تفسير سورة الصافات - المجلس الأول - د. عبدالرحمن الشهري - دورة الأترجة

تفسير سورة الصافات - المجلس الأول

د. عبد الرحمن الشهري - دورة الأترجة القرآنية

(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ﴿١﴾ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ﴿٢﴾ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٣﴾ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴿٤﴾ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ﴿٥﴾ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴿٦﴾ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ﴿٧﴾ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ﴿٨﴾ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴿٩﴾ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ)

سورة الصافات هي سورة مكية وذلك بإجماع المفسرين أنها سورة مكية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وسُميت سورة الصافات بهذا الاسم لأنه ورد فيها (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) وورد في آخرها (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) والمقصود بالصافّات الملائكة الكرام عليهم الصلاة والسلام. موضوع سورة الصافات ليس بعيداً عن موضوع سورة يس وهي بيان أصول التوحيد والعقيدة، تتحدث عن العقيدة، تتحدث عن إثبات الرسالة، تتحدث عن إثبات الوحي، تتحدث عن إثبات البعث والجزاء ولذلك نقول أصول العقيدة، إثبات النبوة والبعث والقرآن الكريم وما يتعلق به وهو الوحي، هذا هو موضوع سورة الصافات. ورد في فضائل سورة الصفات أحاديث بعضها مقبول وبعضها ضعيف وهذا شأن كثير من الأحاديث التي وردت في فضائل السور هناك بعض الزنادقة الذين وضعوا أحاديثاً أرادوا منها كما يزعمون أنهم يحببون الناس في القرآن كما قال إبن أبي مريم يقول: رأيت الناس قد انجرفوا إلى سِيَر ابن إسحاق واهتموا بالسِيَر وتركوا القرآن الكريم فوضعت أحاديث في فضائل السور من قرأ سورة كذا فله كذا ولذلك هذا الحديث موضوع، حديث ابن أبي مريم وفي كل سورة من قرأ سورة كذا من قرأ سورة كذا فهو باطل وموضوع ولا يُلتفت إليه. لكن هناك أحاديث وردت في فضائل بعض السور أحاديث صحيحة فليس كل ما ورد في الفضائل مردود.

يقول الله I (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) المقطع الأول يتحدث عن إعلان وحدانية الله تعالى ولاحظوا هذا الموضوع كيف يتكرر في القرآن الكريم يكاد يكون نصف القرآن الكريم إن لم يكن أكثر يتحدث عن التوحيد وعن إثبات البعث وعن إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو ركيزة إيمان الإنسان، لا يدخل في إيمان الإنسان ولا في عقيدته شِرك ولا شُبهة لذلك الله سبحانه وتعالى يؤكد على وحدانيته واستحقاقه وحده للعبادة فيقول هنا (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) وهذا قَسَم وأسلوب القَسَم يكثر في السور المكية لأن القسم في اللغة المقصود به التأكيد، هذا أسلوب عند العرب عندما تتحدث مع شخص عن موضوع عادي تريد أن تخبره بخبر فتقول مثلاً اليوم سوف ندرس سورة الصافات فتخبره بهذه الطريقة سوف ندرس سورة الصافات هو خالي الذهن من الموضوع لا يحتاج أن تؤكده بأيّ طريقة. لكن تأتي عند شخص متشكك في الموضوع ينفي أن اليوم عندنا سورة الصافات فتقول له: والله اليوم عندنا تفسير سورة الصافات، لماذا تُقسم؟ لأنه هو متشكك، فإذا كان شديد الإنكار لهذا الموضوع فإنك تؤكد هذا القسم تؤكده إما بالتشديد كما قال (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كفروا) فيأتي بنون التوكيد الثقيلة، فهذا أسلوب العرب فعندما يأتي القرآن في العهد المكي ويؤكد بالقسم لأنهم يجحدون وينكِرون يكذّبون فيقول (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) فيقسم بالملائكة التي تصف صفوفاً والنبي صلى الله عليه وسلم عندما التفت إلى الصحابة y يوماً في الصلاة فقال: ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة بين يدي ربها، فقالوا وكيف تصف يا رسول الله؟ قال يصفون صفوفاً مستقيمة أو نحو ذلك. فنحن في صفوفنا للصلاة نفعل كما تفعل الملائكة عليهم السلام بين يدي الله سبحانه وتعالى.

ثم يقول (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) وهم الملائكة أيضاً (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) أيضاً هم الملائكة، فئات من الملائكة فأقسم تعالى بطوائف من مخلوقاته والمفسرون عندهم خلاف فيها فجمهور السلف على أنها أصناف من الملائكة يتّصفون بصفات ثلاث:

·       فهم الملائكة الذين يتمون صفوفهم للعبادة ويصفون أجنحتهم انتظاراً لأوامر الله سبحانه وتعالى

·       وأيضاً الملائكة التي تسوق السحاب وتحرّكه فقال (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) هناك صنف من الملائكة تزجر السحاب فيتحرك بأمر الله I،

·       قال (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) الملائكة تتلو القرآن وتذكر ربها.

وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالصافات نفوس الغُزاة تصف في سبيل الله لكن الصحيح هو أنه هذا المعنى أن الملائكة التي تصف بين يديّ الله I هي المقصودة في هذه الآية بدليل أنه يقول في آخر السورة (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166)) فهذا من تفسير القرآن بالقرآن.

ثم يقول الله I في جواب القسم ودائماً القسم له أداة قسم (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) (الواو)، ومقسمٌ به (الصَّافَّاتِ صَفًّا) والمُقسم عليه وهو جواب القسم (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ) فالله يقسم بهؤلاء الملائكة على أنه واحد، على وحدانيته وهذا من التأكيد الشديد على إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى وأنه لا شريك له في ملكه. ثم يصف نفسه I فيقول (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) أي أن الله I الذي يستحق الألوهية وحده هو أيضاً ربُّ السماوات والأرض وما بينهما وهذا يتكرر كثيراً في القرآن وهو الإستشهاد بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، يعني يقول أنا الذي خلقتكم ورزقتكم ألست أولى بالعبادة؟ بلى، الذي خلق ورزق وأحيا وأمات هو الذي يستحق أن يُفرَد بالعبادة، هذا بالعقل. أما أخلقكم وتعبدون غيري وأرزقكم وتشكرون سواي؟! هذا شرك. فالله I دائماً في القرآن الكريم يستشهد ويقول أنا خلقتكم ورزقتكم أنزلت عليكم المطر وأنبت لكم النبات فأنا أستحق العبادة وتوحيد العبادة. فالله يقول هنا (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ) توحيد الألوهية (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) هذا توحيد الربوبية. ما دام هو الذي خلق فهو الذي يستحق العبادة. قد يقول قائل لماذا قال رب المشارق ولم يقل رب المغارب كما قال في سورة أخرى (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ (40) المعارج) فيقول العلماء ذكر أحدهما فاستغنى عن ذكر الآخر، عندما يقول رب المشارق طالما هناك مشارق فهناك مغارب فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر واللغة العربية البلاغة فيها هي في الإيجاز، الإيجاز هو البلاغة في اللغة العربية. وقال في آية أخرى (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) الرحمن) وقال أيضاً (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (28) الشعراء) وقال أيضاً (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ (40) المعارج) وردت في القرآن ثلاثة المشرق والمغرب، المشرقين والمغربين، المشارق والمغارب، فالعلماء يقولون المشرق والمغرب جنس المشرق وجنس المغرب، جهة المشرق وجهة المغرب (المشرقين والمغربين) الشمس لها مشرق في الشتاء ومشرق في الصيف ولها مغرب في الشتاء ومغرب في الشتاء ومغرب في الصيف فسميت مغربين ومشرقين وإن قلنا المشارق والمغارب كذلك تتعدد بل كل يوم يختلف عن اليوم الذي قبله في مشرق الشمس ومغربها، في درجته طيلة السنة فأيضاً هي كلها صحيحة وليس بينها تعارض.

ثم بيّن الله I شيئاً من مظاهر ربوبيته فقال الله سبحانه وتعالى (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10)) هذه السموات فيها من دلائل ربوبية الله I ما لا يحصيه إلا الله. العرب الذين خوطبوا بهذه الآيات يعرفون من دلائل قدرة الله في هذه السماء يرون النجوم ويرون الشمس والقمر يرون المطر إذا نزل عليهم والسحاب وقد ذكره الله لهم، لكن هناك أشياء عرفناها نحن ما كانوا يعرفونها هم الآن، هل شاهد أحد منكم الأفلام الوثائقية التي تشرح هذه النجوم في السماء؟ ألا تلاحظون اليوم كل سنة أو أقل من ذلك إكتشاف مجرة جديدة ومجموعة شمسية جديدة واكتشاف نجم جديد أليس كذلك؟ فالشاهد أن من أعظم ما يمتن الله به على خلقه هذه السماء والله سبحانه وتعالى يذكر أنه خلق هذه النجوم زينة مما خلقها له أنها زينة فقال (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) وفي قرآءة (بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ) والمعنى واحد. ثم قال (وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ) أي هذه النجوم التي جعلها الله في السماء هي زينة ولها وظيفة أخرى وهي أن الله سبحانه وتعالى يسلّطها على هذه الشياطين التي تحاول أن تسترق السمع من السماء كما قال النبي e كانت الشياطين قبل بعثة النبي e لها مقاعد في السماء فيسمعون الملأ الأعلى، الملائكة،  يسمعون أيّ خبر من الملائكة من أمر الله سبحانه وتعالى الذي أمر به الملائكة لكي يفعلوه في الأرض فيسرقه الشياطين وواحد يبلغ الثاني حتى تصل للكاهن، فالكاهن يزيد عليها تسع وتسعين كذبة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيصدُق في بعض الأشياء وتكون فتنة لكن لما أُرسل النبي صلى الله عليه وسلم أغلق هذا الباب ولا يوجد أيّ شيطان يستطيع أن يسترق السمع. ولذلك جاء الشياطين إلى شيخهم إبليس وقالوا ما عاد يمكننا أن نتصل مع السماء كلما حاول أحد جاءه شهاب ثاقب من هذه النجوم يقتله، فقال ابليس أكيد هناك شيء جديد وأرسل مجموعة من الشياطين لكي ينظروا ما الذي تغير في العالم وما هذه الشُهُب التي تصيب هؤلاء الشياطين؟ فلما ذهب أحد هؤلاء الشياطين وجد النبي e يصلي في مكة فرجع وأخبر إبليس وقال بُعِث محمد عليه الصلاة والسلام. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة الجن (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1)) ثم قال (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ (9) الجن) كان عندهم أماكن خاصة للرصد، رصد فلكي (فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا(9) الجن) انتهى الموضوع، ولذلك أُغلِقت السموات على هؤلاء الشياطين لا ينفذون إلى شيء ولا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. فالله سبحانه وتعالى يقول (وَحِفْظًا) أي هذه النجوم حفظاً للسماء (مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ) والمارد يعني المتمرد شديد التمرد. (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى) ما عادوا يستطيعوا أن يسترقوا السمع (وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ) وإن نجا من شهاب أصابه الآخر. (دُحُورًا) أي مدحورين هؤلاء الشياطين (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) واصب يعني دائم متصل (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ) بعض الشياطين بالرغم من كل هذه الحراسة أحياناً يخطف خبراً (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) فأيضاً لا يستطيع أن يفرّ من هذا الحفظ الذي جعله الله على هذه السماء. هذا هو المقطع الأول من سورة الصافات.

ثم يقول الله سبحانه وتعالى في الآيات التي بعدها (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا) اِسأل يا محمد عليه الصلاة والسلام هؤلاء المشركين هل هم أقوى من هؤلاء الشياطين التي منعناها من السماء؟! ما هم قريش وما عندهم من إمكانيات حتى يحاربون الله ويناوئونه؟! فيقول (فَاسْتَفْتِهِمْ) أي اِسألهم (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ) أنت أيها الإنسان المكذِّب المارد أنت لا شيء لا تقارن نفسك لا بالشياطين ولا بالملائكة ولا حتى بالحيوانات الضخمة أنت لا شيء أنت أضعفها كلها، لولا أن الله I أعطى الإنسان العقل وسخّر له هذه المخلوقات لما استطاع أن يذلّلها لنفسه. فيقول الله سبحانه وتعالى (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا) أي هؤلاء المكذبون من الكفار (أَم مَّنْ خَلَقْنَا) من أمثال هذه الشياطين والملائكة (إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ) يعني الله I خلق البشر أو خلق أصلهم وهو آدم u وهو أبونا من طين لازب ولازب يعني طين جيد، لازب يعني يلتصق بشكل شديد هذا هو معنى لازب وهذا الطين الجيد هو متماسك. (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13)) هؤلاء المشركون يسخرون ويستهزئون وأنت يا محمد عجبت من صنيعهم ومن سخريتهم بالرغم من كل هذه الآيات، فهذه القراءة (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) بفتح التاء بل عجبتَ يا محمد من صنيعهم وهم يسخرون ويستهزئون وإذا ذُكِّروا بأي نوع من أنواع التذكير لا يذكرون وإذا رأوا آيةً من الآيات التي ذكرناها لهم يستسخرون، لا يسخرون فقط يسخرون ويحرّضون الآخرين على السخرية. وفي قرآءة أخرى وهي قراءة صحيحة (بل عجبتُ ويسخرون) وهذا فيه إثبات لصفة العَجَب من الله I. (وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (15)) نرجع مرة أخرى إلى تهمة من تهمهم التي يتهمون بها النبي e، يتهمونه بأنه ساحر أنه ساحر وأن هذا القرآن الذي جاء به سحر (وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ) ويُنكرون البعث (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) كما قال العاص ابن وائل في آخر سورة يس (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) يس) وهذه معضلةٌ عند المشركين والمكذّبين وحتى المُلحدين اليوم لا تدخل دماغهم كيف يبعث الله هذه الجثة المتحللة؟! رمينا أحدهم في البحر أكلته السباع كيف يبعث الله؟! الجثة المتحللة في البحر؟! ولذلك يذكرون ويذكر النبي عن رجل من المتقدمين قال لأبنائه إذا مت فأحرقوني ثم خذوا عظامي وبقايا جسمي فاسحقوها ثم ذروا نصف منها في البحر ونصف منها في البر في يوم ريّح كثير الريح يقول الرسول e فجاء به الله يوم القيامة فأعاده فقال ما حملك على ما صنعت؟ فقال حملني عليه يا ربي خوفي منك وحيائي منك فغفر الله له. فالشاهد أن الله I قادرٌ على أن يجمع الناس ويبعثهم. تقول لا تدخل العقل، هذه أمور غيبية لكن قدرة الله I على كل شيء قدير وهو الذي خلقك من عدم وخلق آدم من تراب فهو قادر على أن يحي الموتى ويبعثهم بعد موتهم.

ثم يقول الله I (أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ) أي وكذلك آباؤنا سوف يبعثون؟! (قُلْ نَعَمْ) أي قل يا محمد نعم وهذا أسلوب يسمى أسلوب التلقين في القرآن الكريم (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) الإخلاص) (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) الفلق) (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) الناس) (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (158) الأعراف) وهنا أيضاً يعلّمه كيف يجيب عليهم فيقول: قل نعم سوف تبعثون ويبعث آباؤكم (قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ) داخرون أي ذليلون. (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ) إنما هي زجرة واحدة التي هي نفخة البعث فإذا هم قيام ينظرون ويستجيبون لأمر الله I كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة النازعات (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (14) النازعات) بأرض المحشر. ثم يقول الله I (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ) الآن ظهرت لهم الحقيقة وهي البعث بعد الموت وعرفوا الآن أن هناك يوم اسمه يوم الدين والمقصود بيوم الدين هو يوم الجزاء والحساب. (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا) يدعون على أنفسهم بالويل والثبور(هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21)) وليس هناك أقسى من أن ترى مثل هذا المشهد الذي كنت تكذب به طيلة حياتك ثم تفاجأ فإذا بك تعيش هذا المشهد! تكذب طول عمرك بالنار وتسخر من الأنبياء ثم تأتي فإذا بها أمام عينيك هذه النار! لم يعد هناك مجال للإعتذار ولم يعد هناك مجال أن ترجع إلى الدنيا أبداً (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) المؤمنون) آخر مرة! النذر كثيرة والرسل كثيرة والقرآن وصلتك بما فيه الكفاية فإذا وصلت لهذه المرحلة (قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ (100) المؤمنون) لذلك لا بد من المسارعة دائماً لأعمال الخير المسارعة إلى الصلاة والمسارعة إلى الصيام ووالمسارعة إلى الحج وإلى الصدقة لا تؤخر أعمال البر فإنك لا تدري متى تموت لو كان عند الإنسان منا عهد إنه لن يموت إلا إذا تجاوز عشرين سنة فإن الأمر يهون لكن ليس هناك ضمانة لأحد وبالتالي فلا بد من المسارعة والمبادرة (سارعوا) والرسول يقول (بادروا بالأعمال) وهكذا. (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) ولاحظوا أن الله يسميه يوم الدين ويسميه يوم الفصل، والدين هو الجزاء والحساب لأن هناك حقوق تؤخَذ وحقوق تُعطى يوم القيامة حتى يُقتصّ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، فما بالك بما هو فوق ذلك؟! وسماه الله تعالى يوم الفصل أيضاً لأن الله يفصل بين الخلائق فيفصل بين أهل النار وأهل الجنة ويُدخِل هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار.

ثم يقول الله I بعد هذه الآيات العظيمة (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ) في قوله سبحانه وتعالى (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) أي وأشباههم ونظراءهم يعني أُحشروا الكافرين مع بعضهم ليس المقصود (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) يعني زوجاتهم لأنه قد يكون الإنسان ظالماً كافراً وزوجته مؤمنة أو قد تكون الزوجة كافرة وزوجها مؤمن فالزوجية هنا ليس المقصود بها الزوجية بين الرجل والمرأة وإنما المقصود بالزوجية هنا الشَبَه (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ). ينتقل السياق هنا من الخبر إلى خطاب الله سبحانه وتعالى الموجّه للملائكة الموكلين بالتنفيذ في موقف الحشر فالله يقول للملائكة (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا) يعني اجمعوهم لأن الحشر في اللغة هو الجمع وسُمي يوم القيامة يوم الحشر لأنهم يجتمعون فيه وذكر الله سبحانه وتعالى سورة الحشر قال (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ (2)). ثم يقول الله سبحانه وتعالى (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23)) أُهدوهم يعني دلّوهم والهداية في اللغة الدلالة والإرشاد والهداية غلب في القرآن والسنة وفي كلام العرب اِستخدامها في الدلالة إلى الخير ولكنها قد تستخدم في الشرّ كما في هذه الآية من باب السخرية والاستهزاء بهم يقول الله I (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14)) لأن الجزاء من جنس العمل، تعالوا أنتم الآن تستسخرون كلما جاءكم نبي ورسول (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) الدخان) اِستهزاء به، اِشرب! هذا الذي كان يتكبر على أوامر الله يشرب الغسلين في جهنم. وكذلك هؤلاء يقول الله لملائكته (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) دلّوهم إلى الطريق (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (24)) تذكرون الآية في سورة يس (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (56) يس) أصبحوا الآن واضح أنهم متميزون في موقف الحشر ثم يقول الله لملائكته الموكلة بسوقهم إلى جهنم لأنه قال في أول السورة للملائكة (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) فيدخل فيهم الملائكة التي تزجر الكافرين في موقف الحشر أيضاً. فيقول الله (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) دلوهم على طريق الجحيم لكن قبل ذلك يجب المحاسبة والحساب فيقول (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) هناك أسئلة ستوجه إليهم قبل أن يذهب بهم إلى الجحيم، ما هي هذه الأسئلة؟ قال لله سبحانه وتعالى (مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ) أين نصرة بعضكم لبعض؟ أين دفاع بعضكم عن بعض؟! أين دفاع الأصنام عن من عبدها؟! أين دفاع الذين عبدوها عن آلهتهم؟َ ولذلك لا يوجد جواب الله ما ذكر جواب ما ذكر الله جواباً تماماً كما يقول الله سبحانه وتعالى في سؤاله (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ (16) غافر) لا جواب، فالله يجيب نفسه بنفسه فيقول (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ). فكذلك هنا (مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ) ثم يصوّر الله الحال فيقول (بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ) رفعوا الراية البيضاء ولكن بعد ماذا؟ في موقف الحشر! ولذلك هذا تنبيه لنا جميعاً نحن لا نتحدث عن كفار ومشركي قريش ولكن نتحدث عن واقعنا وعن أنفسنا اليوم، القرآن لنا جميعاً المسارعة إلى الخير، الاستجابة لأوامر الله، هذا من علامات إيمان الإنسان (اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) الأنفال) نحن عندما نجلس في هذه المجالس مجالس التفسير لم نأت لكي نتعلم مفردات لغوية فقط نحن نأتي لكي نعمل ونتعلم أسلوب الحياة الصحيح، والرسول e كان يترقّب الصحابة هذا القرآن الذي نقرؤه الآن يترقبونه حتى النبي e يصلي الفجر الصحابة ينتظرون إذا التفت الرسول بعد صلاة الفجر أكيد هناك وحي جديد هناك قرآن جديد. ولذلك لما توفي النبي e جاء أبو بكر وعمر إلى إحدى النساء الصحابيات رضي الله عنهن وهي كبيرة في السنّ وجدوها تبكي بكاء الجزِعَة على وفاة النبي e فقالوا اتقِّ الله الرسول e ذهب إلى ما هو خير فقالت والله أنا لا أبكي لأني أظن أن ما عندنا خير للرسول مما عند ربه، أنا متأكدة أن ما عند الله خير له وإنما أبكي لانقطاع الوحي. تخيلوا كل يوم يترقبون سورة، يترقبون الآيات وهذا من أعظم النعم ثم انقطع!! قالت ولكنني أبكي لانقطاع الوحي. هنا عندما يقول تعالى (مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)) ثم يذكر الله أيضاً موقف هؤلاء المكذبين مع بعض في موقف الحشر يتحادثون ويتساءلون فيقول بعضهم لبعض (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28)) يصبح الخلاف الآن بين الكفار بين بعضهم، بعضهم يقول أنتم السبب في كفرنا والمستضعفين يقولون للذين استكبروا أنتم السبب (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) الأحزاب) لا ينفع، انتهى الموضوع! الشيطان يوم القيامة يخطب خطبة مرّت معكم في سورة إبراهيم (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي (22) إبراهيم) ماذا أفعل لكم؟! أنا مجرد أوسوس لكم بشيء بسيط تستجيبون لي، أنا أجبرتكم؟! (فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ (22) إبراهيم) يعني بمنقذكم (وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) إبراهيم) صحى ضميره بعدما انتهت هذه المشاهد كلها!!. فالله سبحانه وتعالى يقول أنهم يتجادلون فيما بينهم (قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33)) اُنظروا إلى هذا النزاع الشديد الآن في موقف حسرة وندامة وفوات وخذلان وأن هذه الأصنام لم تنفع الذين عبدوها وهؤلاء الطغاة لم ينفعوا الذين ساروا في ركابهم، ماذا سيصنع فرعون بأتباعه الذين أضلّهم؟! هذا الحوار يدور بينهم في هذا الموقف العصيب فالله يقول (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) كلهم، الشيطان والذين اتبعوه، الطغاة والذين اتبعوهم، الأصنام والذين عبدوها، كلهم حصب جهنم كما ذكر الله. ثم يقول الله I (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) هذه قاعدة كل من يفعل هذا الفعل ويكفر بالله ويضل عن سبيل الله فإنه سوف يلقى هذا الجزاء (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ). وهنا فائدة مهمة وهي أن الله سبحانه وتعالى يعلّق الأحكام في القرآن الكريم بالأوصاف فيقول هنا (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) لماذا يا رب؟ بسبب إجرامهم نعذّبهم وندخلهم العذاب بسبب إجرامهم فيكون قدر عذابهم على قدر إجرامهم كما يقول مثلاً في سورة الإنفطار (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) الإنفطار) لماذا؟ بسبب برّهم (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) الإنفطار) بسبب فجورهم فبقدر برّ البار يكون له من النعيم وبقدر فجور الفاجر يكون له من الجحيم والعياذ بالله. ثم يقول الله I (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) كُفر الإستكبار، يستكبرون على التوحيد وعلى الألوهية. (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) جمعوا له الصفتين شاعر ومجنون (بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) وهذا من دفاع الله سبحانه وتعالى عن نبيه e أنه يقول (بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) يعني إنه عليه الصلاة والسلام ما جاءكم إلا بمثل ما جاءكم به الأنبياء السابقون يدعونكم إلى توحيد الله I فهو جاء بالحق وصدّق المرسلين (إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ). هذه الآيات وهذا المقطع الذي تحدثنا عنه فيه فوائد:

* من هذه الفوائد أنه عندما يقولون (إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) ما معناها؟ قال المفسرون بعضهم يقولون أنكم كنتم تأتوننا دائماً في طرق الخير فتصدونا عنها أما طرق الشرّ فهي أصلاً توافق ما تريدون منا فتتركوننا فدائماً تأتوننا عن اليمين للإشارة إلى أن عمل البر والخير والحسنات والجنة كلها يُكنّى عنها باليمين وهذا من لغة العرب أنهم دائماً يعبّرون باليمين عن أعمال البرّ والخير كما قال الشاعر

إذا ما رايةٌ رُفِعَت لمجدٍ         تلقّاها عَرابةُ باليمين

يعني أخذها بيمينه. والنبي e كان يقدّم اليمين في شأنه كله من أفعال الخير، فهذه كناية (إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) يعني كنتم تأتون وتقفون على طرق الخير التي نسلكها فتصدوننا عنها.

* ومن المفسرين من يقول (إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) مما يجعلنا نظن أنكم لنا من الناصحين فنطيعكم فوقعنا في ما وقعنا فيه، ولذلك من الفوائد:

* أن اليمين أشرف العضوين في الإنسان وقد ثبت هذا والنبي e كان يقدم يمينه في كل أعمال البر إذا دخل المسجد إلى آخره.

* أيضاً أنه من فوائد هذه الآيات أن مهمة الداعية هي تبليغ الدعوة البلاغ المبين وعرض كلمة التوحيد على الناس، ويدلل ذلك أن الرسول e عرض كلمة التوحيد حتى على عمه أبو طالب في موقف الموت ماذا قال له النبي e؟ قال له يا عمّ كلمة أحاجج بها دونك قل (أشهد أن لا إله إلا الله). مما يدلك على أن أهمّ شيء يمكن أن يقوله الإنسان وهذا الحديث في البخاري.

* ومن فوائد هذه الآية أيضاً أن كل إنسان مسؤول عن عمله (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (164) الأنعام) والمسؤولية الفردية ولذلك الله I أقام الحجة هنا على كل فرد ويأتي يوم القيامة كل واحد يُسأل بمفرده (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ).

* وأيضاً من فوائد هذه الآيات أن كلمة التوحيد هي الكلمة التي نادت بها كل الرسالات ولذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم من آدم عليه السلام إلى محمد e كلهم يدعون إلى التوحيد وهذه من مقاصد السورة.

 

* وأيضاً من فوائد الآيات أن الشرك هو أشد أنواع الظلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل