تفسير وتدبر (صراط الذين أنعمت عليهم)

تفسير وتدبر سورة الفاتحة

(صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) - 1

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 بعد أن ذكرت الآية السابقة الدعاء (اهدنا الصراط المستقيم) وضّح الله عز وجل هذا الصراط فقال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فأعاد لفظ الصراط وتعريفه بأنه صراط الذين أنعمت عليهم وذلك لأسباب منها أن هذه الآية غرضها التعريف بالصراط المستقيم وأثره، حتى يتضح لك مـا هو الصراط المستقيم فأنت حينما تقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فيأتيك سؤال ما هو الصراط المستقيم؟ لم يترك الله عز وجل الجواب في سورة أخرى أو في آية أخرى، وإنما جعله مباشرة في هذه السورة فقال هو: )صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(فقولك )صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( هذا تعريف بالصراط، وقولك )الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( المراد بالنعمة هنا كمال الهداية للدين الباعث على كمال التفضيل في الدنيا والآخرة المؤدي لكمال الجزاء وهذا هو المتوافق مع مقصد سورة الفاتحة وهو الأنسب لكمال الطلب. وهنا سرٌّ لماذا قال )صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( ولم يقل صراط المؤمنين أو صراط الأنبياء المرسلين؟

لأن قوله والله أعلم )صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (فيه تشويق للنفس أن هؤلاء منعّم عليهم فهنا كل قارئ متدبر يقول من هم الذين أنعم الله عليهم؟ أريد أن أكون منهم، أريد أن أتصف بصفاتهم حتى أكون ممن أنعم الله عليهم. فيه تشويق وهذا منهج قرآني عظيم يمكن أن نأخذ منه منهجاً تربوياً في أسلوبنا أننا نشوق للشيء بالتعبير عنه بما يشوق السامع ويدفعه ويرغبه ولله تعالى المثل الأعلى في هدايته وتوجيهه.

(صراط الذين أنعمت عليهم) يعني أنعمت عليهم بالهداية للدين وأنعمت عليهم بالتفضيل في الدنيا والآخرة وأنعمت عليهم بكمال الجزاء في جنتك ورضوانك، فما أعظم هذا المعنى العظيم لمن تأمله!!.

وفسر المفسرون معنى )الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (بمعاني كثيرة قالوا هم المؤمنون، هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، لكن فسّرها الله بآية في كتابه في قوله تعالى: )وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ( يتبين لك بهذه الآية أن المقصود المنعم عليهم هم كُمّل الخلق الكاملون لأنه قال: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهؤلاء أعظم الخلق ولذلك قال الله )وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (وأنت حين تقول )اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( تتطلع نفسك إلى أن يهبك الله عز وجل منزلة رفيعة مع هؤلاء مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين فحين يكون هذا همك لا شك أنك تسعى إلى أن تحقق عبودية الله على أكمل وجه وكما أن مقصد الفاتحة في كمال العبودية جاء هنا بالجزاء على أكمل وجه يطلبه العبد.

وقال )أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (ولم يقل (أُنعم عليهم) كما قال )الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (ولم يقل (غضبت عليهم) لماذا؟

ما الفرق بين قولنا )أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (وقولنا (أُنعم عليهم) لأن قولك (أنعمت) فيه إضافة النعمة إلى الله عز وجل وهو أشرف وأعظم وأكرم فأنت هنا تقول يا رب أدخلني مع من أكرمتهم وشرفتهم وأنعمت عليهم وكلمة أنعمت هنا فيها نعيم، أنعمت يعني تنعموا بكل شيء حتى في أمور دنياهم، هم أنعم الناس فأولى ما يكون في نعيمهم، نعيمهم مع الله فهم حين عبدوا الله وتقربوا إليه كانوا في حياتهم الدنيا على أحسن حال وأكمل نعيم الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله )إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (في القرآن آيات أخرى تدل على أن المؤمنين هم أكثر الناس حياة طيبة ونعيماً في قلوبهم وسرورهم وعيشهم، العيش ليس هو بالأجساد ولا بالمظاهر وإنما هو بالقلوب وما فيها من السرور فأسند النعمة إليه سبحانه وتعالى هنا لكمال التشريف لهم.

اللهم اهدنا صراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا يا ذا الجلال والإكرام...

-------------

(من تفسير سورة الفاتحة من محاضرات دورة الأترجة القرآنية بتصرف يسير) 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل