برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء التاسع

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة التاسعة – الجزء التاسع

د. عبد الله بن عبد العزيز السبتي

موضوعات الجزء (جزء من سورة الأعراف وجزء في سورة الأنفال)

هذا الجزء التاسع شمل أكثره من سورة الأعراف وبعضًا من سورة الأنفال، وسورة الأعراف من تأملها يجد أنها عرض لتاريخ البشرية فيما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى ومسيرة الرسل مع أقوامهم وكيف دعوا وماذا أُجيبوا، كلٌ منهم يقول لقومه (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)[الأعراف:59] هذه السورة هي أول سورة يعرض فيها هذا الموكب العظيم من الأنبياء بالتفصيل. اذا تأملنا وجدنا أن السورة عرضت عرضًا سريعا للرسل بدءًا من نوح عليه السلام ثم جاء الحديث مفصلًا مع نوح ثم هود ثم صالح ثم لوط ثم شعيب وكلهم نفس النفَس ونفس القضية ونفس الحدث مع أقوامهم، قضيتهم الأولى هي التوحيد. ونجد في كل هذه القصص أن هناك ملأً من الناس يواجهونهم. جرى الحديث في الجزء الثامن لمجموعة من القصص ومنها قصة شعيب واستكملت في هذا الجزء جرى نتيجة خلاف قوم شعيب أنهم أُهلكوا وعذبوا بسبب عدم اتباعهم لنبيهم الناصح لهم، وبعد أن أخبر الله سبحانه وتعالى أنه أغرق قوم نوح وأهلك قوم عاد وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب، كلٌ منهم ذكر دعوته وموقفه وعذابه ثم ذكر سبحانه وتعالى قاعدة عامة بعد هذه القصص، كأنه سبحانه وتعالى يقول لنا هذه هي السُنة وهذا هو المعتاد وهذا هو الشأن فيعطي صوره واضحة بينة كما كانوا يكون من جاء من بعدهم وكما حدث للسابقين يحدث لللاحقين سنة الله سبحانه وتعالى لا تتبدل ولا تتغير (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ  فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِين (101)الأعراف)

بعدها جاء الحديث عن قصة موسى عليه السلام وأفاض فيها سبحانه وتعالى إفاضة كبيرة وذكر مواضيع لم تطرق في بقية السور، وهي من أكثر القصص التي كررت في القرآن الكريم ولكن في كل مرة تذكر بتفصيل لا يوجد في مكان آخر، وهذا التفصيل يكون لمناسبة موقفه أو مناسبة السورة نفسها، إذا هي كررت كثيرًا كقصة ولكن أحداث هذه القصة تذكر في سورة وتغفل في سورة أخرى تبعًا لما هو الموضوع المطروق في السورة، أما هنا فقد وردت أحداث لا بد أن تقرأ بتمعن، وسبحان الله قصة موسى كررت كثيرًا لعلاقتها الوثيقة بما يجري لهذه الأمة فينبغي أن يتم التركيز عليها والتأمل فيها.

بعد هذا ذكر الله سبحانه وتعالى أحداث وقعت لموسى، كمجيء موسى لميقات ربه سبحانه وتعالى ثم ذكر مجموعة من المخالفات لبني إسرائيل سواء كانت في طلبهم أن يعبدوا الأصنام أو عبادتهم للعجل أو اعتداؤهم في السبت ومجموعة من مخالفاتهم وانحرافاتهم وكأنه يقول انتبهوا يا من تقرؤا هذا الكتاب من فعل أولئك القوم!. بعد هذا الأمر جرى السؤال عن الساعة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) [الأعراف:187] ونبه سبحانه وتعالى مجموعة من التنبيهات في هذه الآيات. ثم بعد ذلك جاء الحديث عن أولياء الرحمن في ختم سورة الأعراف، ونبّه الى أهمية قراءة هذا الكتاب وتأمل هذا الكتاب والانصات لهذا الكتاب.

ابتدأت سورة الأنفال وهي في مجملها حديث عن غزوة بدر الكبرى، قبلها وأثناءها وبعدها والأحكام التي نشأت نتيجة لها، أحكام الغنائم، والتوجيهات التي بنيت على مواقف حصلت أثناء المعركة  توجيهات سابقة وتوجيهات أثناء المعركة وقبلها وبعدها وبيان أسباب النصر والتحذير من أسباب الخذلان فكلها حديث عن الجهاد والأحكام المرتبطة به. وذكر الله تعالى جملة من عداوات المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم وكيف أنهم حاولوا أن يؤذوه بها.

وقفات مع بعض الآيات في سورة الأعراف:

موقف ختم مسيرة ركب الأنبياء الكريم جاءت آيات تبيّن كيف أن الله أهلك الأمم بذنوبهم (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون (99) الأعراف) كل الأمم السابقة واللاحقة تبحث عن الرخاء الاقتصادي، هذه الآية في ثناياها تحمل أسباب الرخاء الإقتصادي، ومع ما تحمله هذه الآية؛ إلا أن الله سبحان وتعالى ذكر في هذا الختم والتعليق على تلك الأحداث والقصص أن من سنته سبحان وتعالى أنه يراعي مصالح العباد والتي لا يلزم أن تكون دائمًا مع الرخاء الاقتصادي، قد يكون في التضييق على العباد مصلحة لهم وقد يكون في التوسعة على العباد مصلحة لهم، فالله سبحانه وتعالى يسوق الأحداث والأقدار تبعاً لما من شأنه أن يقود هؤلاء البشر إلى الاقتراب منه سبحانه وتعالى، ولذلك جاء في بداية التعليق (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) الأعراف) أي يلجأون ويعودون إلى الله سبحانه وتعالى، فإن لم ينفع (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ)[الأعراف:95] يعني أمر معتاد، جاءهم هذا الشأن لعلهم يذكرون، إذن هذا الشأن هو أن يلاقوا ما لاقاه غيرهم (فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [الأعراف:95]. إن كان البحث والهدف هو رخاؤك الاقتصادي كفرد أو كمجتمع فإن الله سبحان وتعالى قد بين في هذا الختم أنه متى ما التزم الناس بأمر الله سبحانه وتعالى فإن أبواب الرزق ستفتح فالخزائن بيده سبحانه (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)[الحجر:21] فإذا رضي الله سبحانه وتعالى عن العبد أفاض عليه.

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)[الأعراف:96]،  ليس رزقًا فقط إنما تلك البركة وهي ذلك الأمر غير المحسوس الذي يجعل الشيء القليل كثيراً والكثير أكثر.

أيضا هذه الآية مطلقة فيما أنعم الله به علينا في هذه العصور من قضية البترول وخيرات هذه الأرض وكنوزها كلها تدخل في هذه الآية ، فالله عز وجل يفتح على البشر بمن كنوز السموات والأرض ما يقدره سبحانه وتعالى ومفاتيح رزقه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يحدها تفكير بشر! فسبحانه يرزق الناس من حيث لا يحتسبون.

قصة موسى وفرعون في سورة الأعراف:

ذكر في القصة أحداث شتى متعددة، وفي هذه السورة ما جرى من سحرة فرعون مع موسى هو أمر عجب منه الناس وخالف معتاد أمرهم (سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)[الأعراف:116] فأمر السحر ثابت في كتاب الله عز وجلّ، تزيّد الناس وحديثهم ومبالغتهم هذه ليست شأن القرآن، أما أصل الحدث فهو موجود في كتاب الله عز وجلّ ومبثوث في أحداث شتى في السنة وغيرها. كتاب الله عز وجلّ هو الشفاء وهو العلاج كما ثبت هذا في غير ما واقعة وقعت في زمن النبوة وكان المفزع لها إما قرآءة المعوذات أو ما فيه إشارة إلى إبطال السحر كما جاء في هذه الآية (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖإِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖإِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) يونس) هي من الآيات المبطلة للسحر والتي يرقي بها كثير من الرقاة لأن فيها يقين لمن يقرأها أن الله سيبطل ذلك السحر. وهذا الأمر فيمن قرأ القرآن وتأمل ثقة موسى عليه السلام بموعود ربه في عدد من الأحداث يجد ثقة لا توصف في عدد من الأحداث: لما شكا قومه (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا  قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) الأعراف) (ويستخلفكم) ليست القضية نجاة فقط بل استخلاف في الأرض وتنبيه أنه ينظر كيف تعملون القضية قضية زمن فكأنه يقول لهم تنبهوا لهذا.

كيف نتعامل مع كتاب الله عز وجلّ؟

(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(204) الأعراف)

الآية جاءت في مساق ذكر مجموعة من صفات أولئك العباد المصطفون الأتقياء الأنقياء فأجمل صفاتهم سبحان وتعالى ذكر من ضمنها: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ)[الأعراف:204] القرآن كما هو معروف ما نزل للقراءة فقط وإنما نزل للتأمل والتدبر ثم العمل (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ص)، (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد)، (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا  كَثِيرًا (82) النساء) لا يمكن أن تتأمل وتتدبر إن لم تستمع وليس تسمع، ثم تأتي درجة أعلى من الاستماع ثم بعد ذلك الإنصات.

استمعوا أدق من سمعوا لأن المستمع يلقي بكل حواسه ويلتفت إلى كتاب الله ونحن نوصي بتطبيق هذا في سماع القران الكريم سواء من خلال أجهزة الوسائط المتعددة أو في الصلوات والتراويح، اذاً فاستمعوا هي أدق من كلمة فاسمعوا. أنا أسمع ما أريده و ما لا أريده من الأصوات المختلطة لكن أستمع لما أريد أن أنصت له وأدقق في فهم معناه. استمع وأنصِت. فالاستماع والإنصات هو من التأدب مع القرآن الكريم.

لأجل هذا لما أمر الله بالاستماع قال (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الأعراف:204]  إن كنتم تريدون هذه النتيجة فعليكم بهذا الأمر. الاستماع والانصات ثم يأتي بعد ذلك العمل.

سورة الأنفال:

بدايتها تشير إلى خطورة المال وأثره في النفس.

بدأت سورة الأنفال بسؤال، يظهر أن هناك مجموعة من الأحداث وقعت بعد المعركة، نقاشات متعددة أدت الى أن الله سبحانه وتعالى ينقل هذا الحدث يسألونك يا محمد عن الأنفال عن أمر هذه الغنائم كيف نتصرف بها، مما ذُكر أن الأشياخ كانوا يحمون الظهور والشباب كانوا يتبعون من هرب ومن انهزم من المشركين فيأخذون أسلابهم وأموالهم، فكأن الأشياخ قالوا نحن نحمي ظهوركم فبالتالي نحن نستحق أن نشارك فيه، وحدث شيء من النزاع ووصفه بعض الصحابة في حديث قال: حتى شانت نفوسهم، أي وقع شيء من الإشكال والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لهم المقام العالي من الصحبة لكنهم يبقون بشر، بعضهم وقع لهم هذا وبعضهم ما وقع له خلاف مع أحد ولكنه تشوّف لسف من السيوف ليأخذه.

إذا (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَال)[الأنفال:1]، قل الأنفال ليست لكم (قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)[الأنفال:1] ولهذا جاء الحكم قاطع الأنفال ليست لكم وحكمها إلى الله.

وقبل الحديث عن الأنفال وقبل الإجابة؛ الله تعالى أخذ يفيض من التعلميات والتوجيهات والأوامر والنواهي قرابة الأربعين آية قبل أن تأتي الإجابة عن السؤال وأُجملت في بداية السورة في قوله تعالى: (فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)[الأنفال:1] أعرض عن الجواب وابتدأ بما هو أهم من الجواب وهو إصلاح ذات البين وأعرض القران الكريم عن الإجابة حتى آخر السورة.

وإن كان في هذه الآيات إشارة على أن المال له علاقة لكن الله سبحانه وتعالى أطلق الأمر: (وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ)[الأنفال:1]، وأصلحوا هاهنا يا من كنت طرفًا في المشكلة عليك أن تبادر بالصلح ويا من لم تكن طرفًا في المشكلة عليك أن تبادر في حل هذه الإشكالات الموجودة؛ فالمجتمع لا يصح أن تدب فيه الخلافات سواء أكانت بأسباب الأموال أو بأسباب فكرية أو بأسباب مختلفة، عليكم أن تتأملوا في واقع هذا المجتمع، وأن تبادروا إلى اجتثاث جذور هذه الفرقة حتى يلتئم المجتمع وتكون كلمته واحدة، وحينئذ يتحقق له النصر ويتحقق له ما يريد من الرفعة دنيا وأخرى.

لا شك أن المال فتنة وقد يكون سبب في التفريق حتى بين الإخوان والأقارب وتكمن أهمية هذه الآيات لتوضيح التعامل فيها وليدرك الإنسان ما الرابط بين الحديث عن الإصلاح وقضية الأنفال (وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ)[الأنفال:1]. ولهذا قال سبحانه وتعالى في هذه السورة (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)[الأنفال:28] يشير الى هذا الأمر في ثنايا هذه السورة.

هناك آيات وردت تدل على أهمية الاستجابة لله ورسوله وتؤكد هذا المعنى وتؤصله بغض النظر عن قضية الحديث عن الأمور المالية والفرعية، فحرص القرآن الكريم على تأسيس أسس مهمة جدًا مثل تقوى الله وإصلاح ذات البين والإستجابة لله ولرسوله.(يا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ  الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) الأنفال)

السياق الذي وردت فيه هذه السورة هو سياق الجهاد والتعليق على ما حدث في بدر، ولهذا سيكون حديثنا على هذا السياق وإلا فإن الأوامر الربانية سواء كان الأمر متعلقاً بجهاد ومعركة أو كان الأمر عاما.

ففي إثر المعركة أمرهم الله سبحانه وتعالى بمجموعة من الأوامر وكلها ابتدأها بالنداء المحبب، النداء الذي يستجلبك أيها العبد ويذكرك بإيمانك وأسباب استجابتك لهذا الأمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ(15) الأنفال)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ(20) الأنفال)، (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ)[الأنفال:24] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(27) الأنفال)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً)[الأنفال:29] مجموعة من النداءات التي تستجلب هؤلاء العباد تقول لهم اقتربوا ولا تبتعدوا، والربط بين طاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة المبلغ عنه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لا مفر منه، لا رأي مع وحي الله سبحانه وتعالى في كتابه أو في سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ثم الحديث عن التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(29) الأنفال)

أمر التقوى كما أنه جاء صريحا واضحا هنا، جاء التنبيه عليه في أول السورة أيضاً مجموعة من الصفات مرتبطة بتقى العبد (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) [الأنفال:4] العبد بلا تقوى هو على خطر شديد في أمر دينه وفي أمر دنياه، يخطئ العبد ويبتعد ولكنه يعود إلى ربه، والتقوى أن يجعل بينه وبين عذاب الله سبحانه وتعالى حاجزاً وواقياً.

ذكرت في هذه الآيات صفات محددة (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[الأنفال:2] (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال:2] تخاف قلوبهم.

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) الأنفال) يقول ابن عباس جعل الله عز وجلّ لهذه الأمة أمانان، أما أحدهم فقد انتهى وهو وجود الرسول صلى الله عليه وسلم (وَأَنتَ فِيهِمْ)[الأنفال:33]، وبقي هذا الأمان الذي نحن نلتجئ إلى الله به وهو الإستغفار فهو من الأمانات لبقاء هذه الأمة وللحفاظ عليها ولقربها من الله وألا يستأصلها الله بعذاب نستغفر الله سبحانه وتعالى كما أمرنا في هذه الآية.

 https://t.co/WB6GGHHlup



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل