليط المغفرة على الخطايا.

هناك قاعدة نتعلمها وهي: بناء الفعل لما لم يسم فاعله في القرآن الكريم يريد الله منك أن تسلط فهمك على المذكور ولا تنظر إلى الفاعل لأن الفاعل معلوم مثلًا ﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾  (البقرة:183) .

البناء لما لم يسم فاعله يريد الله منك أن تسلط نظرك وفهمك على الصيام المكتوب لأنه معلوم أن الله هو الذي كتبه فانصرفْ أنت إلى هذا الصيام الذي كتبه الله عليك.

وهنا في كلمة (يُغفر) و(تُغفر) يسلط الضوء على مغفرة الخطايا ليصرف النظر عمن غفرها لأنه معلوم أنه لا يغفر الخطايا إلا الله.

فقراءة (يُغفر) و(تُغفر) للفت نظرك إلى مغفرة الخطايا هاهنا فقط. والمطلوب هو الخضوع والانقياد والامتثال لأمر الله تبارك وتعالى.

وأما قراءة التذكير.. فقلت سابقا بأن الجمع إذا كان يجوز في فعله التذكير والتأنيث فيكون التذكير إذا أريد القلة.. ويكون التأنيث إذا أريد الكثرة .

(يُغفر لكم) جمع خطاياكم. و(تُغفر لكم) على تقدير جماعة يعني كثرة أكثر من الخطايا التي فيها قراءة التذكير. قراءة التذكير دلالة على قلة عدد الخطايا. وأما قراءة التأنيث ففيها كثرة تلك الخطايا. الإنسان بطبيعته عندما يسمع هذا يدرك من الذي سيغفر تلك الخطايا فتأتي قراءة  (نغفر) بإسناد المغفرة لله تعالى بنون العظمة  ﴿  نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ.

والتأنيث يدل على الكثرة ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ ﴾ (الحجرات:14) قالت جماعة الأعراب فأنّث .. أما في ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ ﴾ (يوسف:30) ذكّر للدلالة على القلة.

o        ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ  نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾  (تُغفر لكم) (يُغفر لكم) هذا معناه طمأنينة كاملة لتلك القلوب ومنّة كبيرة من الله عليهم أن ذنوبهم تُغفر والله تبارك وتعالى هو الذي يغفرها. فهاهنا بيان امتنان من الله على هؤلاء الناس بمغفرة ذنوبهم إذا خضعوا وانقادوا لأمر الله تبارك وتعالى.

ولذلك الدلالة على أن (خطايا) للكثرة قول السحرة في قصة موسى ﴿ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا ﴾ (الشعراء:51) عندما لامس الإيمان قلوب هؤلاء السحرة أدركوا أنهم ارتكبوا خطايا عظيمة.

وفي سورة طه  ﴿ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ (طه:73) وليس خطيئاتنا.

عندنا من القراءات ما يكون لغات مستعملة في الكلمة وذلك في مثل:

·         قراءة أبي عمرو في كلمة (بارئكم) توالي الحركات هناك قاعدة يجوز التسكين لكثرة توالي الحركات بالرغم من أنه لا يوجد ما يدعو إلى التسكين.

·         وعندنا (هزؤا) و (كفؤا) هذا أيضًا من ضمن اللغات الواردة في الكلمة ضم عين الكلمة اتباعا لضم فائه أو اسكان العين تخفيفا ، وكذا نجد فيها القراءة بتحقيق الهمز وإبداله رأوا ، كلها لغات

·         هناك كلمات مثل كلمة (النبي) - الإدغام والإظهار- من باب التخفيف لا علاقة له بالمعنى.

أنا لست ممن يتعنت ليبرز معنى ناشئا في الأصول، إلا ما كان في الأصل فعلا في الدلالة فهو تخفيف فقط ولو أردنا أن نوجهه في المعنى سنضطر أن نتعنت ونطوي النص ونطوي الآية حتى يتفق مع ما نذهب إليه لست مع هذا لكنه لا بد أن يكون في القراءات لهجات إذ أن اللهجات العربية المستعملة هي أفضل وسيلة لحفظ اللغة.

ورود القراءة بأكثر من لغة دليل على أن القراءات وحي من عند الله وأفضل وسيلة لحفظ اللغة.

o        عندنا مثلا كلمة (النبي) و(النبيء) فيها قراءتان: قرأ نافع  بالهمز والباقون بعدم الهمز.

- (النبيء) بالهمزة من نبَأ ومن أنبأ يعني أخبر. لأن النبي يُخبر عن الله تبارك وتعالى ورسالته الإخبار عن الله لا يأتي بشيء من عنده. هذه قراءة الهمز.

- (النبي) وأما قراءة إبدال الهمز بالياء (النبي) فهو من النبوة من نبو .

والنباوة فيها معنى الرفعة. رفعة الشأن وعلوه. هذا في معنى النباوة.

فالقراءتان كل منهما أعطتنا معنى..

(فالنبيء) ..  بالهمز للإخبار عن الله تبارك وتعالى.

وأما (النبي) فهي من النباوة وهي الرفعة ورفعة الشأن.

فهم مصطفون من الله تبارك وتعالى ولذلك دل هذا الاسم على رفعة شأنهم.

والخلاف بين العلماء في قضية التفضيل - التي لا نحبها - لأن هذه قراءة وهذه قراءة.

البعض يقول بالهمز أفضل لأنه يدل على مهمتهم العظيمة في الإخبار عن الله وكونها تدل على تلك المهمة أولى من الدلالة على رفعة شأنهم -لأن رفعة شأنهم معلومة - لكننا نقول إن القراءتين جمعتا بين المعنيين.

وهناك فرق بين الخبر والنبأ .. فماهو؟

الفرق بين النبأ والخبر:

الخبر هو قول يحتمل الصدق والكذب لذاته.. - لذات الخبر وليس للمخبِر-.

واحد أخبرني بخبر، هذا الخبر يحتمل أمرًا من أمرين: الصدق والكذب. الخبر الذي أخبرني به له واقع أستطيع أن أذهب إلى واقعه وأسأل.

أحدهم قال لي مثلا ولدك نجح بتفوق خبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب - لذات الخبر- بصرف النظر عمن أخبرني فأستطيع أن أذهب إلى حيث الواقع وأسأل فإذا وجدت الكلام صادقا فالخبر صادق وإذا وجدت الكلام غير ذلك فالخبر كاذب.

معنى الخبر أن له واقعًا ولذلك الإنسان عندما يتذكر حادثة مضت كيف يتذكرها؟ لو قلت لك مثلا : هل حضرت اللقاء السابق؟ فتجيب: نعم. عندما سألتك، ماذا حدث لك؟ كيف تذكرت؟ تأتي صورة الواقع أمام عينيك فتخبرني.

أما الكلام الذي لا واقع له لا يمكن أن يتذكره الإنسان. فلو أنك في جلسة من الجلسات وجلس شخص ما يتكلم عن أمور معينة - والكلام كله من خياله غير واقعي - ولو جئت بعد أسبوع وسألته ماذا فعلت بالشيء الفلاني؟ لا يتذكر لأنه ليس له واقع يستدعيه.

ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسراء عندما سألوه عن أمارات في بيت المقدس، قال: أتاني جبريل فوضع بيت المقدس أمام عيني يسألونني فأنظر فأرى فأجيب. لأنهم يسألونه عن أشياء هو لم ينتبه لها هناك. إذا سألوه عن حجمه، عن اتساعه، عن الأبواب، فيأتيه الواقع ليجيب.

أما الذي لا واقع له فلا يمكن للإنسان أن يتذكره لذلك يقولون: (إذا كنت كذوبًا فكن ذَكورا) إذا كنت تحب الكذب فكن متذكرا كلامك الذي كذبت فيه فقد تنسى ماذا قلت. شخص يسكن في منطقة شعبية مثلا ولا يريد أن يذكر المنطقة فكل مرة يقول منطقة مختلفة فإذا سألناه بعد فترة ينسى الذي قاله سابقا فيأتي باسم آخر لمنطقة أخرى.

إذا الخبر كلام يحتمل الصدق والكذب لذاته.

أما النبأ فخبر لا يحتمل إلا الصدق. لا يحتمل الأمرين لأنه إخبار.. وإخبار بحق فلا يحتمل إلا الصدق ولذلك القصص القرآني كله يستعمل الله فيه النبأ ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ (الشعراء:69) .. ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ (المائدة:27) .. دلالة على أنه لا يحتمل إلا الصدق.

النبأ العظيم هو اليوم الآخر. ذكره الله في القرآن الكريم أنه اليوم الآخر.

لكن النبأ على إطلاقها هو الكلام الذي لا يحتمل إلا الصدق يعني الإخبار من الله عن قصة إبراهيم لا يحتمل الصدق أو الكذب، لا نذهب إلى الواقع لنسأل هل هذا الكلام صادق أم كاذب. نبأ يعني أنه كلام صادق.

ربما يحتج محتج على ذلك بقول الله تعالى:  ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ (الحجرات:6) فاسق يأتي بنبأ يعني كلام لا يحتمل إلا الصدق؟! نعم، انظروا بلاغة القرآن الكريم، (إن) تفيد التقليل لأن الخطاب للمؤمنين والمجتمع المؤمن في الأصل لا يكون فيه هذا الفاسق لكنه قد يكون. إن جاءكم فاسق ولو بنبأ لو بكلام أنتم تتوقعون صدقه ولا يحتمل إلا الصدق فتبينوا وتتبثوا.

نحن نتبين عندما يأتي ولو بنبأ ولو بكلام نعتبره صادقا 100% أيضًا مطلوب منكم أن تتبينوا ومطلوب منكم أن تتتبثوا لأن الناس تبالغ وكل واحد يبالغ تبعا لهواه.

إذن )النبيء( بالهمز من النبأ ومعناه أنه يخبر عن الله و)النبي( من النباوة أو النبوة ومعناها رفعة الشأن.

o        عندنا كلمة )الصابئين( فيها قراءتان : بالهمز وبدون الهمز.

-        (الصابئين) بالهمز

-        و)الصابين( من دون همز .. هي قراءة نافع وأبي جعفر.

(الصابئين) من صبأ معناه خرج من دين إلى دين أو رجع من دين إلى دين، هذه (صبأ) بالهمز.

أما (صبا) بدون الهمز على قراءة (الصابين) فإنها تدل على معنى الميل أي مال.

(الصابين) فيها معنى الميل. و(الصابئين) فيها معنى الخروج من دين الى دين. ولذلك يقولون هو ميل إلى ما لا ينبغي أن يفعله. لأنه يخرج من دين إلى دين بناء على ميولات، هو يتبع هواه وهو بذلك يبدل ويغيّر تبعا لهواه.

o        في قول الله تبارك وتعالى ﴿ بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ (البقرة:81)

﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ ﴾

الإحاطة تدل على أن المحيط لا يترك له منفذا للإقبال على غيره. المحيط بالشيء معناه محيط به من كل الجوانب كأنه عمل دائرة عليه بحيث لا يجعله يصل إلى غيره. الإحاطة مع الخطيئة مفردة يلزمنا أن نقول أن الخطيئة اسم جنس يدل على جنس الخطيئة فيكون معناها جمعا لأن اسم الجنس يعطي معنى الجمع.

أما (خطيئاته) هذه القرءة مناسبة تمامًا للإحاطة وهذا الجمع لأن الخطيئات كثيرة. البعض على قراءة التوحيد يصرفها إلى الشرك فقط لكن قراءة الجمع تدل على كل خطأ يفعله الإنسان

وهناك فرق بين خاطئ ومخطئ.

الخاطئ المتعمد المخطط للخطأ أما المخطئ فهو الذي لم يقصد. ولذلك قال تعالى ﴿  وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾ (يوسف:29) لأنها خططت ودبرت ورتبت. حتى إخوة يوسف في قول الله تعالى (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) .. ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴾  (يوسف:97) إخوة يوسف دبروا وخططوا.

إذن ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ ﴾ يراعى فيها معنى الجماعة وكثرة الخطيئات. ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ فيها معنى الكثرة لكن من المفهوم. يعني خطيئته باعتبارها اسم جنس فمن المفهوم أنها تدل على كثرة الخطيئة لأن الكل يريد منه التناسب مع الإحاطة، فالإحاطة لا بد أن تكون متعددة. ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ بالكثرة في الخطيئة من المفهوم ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ ﴾.

o        (الأمانيّ) سواء بالتخفيف أو بالتشديد هي جمع أمنية وأمنيّة.

o        قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ (البقرة:83)

عندنا هنا قراءتان:

-        ﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ  ﴾

-        ﴿  لَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ .. أول تلك المواثيق أنه طلب منهم ألا يعبدوا إلا الله بناء على ذكر الحكاية في الزمن الماضي أن الله أخذ الميثاق على بني إسرائيل ألا يعبدوا إلا الله.

وأما قراءة الخطاب فمعناها استحضار الصورة الحاصلة الآن. الله تبارك وتعالى يأتي بقراءة التاء هاهنا دلالة على استحضار الصورة ﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ .. لأن جملة ﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ أو ﴿ لَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ   ﴾ هو خبر في معنى الأمر، بمعنى:

هل رب العباد ينهى ويقول لا تعبدون إلا الله؟

أم أنه يخبرنا عن الميثاق وفقط؟

لو كان مجرد خبر لم يأمرنا الله هاهنا بالعبادة. بل هو خبر في معنى الأمر.

والخبر في معنى الأمر أبلغ وأدقّ من الأمر المباشر لأن الخبر في معنى الأمر معناه أنه موثوق من تنفيذ هذا الأمر عند البعض من الناس. بمعنى لو كان خبرًا فقط ما دلّنا على وجوب عبادة الله من تلك الآية، ولو كان أمرًا فقط لقال (لا تعبدوا إلا الله) وما قال (لا تعبدون) لأنها لا نافية جازمة وسيكون فعل مضارع مجزوم لكنه خبر بمعنى الأمر لأنه موثوق من تنفيذه.

هذا هو الخبر في معنى الأمر وهو أبلغ وأدق من الأمر المباشر.. (لا تعبدوا إلا الله)

لكن الله سبحانه يُخبر ويريد معنى الأمر لأنه يعلم أن الناس سيمتثلون بمجرد الإخبار فكان هناك دلالة على أن فيه معنى الخبر وفيه معنى الأمر.

فيه دلالة على الغيب - على حكاية الحال الماضي

(وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل) أول ميثاق ﴿ لَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ لكن ﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ كأنه استحضار للصورة الآن.

فالله سبحانه تعالى في القصص القرآني عن الأقوام السابقة أحيانًا يستحضر الصورة كأنها حاصلة الآن.

عندما قال ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ ﴾ (الكهف:18) نقلبهم فعل مضارع والفعل المضارع يدل على الحال والاستقبال وكأن التقليب حاصل أمام أعيننا الآن.

هل التقليب حاصل أم نقلبهم حكاية عن الزمن الماضي؟ فلماذا ذكر المضارع؟

ذكر المضارع استحضارا للصورة أمام أعيننا، وكما قال ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾ (الفجر:6) هذه أيضا استحضارا للصورة.

إذن ﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ  ﴾ كأنه استحضار للصورة أمام أعيننا حتى نستحضرها.

 

o        قال سبحانه:  ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ (البقرة:83)

عندنا هنا قراءتان:

-        ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ .. بضم الحاء وسكون السين

-        ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا ﴾ .. بفتح الحاء وفتح السين

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا ﴾ .. هذا هو الحد الأدنى في حسن التعامل مع الناس، لأن الحد الأدنى مع الناس أن نقول لهم القول الحسن فما طالبنا القرآن هاهنا بالفعل وإنما طالبنا بالقول لأن القول الحسن هو الحد الأدنى.

قال هنا ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ وقال في سورة الإسراء ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ (الإسراء:53)

هنا القول موجه لإخوانك المؤمنين أن تقول لهم الأحسن

-        للناس على العموم نقول لهم القول الحسن.

-        لإخواننا المؤمنين نقول لهم القول الأحسن.

-        الأقارب والأرحام وضعفاء المجتمع أن نقول لهم القول الميسور ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾ (الإسراء:28) لأن تلك الآية فيها ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾ والآية : ﴿ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾ ..

فلا يجوز لك الإعراض إلا بشرطين اثنين:

-        الشرط الأول أن تبتغي من الله الرحمة.

-        والثاني أن تبتغي منه الرزق حتى تعطي.

بعض الأقارب يكون لهم مطامع فيك لأنهم يعتقدون أنك تملك الكثير فيطلبون منك ما لا تقدر عليه فأنت تتوجه إلى ربك وتطلب منه أن يعطيك حتى تعطي - ولو أن تجعلها أمنية قلبية - إذا طالبك الأقارب واليتامى والمساكين وأنت لا تملك فأنت تطلب من الله أن يعطيك ولا مانع عندك من أن تعطي هؤلاء ﴿ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾ ..﴿ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾ لا تعقد الدنيا في نظرهم، قل لهم: بإذن الله ربي يعطيني ويعطيكم لا تيأسوا. لا تقل لهم كلاماً يؤدي إلى يأسهم من رحمة الله تبارك وتعالى. هذا معنى (القول الميسور).

لكن الوالدان ماذا نقول لهما؟ ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ (الإسراء:23) قول كريم.

القول نفسه كريم وليس أنت. بل القول الذي يدل على الرفعة والمكانة وعلو الشأن .. قول يدخل السعادة عليهم .. قول يدخل السرور على قلوبهم.

إذن: ينبغي أن يكون هناك فرق في التعامل:

- مع الناس: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ .. حُسنا وحَسَنا

- مع المؤمنين: ﴿  يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ ﴾ .. الأحسن

- مع الأقارب والمساكين: ﴿ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾ .. القول الميسور

- ومع الوالدين ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ .. القول الكريم

-        ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا ﴾ .. (حَسنًا) صفة لموصف محذوف تقديره: وقولوا للناس قولا حسنا، القول نفسه حسن. وفي اللغة إذا كانت الصفة أصبحت سجية في الموصوف وعادة فيه ولا تفارقه نحذف الموصوف ونبقي الصفة دالة عليه. (قولا) حذفت حتى يقول لك أن قولك كله حسن وليس موصوفا بالحسن فقط بل كله حسن.

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ (العصر:3) ..  أين مفعول (عملوا)؟

المفعول محذوف تقديره: عملوا الأعمال الصالحات. حذف الله الموصوف وأبقى الصفة محل الموصوف لأن المؤمن عمله ينبغي أن يكون عمله صالحا صلاحا كاملا.

-        ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ .. صفة لموصوف محذوف.. تقديره: قولوا للناس قولا ذا حُسن. القول نفسه يشتمل على الحُسن بكل أنواعه. قولوا للناس قولا حسنا يعني القول حسن (قولا حسنا) يعني قولا متصفًا بالحسن.

في تلك القراءتان دليل على هذه المعاني وما أمرنا به رب العباد تبارك وتعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾  و ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا ﴾.

o        عندنا قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ (البقرة:85)

o        عندنا قراءتان في (تظاهرون):

- (تظاهرون) .. بالتخفيف للكوفيين أصلها تتظاهرون وكذلك (تظّاهرون) لكن حذفت إحدى التاءين.

- (تظّاهرون) بالتشديد أصلها تتظاهرون ثم أدغمتا

 

o        عندنا قراءتان في (أسارى):

-        ﴿ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ ﴾  قراءة الجمهور.

-        ﴿ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسْرَىٰ ﴾ قراءة حمزة 

(الأسرى) جمع أسير، (والأسارى) جمع أسرى.

إذن: ( أسارى ) جمع الجمع .. فيها دلالة على الكثرة أكثر. لأن (أسرى) جمع أسير، (وأسارى) جمع الجمع ﴿  وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ ﴾ ...﴿ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسْرَىٰ ﴾

o        وعندنا (تفادوهم) فيها قراءتان:

-        (تفادوهم) من المفاعلة. بمعنى أنك تتبادل الأسرى مع العدو حيث يعطيك كم أسير وأنت تعطيه كم أسير. وهذه المبادلة تقوم بين الناس حتى اليوم.

-        وقراءة (تفدوهم) وهي من الفدية. وهي تقديم مبلغ من المال مقابل أسير.

لو عندي أسرى وليس للعدو أسرى عندي فأنا أدفع مبلغا ماليا لأسترد الأسير وقد يكون هناك أسير يدفع من أجله الكثير.

وتعلمون أن قصة وأد البنات أصلها كان قضية المفاداة في الأسرى عندما تقاتلت قبيلتان فأراد زعيم القبيلة المنهزمة أن يتفاوض مع زعيم القبيلة المنتصرة لفك أسراه فقال له زعيم القبيلة الأخرى: أما ابنتك فسنسألها فجاءت البيت وقالت: بل أختار زعيم القبيلة أعيش معه. هذه هي التي كانت البداية لقضية وأد البنات لأنه شعر بالعار وقال: كيف تتجرأ ابنتي وتختار العيش مع رجل غريب.

هذا ونكتفي بهذا القدر.

والله أعلم

 قامت بتفريغ المحاضرة:  سمر الأرناؤوط.

 

وقامت بتدقيقها وتنسيقها: الأخت الفاضلة جنان الرحمن.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل