تفسير سورة يس - المجلس الأول/2 - د. عبدالرحمن الشهري - دورة الأترجة

تفسير سورة يس - المجلس الأول/2 

د. عبدالرحمن الشهري - دورة الأترجة القرآنية

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿١٣﴾ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴿١٤﴾ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴿١٥﴾ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿١٦﴾ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿١٧﴾ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٨﴾ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴿١٩﴾)

تلاحظون الآن بعد عرض قضية الوحي والنبوة والرسالة في مقدمة السورة ذكر الله هنا مثلاً واقعياً لتكذيب هؤلاء وإيمان هؤلاء وإرسال الرُسُل. الرسول e في مكة كان يتعرّض لتكذيب ولسخرية ولاستهزاء فكان عليه الصلاة والسلام بأمس الحاجة إلى المواساة والتثبيت وهذا من حِكَم نزول القرآن الكريم مفرّقاً على النبي عليه الصلاة والسلام ولذلك قال (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةًۭ وَ‌ٰحِدَةًۭ (32) الفرقانۚ) قال الله I (كَذَ‌ٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًۭا ﴿32﴾ الفرقان) فالله I يقصّ على النبي e من هذه القصص ليثبت فؤاد النبي e وهي كذلك مثبتة لأفئدة أتباع النبي صلى الله عليه وسلم فنحن عندما نقرأ الآن كيف أن الله أرسل الرسل إلى هؤلاء المكذبين فقتلوا هؤلاء وكذبوهم ثم ذكر الله لنا عاقبة المؤمنين وعاقبة المكذبين في الآخرة هذا يزيد إيماننا ويزيد يقيننا بتصديق النبي e وثباتنا على هذا الدين وكثرة لجوءنا إلى الله سبحانه وتعالى للتثبيت وإلى آخره. يقول الله سبحانه وتعالى (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿١٣﴾ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) أولاً: أين هي هذه القرية؟ الجواب: الله أعلم. تجدون في بعض كتب التفسير أنها أنطاكية وهذا غير صحيح لأن هذه القصة قد وقعت قبل بعثة عيسى عليه الصلاة والسلام بأزمنة طويلة وبعض المفسرين يقول (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) أن المقصود بها قرية أنطاكية وأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام هو الذي أرسل هؤلاء الرسل فأرسل اثنين ثم أرسل الثالث (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) يعني قويناهم بشخص ثالث فنقول هذا الكلام غير صحيح لأسباب:

أولاً أن الله I يقول (إِذْ أَرْسَلْنَا) نحن ولم يقل "إذ أرسل عيسى هؤلاء الرُسُل" وفي القرآن الكريم لم يذكُر الله I الرسل إلا الذين أرسلهم هو I، ذكر نوح وذكر موسى وعيسى ومحمد وإبراهيم هو الذي أرسلهم ولم يذكر في القرآن الكريم رسولاً أرسله غيره ولذلك القول بأن هؤلاء الرُسُل أرسلهم عيسى غير صحيح والقصة قد وقعت قبل عيسى وأنطاكية لم تدخل كاملة في دين عيسى إلا بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام فجاءها اثنان من أتباع عيسى وآمنوا بهم وكانت هي أول قرية آمنت بعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام. وأنطاكية تعتبر تقريباً الآن ما بين سوريا وبين تركيا قريبة من شاطئ البحر الأبيض المتوسط تقريباً في سوريا. فالقول الصحيح أن هذه القرية لا يُدرى أين هي الله أعلم، وهذا فائدة مهمة بالنسبة لنا أن المُبهمات في القرآن الكريم لا فائدة من التصريح بها لأن الحكمة متحققة بدون معرفتها، لا يهمنا هذه القرية هل هي أنطاكية أو دمشق أو بيروت هذه لا تغير من الحكمة والغاية التي من أجلها نزلت الآيات شيئاً. ولذلك يُبهم الله I في مواضع كثيرة (وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌۭ يَسْعَىٰ (20) يس) من هو؟ ما ندري، لكن الحكمة متحققة حتى مع جهالة عينه

يقول الله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿١٣﴾ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴿١٤﴾ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴿١٥﴾ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿١٦﴾ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿١٧﴾ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ ولَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٨﴾ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴿١٩﴾) هذه القصة يذكر الله أنه أرسل رسولين هو الذي أرسلهم إلى قرية من القرى فكذب أهل هذه القرية هذين الرسولين فأرسل الله رسُولاً ثالثاً إما معهما أو إما بعدهما حتى يقيم الحُجة على هؤلاء ولكنهم استمروا في تكذيبهم وقالوا (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) يعني تشاءمنا بكم وأنتم أيها الرُسُل وجه شؤم علينا وما يقع في بلادنا من المصائب بسببكم كما كان يقول ذلك المكذبون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ثم هددوهم بالقتل (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ) رجماً بالحجارة أو لنرجمنكم نسبنّكم ونشتمكم والصحيح أنها تدل على المعنيين معاً لنرجمنكم بالحجارة وبالكلام. (ولَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) تهديد فقال لهم هؤلاء الرُسُل (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ) والطائر هو العمل وجزاؤه يقال له طائر كما في قوله (وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ﴿13﴾ الإسراء) أي ألزمناه عمله وجزاء عمله في عنقه. بل أنتم تقولون ذلك (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ) يعني هل ترفضون هذه الدعوة لأننا ذكرناكم بالله I وخوّفناكم به؟ (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) والإسراف هو مجاوزة الحد في الأمر فالإسراف في الماء مجاوزة الحد في استخدام الماء, والإسراف في التكذيب هنا هو الطغيان فيه. وهذا المقطع أولاً نستفيد منه فائدة

Ø   أولاً: أن الله سبحانه وتعالى قد بعث قبلك يا محمد أنبياء كثيرون.

Ø   ثانياً: أنهم قد لقوا تكذيباً واستهزاء وسخرية كما لقيت أنت.

Ø   ثالثاً: أن الذين يؤمنون بهؤلاء الأنبياء وهم ثلاثة آمن بهم رجلٌ واحد سوف يأتي معنا في المقطع القادم.

Ø   ونستفيد من هذا المقطع استحسان ضرب المثل فلاحظوا أن الله ذكر لنا كيف أنه بعث النبي e وكذّبه قومه ثم ضرب مثلاً حيّاً وقع في الأمم السابقة

 

Ø   ومن فوائد هذه الآيات تشابه حال الكفار في التكذيب والإعراض واتهام النبي e بما ليس فيه عليه الصلاة والسلام



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل