سحر البيان في تعدد قرآءات القرآن - د. محمود شمس - المجلس الثالث

دورة سحر البيان في تعدد قرآءات القرآن - د. محمود شمس

تفريغ سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات حصريا)

المجلس الثالث

الهدف والغاية من الدورة: 

القرآءات لا ترد إلا حيث يراد المعنى فلا بد أن يكون لدينا هذا الفهم واليوم أؤكد على ذلك أكثر.

بيان هذه الأمور يحتاج إلى فهم دقيق

القرآءات الواردة في كلمة (كرهًا) في القرآن الكريم

وردت الكلمة في مواضع متعددة في القرآن لكن هناك مواضع محددة ورد فيها قراءان قرآءة بفتح الكاف كَرها وقرآءة بضم الكاف كُرها.

تلك القرآءتان لم ترد إلا في موضع سورة النساء وموضع سورة التوبة وسورة الأحقاف.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) النساء)

(قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) التوبة)

(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) الأحقاف)

الكَره والكُره البعض يرى أنهما لغتان والبعض يرى أن بينهما فرقًا فالكَره بالفتح على رأي من يرى أن لكل قرآءة دورا في المعنى بمعنى الإكراه والكُره بالضم بمعنى المشقة. نستعرض بعض الآيات التي ورد فيها كلمة كَره وكلمة كُره لنؤكد على أن لكل قرآءة دور في المعنى.

كَرها بفتح الكاف بمعنى الإكراه وبضم الكاف تكون بمعنى المشقة. ولذلك في بعض المواضع هناك اتفاق على قرآءتها بفتح الكاف في القرآءة المتواترة ولن نتكلم الآن عن القرآءات الشاذة.

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ)[البقرة:216] بالضم لأن القتال فيه مشقة فقرئت بالضم بمعنى المشقة (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15) الرعد) والسجود بمعنى الخضوع والانقياد فمن الناس من سجدوا لله طوعا ومن الناس من يسجد كرها وهو سجود الحال والمآل حالهم وشأنهم يسجد لله تعالى مضطرين بالإكراه، في وقت خروجهم من الدنيا لا  يريد أن يدلل على الحال والمآل في آية سورة الرعد (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) دلّل على الكَره بقوله (وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) يدلل الله على سجود حالهم ومآلهم يقول أنت ظلك في فترة الصباح أو في فترة المساء أنت لا تملكه، الله دلل بشيء لا يملك الإنسان أن يسيطر على نفسه فيه وهو من أتفه الأشياء وهذا دليل أن الكَره بالفتح يعني الإكراه والكُره بالضم يعني المشقة.

الآية الأولى في سورة النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) النساء)

وقفة تدبرية:في تعبير القرآن الكريم عندما يحرم على الإنسان شيئا تحبه النفس بقوة يقدّم التعليل قبل التحريم وقبل النهي. أصل الآية يا أيها الذين آمنوا لا ترثوا النساء كرها لأنه لا يحل لكم، الله تبارك وتعالى لكي يطمئنك يقدم التعليل أولا (لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ)[البقرة: 229] (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)[البقرة:228]. قدم الله التعليل قبل النهي لأنه يحرم شيئا النفس تحبه بقوة.

كيف يرث الإنسان النساء كَرها بالإكراه وكُرها بالمشقة؟

معنى الإكراه واضح لأنه في بداية عهد الإسلام كانت المرأة لا تزال كالمفهوم السابق أنها جزء من التركة فكانت تورّث لأول من يرمي عليها عباءته لأهل زوجها فإذا مات الزوج ذهب أحد الورثة سريعا وألقى عباءته على المرأة فصارت ملكه إن شاء زوّجها وقبض المهر وإن شاء أبقاها وإن شاء تزوجها هو كما يتعامل مع قطعة أثاث في البيت وفي هذا رد على من يقول أن الإنسان أهان المرأة، المرأة كانت قطعة من التركة قبل الإسلام والآن أصبحت وارثة وليست موروثة. لا ترثوا النساء كَرها بالإكراه.

كُرها بمعنى المشقة، إعجاز القرآن البلاغي البياني، نطرح سؤالًا هنا:

الله تبارك وتعالى يتعمق إلى أعماق النفس البشرية ويُخرج ما في أعماقها دون أن يعرف الإنسان لأن الله هو الخالق. إذا كان القرآن الكريم مكونا من نفس الحروف التي يستعملها الناس فما وجه الإعجاز فيه؟! البلاغة يعرّفها أهلها بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال يعني لكي أكون بليغا في كلامي لا بد أن يطابق كلامي حال المخاطَب على الراجح عند أهل البلاغة.

حال الإنسان على نوعين: حال ظاهر وحال باطن. عندما تلتقين مع إحدى الصديقات تسلمين عليها وتبتسمين فهي تتعامل معك على أنك سعيدة لكن يعلم الله حالك من الداخل، من الذي يملك أن يراعي الحال الباطنية للإنسان من البشر؟ لا أحد، الله تبارك وتعالى وحده هو الذي يملك مراعاة الحال الظاهري والباطني وهذا له علاقة بالآية والقرآءة التي معنا ولذلك الله تبارك وتعالى هو الذي يملك أن يعرف ما في دواخلنا.

الله تعالى وهو يتحدث في الطلاق في سورة البقرة (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) الضرار بمعنى الظلم أي لا تمسكوهن ظلما لتظلموا، واحد كاره لزوجته لكنه لا يريد أن يخسر فيضيق عليها في حياتها حتى يجعلها تطالب بالخلع فلا يخسر شيئا. ورب العباد يذكر هذه الأمثلة في القرآن كثيرا حتى أصحاب الجنة في سورة القلم (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ﴿٢١﴾ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ﴿٢٢﴾ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴿٢٣﴾ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴿٢٤﴾) هل ذكر أصحاب الجنة أنهم سيمنعون الفقراء من الدخول؟ هل قالوها؟ أبدًا، قالوا (أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) نحن سنجعلها هو الذي يقول لن أدخل، لا يمنعوا الفقراء من دولها لكنهم سيجبرونهم على ذلك، أبوهم كان يترك الثمر الذي يقع على الفقراء لكن الأبناء قالوا سنأخذ ما على الشجر والأرض فعندما يأتي الفقراء لن يجدوا شيئا فيخرجوا. (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) لا تمسكوهن ظلما لتظلموا والظلم الأول غير الثاني. (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) إياك أن تمسكها ظلما لتصل أن تظلمها بحيث تجعلها تفدي نفسها. قد ينوي الشر فمن الذي يستطيع من البشر أن هذا الرجل ينوي الشر بأهله؟ لا أحد من البشر والله تعالى وحده هو الذي يعلم ذلك. ولذلك من العجائب في قول الله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) قدرة الله الكاملة في معرفة ما في أعماق النفس بعد آيات الطلاق يقول تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) تهديد شديد. وقال في الآية الأخرى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) من القواعد التي سندرسها أن الزوج يعبّر عنه إذا كانت الحية الزوجية غير مستقرة أو منتهية أو في خلافات دائمة، الآية الأولى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) في شأن المطلقة طلاقًا رجعيًا ولا تزال في العدّة، (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) في المطلقة طلاق البينونة فأي الآيتين ينبغي أن يعبر عنها بالبعولة والزوجية. الطلقة الرجعية الأصل أن تكون بالزوجية والبيونة الكبرى بالبعولة ولكن القرآن عكس لأنه يشير إلى أعماق النفس فالذي يطلق الطلقة الرجعية قد يخطط عودتها مرة أخرى ليطيل عليها العدة، البعولة يعبّر بها عن الزوج وقت الخلافات الكبرى ووقت الخلافات الزوجية. الآيتان في الطلاق الآية الأولى في الطلاق الرجعي وهي أقرب للزوجية قد يعيدها دون عقد شرعي والآية الثانية في الطلاق طلاق البينونة الكبرى، رب العباد يريد أن يخبرنا بأمر أن هذا الزوج المطلق قد يخطط لعودتها لا لأجل استمرار الحياة الزوجية فقبل انتهاء القروء الثلاثة بأيام يعيدها ثم يطلقها طلاقًا رجعيًا ثانيًا لتبدأ عدة جديدة ثلاثة قروء ولذلك قال ربنا (إن أرادوا) و(إن) تفيد التقليل والشك كأنه يقول إرادة الإصلاح قلة في هؤلاء وفيها شك ولذلك سماه القرآن بعلا لأنه هنا (أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) أحق (أفعل التفضيل) تشعر أن هناك منافسة، العدة أوشكت على الانتهاء  (البعل أحق بردها) هذا إخراج ما في النفس جعله الله بعلا وقال (إن أرادوا إصلاحا). هناك نفسية المرأة نفسية طيبة في الأصل حتى وإن كانت تغضب بسرعة إلا أنها سرعان ما تسع فالمطلقة بينونة كبرى عندما تعلم أنه عاد غليها مرة أخرى لينكحها ستكون أسعد الناس لأنه بعد أن طلقها الطلاق البائن فهي ترى في نفسها أنه قد لف العالم أجمع وبحث فلم يجد لها مثيلا، فالله تعالى يذكر وليّها بالزوجية التي بينهما حتى وإن انقطعت هو زوج لها سابقا فيذكّره بالحياة الزوجية وكونه عاد إليها فهذا يسعدها فلا ينبغي للولي أن يمنعها. رب العباد هو الذي يملك مراعاة الحالة النفسية في أعماق الإنسان هو الذي يعلم حقيقة السعادة في أعماق الإنسان وهو الذي يعلم حقيقة الحزن وحقيقة الهمّ الذي تعيشه النساء.

البينونة الصغرى أن يطلق زوجته طلاقًا ثم لا يعيدها بعد أشهر العدة فلا ترجع إليه إلا بعقد جديد والبينونة الكبرى أن تطلق ثلاث طلقات لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) كَرها لا يحق لك أن تضيّق عليها المعيشة حتى تجبرها على مخالعتك ولهذا للعلماء كلام في هذه الحالة: القرآءتان ضرورة لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرها بالإكراه عندما كانت الزوجة جزءا من التركة كان موروثة فصارت وارثة وكُرها بالمشقة. الله جلت قدرته هو الذي يملك أن يراعي الحال الباطنة للإنسان.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) بالإكراه كما كان يحدث قبل أن تتنزل آيات المواريث

(كُرها) أو من يجبر زوجته على أن تتنازل له عن بعض حقوقها بالإكراه والاضطرار وهذه مشقة يضيق عليها معيشتها يجعلها تقول أنا ما أريد هذا الرجل فليأخذ ما يشاء ويتركني لوجه الله وبعض النساء تدفع مبالغ حتى تنهي أمرها من شدة ما تعانيه. كَرها بالإكراه وكُرها بالمشقة يضيق عليها يجعل حياتها صعبة شاقة حتى تتنازل عن حقوقها (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)

في موضع سورة الأحقاف (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الأحقاف: 15) بالفتح فيها معنى الإكراه ومعنى الإكراه واضح، هل هناك أمًا تحمل ابنها بالإكراه؟ وإنما معنى المشقة هو الواضح. كيف حملته أمه كَرها بالإكراه؟ في تفسير ابن كثير يقول لو أن المرأة عندما تعاني من آلآم الحمل والولادة لو خيّرت وقتها لكرهت ولذلك سألت أمي يرحمها الله وكانت تحضر كثيرا مع قريباتها وقت الوضع فسألتها هل المرأة عندما تجد مشقة في الوضع هل تكون فعلا كارهة لهذا الأمر؟ قالت ما حضرت واحدة إلا وتقول هذه آخر مرة أحمل فيها!. فقرآءة الفتح (كَرهًا) بمعنى الإكراه أنها عندما تعاني تقول آخر مرة فكأنها كارهة لهذا الأمر أما معنى المشقة فهو واضح (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) الفصال هو الفطام وفي سورة لقمان (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴿١٤﴾) هل الفصال في عامين أو الإرضاع في عامين؟ (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) الفصال بعد عامين فلم يذكر الله تعالى الإرضاع لأن في الإرضاع عدم مشقة بل فيه حب وحنان بين الأم وطفلها لكن المشقة كل المشقة في الفصال، في الفطام ولو رأيتم أمهاتنا عندما كن يُرضعن كانت أيام الفطام من أصعب الأيام على الأم لأن الطفل يبكي وهي لا تتحمل بكاءه وتحاول ويمكن أن تسهر ليلا كاملا لترضي طفلها، مشقة فذكر الله الفصال لأن فيه مشقة على نفسية الأم.

إذن معنى الإكراه موجود ومعنى المشقة موجود في الآية.

في آية سورة التوبة (قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) التوبة) في شأن المنافقين والمنافقون منهم من كان ينفق كَرها بالإكراه ومنهم من كان ينفق كُرها مع المشقة النفسية على نفسه فقال الله (قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ) لم ترد القرآءات إلا في هذه المواضع الثلاثة لأن المعنيان مرادان ولو لم يرد الله المعنيين ما أنزل القرآءتين والمواضع الأخرى لم يرد فيها إلا معنى واحدا فالقرآءات لا ترد إلا حيث يراد المعنى. هذا تأصيل والقرآءات وحي من عند الله وفيها أمر آخر لا يفطن إليه الكثير من الناس.

تجري تحتها الأنهار وتجري من تحتها الأنهار

في قول الله تبارك وتعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٠٠﴾ التوبة) الموضع الوحيد الذي ورد فيه قرآءتان: تجري تحتها وقرآءة ابن كثير المكي (من تحتها) وكل المواضع الأخرى فيها (من)

ما الفرق بين تجري تحتها وتجري من تحتها؟.

(من) حرف يسمونه حرف ابتداء الغاية ومعنى ابتداء الغاية أن الجريان يبدأ من تحت تلك الجنات، ومبدأ الجريان فيه تلذذ كبير وشعور بالنعمة، ابتداء الجريان نعمة كبيرة وفيه تلذذ.

تجري تحتها ليس بداية جريان وإنما البداية من بعد قليلا ثم يأتي هاهنا وتمر الأنهار من تحت الجنات، نتكلم من باب البيان لأن بعض المتكلمين في قضية الإعجاز البلاغي وجهوا قرآءة حذف (من) دون أن يتكلموا عن قرآءة (من) وعلى رأسهم الخطيب الإسكافي ومن تبعه من المعاصرين فلما نظر إليها قال طالما أعد لهم جنات تجري تحتها دون (من) إذن هؤلاء المذكورين في الآية أقل نعيما من غيرهم في كل الآيات قال لأنه لا يتوقع أن يكون بين هؤلاء نبي (درة التنزيل وغرة التأويل يتكلم في المتشابه اللفظي ويعد من أول من تكلم بالمتشابه اللفظي) يقول المذكورون في الاية (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) لا يتوقع أن يكون بينهم نبي وفي الآيات الأخرى يتحدث الله عن المؤمنين ومنهم الأنبياء ومنهم غير الأنبياء فيقول كان النعيم أقل للمذكورين في الآية (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) كلامهم هذا لم ينظروا إلى ورود القرآءة الأخرى (من تحتها) وهي قرآءة متواترة قرآءة ابن كثير فإذا قبلنا كلامهم فكيف يوجهون قرآءة ابن كثير؟! هل نعود في كلامنا؟!

أما قولكم بأن هذه الآية كانت أقل شأنا في النعيم لأنه لا يتوقع أن يكون بينهم نبي أقول ما رأيكم في قول الله تعالى في سورة آل عمران (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٣٥﴾ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿١٣٦﴾ آل عمران) هنا باتفاق القرآء جميعا بوجود (من) فهل يتوقع أن يكون بين المذكورين في الآية نبي؟! بالطبع لا. إذن عندنا عدة أسباب تجعل كلامهم غير صحيح.

القول أنهم أقل نعيما لأنه لا يتوقع أن يكون بينهم نبي هذا مردود عليهم لأن هناك آيات وردت قرآءة (من) ولم يتوقع أن يكون بينهم نبي.

يعلمنا الله الإقرار بالتقصير أولا قبل أن تستقبلوا أيام الطاعة وقبل أن تطلبوا من الله أن يثبتكم وينصركم لا بد أن تقروا بالتقصير.

هؤلاء السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان يتنعمون بنعيمين يتنعمون ببداية جريان الأنهار ويتنعمون بمرور الأنهار من تحت الجنات دون أن يكون هي المبدأ، والقرآءتان تعطيان تلك الدلالة.

(فما كان جواب قومه) و (وما كان جواب قومه)

أشير إلى قضية إثبات إعجاز القرآءات البياني أن الله تعالى أنزل القرآءات للدلالات على معان. سآتي بدليل آخر وهو أن بعض الكلمات أو الآيات محل ورود أكثر من قرآءة ومع ذلك لم ترد فيها إلا قرآءة متواترة باتفاق القراء. كلمات لم ترد فيها قرآءة وهي في الأصل عندما ننظر إليها نسأل هل فيها قرآءة؟ لأن المعنى المراد هو معنى وحيد ووردت فيه قرآءة وحيدة.

في القصة الواحدة (فما كان جواب قومه) والثانية (وما كان جواب قومه) (وما) في سورة الأعراف آية 82 (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) وقوله (فما كان جواب) في سورة النمل آية 56 (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ). القصة واحدة ونجد في موضع قال (فما كان جواب) وفي موضع آخر (وما كان جواب) القصة واحدة، مرة بالفاء ومرة بالواو. هناك فرق بين ما ورد بالفاء وما ورد بالواو:

الواو تفيد مطلق الجمع لا فيها ترتيب ولا تقديم ولا تأخير بل تعطي مساحة زمنية في كون الكلام الذي بعدها كان عقب ما قبلها، لا تفيد ترتيبا ولا تراخيا حتى الواو في الحوار في القرآن إذا ذكر في الحوار الواو فمعنى ذلك أن الحوار لم يكن مباشرا ففي حوار الرجل المؤمن في سورة غافر (وقال فرعون) (وقال موسى) (وقال رجل مؤمن) هذا قال قوله والآخر قال قوله فالحوار غير مباشر وإذا كان الحوار مباشرا لا تأتي الواو في سوة الشعراء (قال فرعون) (قال لمن حوله) (قال ربكم) لأنه حوار مباشر بين موسى وفرعون. الواو أيضًا عندما تذكر تفيد مطلق الجمع والفاء تفيد الترتيب والتعقيب والسرعة فالفاء أن ما بعدها عقب ما قبلها مباشرة وفيه سرعة إجابة.

ما قبل الآيتين في سورتي الأعراف والنمل. في الأعراف (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٨٠﴾ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴿٨١﴾) وفي النمل (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿٥٤﴾ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿٥٥﴾) أيهما أشد تعنيفًا في الحوار والكلام؟ آية سورة النمل (وأنتم تبصرون)

في الأعراف اتهمهم بالإسراف (بل أنتم قوم مسرفون) أما في النمل قال (بل أنتم قوم تجهلون) أي التهمتين أشد تعنيفًا؟ الجهل أشد من الإسراف فكان جوابهم في النمل سريعًا (فما كان جواب قومه) لأنه استثارهم وعنّفهم وكان في الأسلوب تعنيفا شديدا لهم فكان جوابهم سريعا (فما كان جواب قومه) لأنه عنفهم بشدة فأجابوا بسرعة. وفي الأعراف كان الجواب أكثر هدوءا. في النمل (أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) ذكرهم بالاسم وهذا يشعر بمدى الضيق منهم أما في سورة الأعراف قال (أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ) يشعر بالهدوء لأنه يجيب بهدوء على تعنيف هادئ أما في النمل فالتعنيف شديد فجاء الرد شديدًا.

اتفاق القرآءات كلها متواترها وشاذّها على أن موضع النمل بالفاء وموضع الأعراف بالواو يدل على أن القرآءات وحي من الله سبحانه وتعالى وليست من باب التنوع كما يقول البعض.

إذن اجماع القراء على قرآءة هذا الموضع بالفاء لأن الواو لا تصلح هنا وقرآءة الموضع بالواو لأن الفاء لا تصلح هنا دليل على أن القرآءات ليست اختيارًا عشوائيًا وليس للبشر دخل فيها وإنما هي وحي من عند الله ولا تتنزل إلا في الموضع الذي يريد الله فيه المعنيين.

(إنهم أناس يتطهرون) ما أجمله من تعليل، التطهر عيب أو ميزة؟! ميزة لكنهم ذكروه هاهنا على أنه عيب وهذا يؤكد على أن أهل الباطل وأهل الفساد يرون التميز في أهل الحق عيبًا. وهذا سبب جملة التعليل (إنهم أناس يتطهرون) يعللون لفعلهم الشنيع (أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) هؤلاء يتطهرون ونحن لا نريد التطهر مع أنه ميزة إلا أنهم يرونه عيب كبير.

 

استدلال على أن القرآءات وحي منزل من عند الله في المواضع التي قد يتوقع أن ترد فيها قرآءات لكنها لم ترد إلا بقرآءة واحدة. لا ترد القرآءة إلا حيث يراد المعنى ولها دور في المعنى.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل