تفسير سورة يس - 1 - د. عبدالرحمن الشهري - دورة الأترجة

تفسير سورة يس - 1

د . عبد الرحمن بن معاضة الشهري - دورة الأترجة القرآنية

 ﴿ يس ﴿١﴾ وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣﴾ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٤﴾ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿٥﴾ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴿٦﴾ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

سورة يس هذه السورة من السور المكية التي نزلت على النبي e في مكة قبل هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بزمن طويل. وسميت سورة يس بهذا الاسم لابتدائها بهذين الحرفين "ي - س" فـ "يس" تعتبر من الحروف المقطعة مثلها في ذلك مثل (ألم) ومثل "حم" ونحوها من الحروف التي وردت في أوائل السور التي ابتدأت بهذه الحروف المقطعة. وسورة "يس" من السور المثاني التي ورد فيها الحديث الذي ورد عن الإمام أحمد عن واثلة بن الأصقع t أن النبي e قال: أعطيت مكان التوراة السبع يعني السبع الطوال- وأعطيت مكان الزبور المئين يعني السور التي تزيد آياتها عن مئة آية - وأعطيت مكان الإنجيل المثاني وهي هذه السور منها سورة يس- وفُضِّلت بالمفصل - والمفصل هي على الصحيح من سورة ق إلى آخر سورة الناس". وفي هذا الحديث فائدة يمكن أن يستفيد منها الباحث وطالب العلم وهو أن يوازن بين ما اشتملت عليه هذه السُور وبين ما فضّلت عليه يعني مثل يقول النبي e "وأعطيت مكان الإنجيل المثاني" والمقصود بالمثاني هنا السور أي السور المثاني وليس المقصود بها هنا في الحديث سورة الفاتحة كما في حديث أبي سعيد بن المعلَّم فيوازن بين ما اشتملت عليه هذه السور المئين والطوال والمفصّل وبين ما فضلت عليه من التوراة والإنجيل خاصة التوراة والإنجيل لأنه موجود جزء منها وإن كان محرّفاً لكن يمكن للباحث أن يستفيد منه. ومما ورد في فضل سورة يس على وجه الخصوص ما أخرجه ابن حبان عن جندب ابن عبد الله t قال: قال رسول الله e "من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له" وهذا أخرجه ابن حبان في صحيحه وهناك أحاديث ضعيفة وبعضها موضوع في فضل سورة "يس" من أمثال قولهم "أن الله تبارك وتعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام فلما سمعت الملائكة القرآن قالت طوبى لأمة ينزل هذا عليهم وطوبى لألسن تتكلم بهذا وطوبى لأجوفٍ تحمل هذا" وهذا حديث ضعيف باطل وأيضاً الحديث الذي روي في "أن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن يس و من قرأ يس كتب الله له بقرأتها قرآءة القرآن عشر مرات" فهذا الحديث موضوع وباطل أنا أذكره لكم حتى تتنبهوا إلى أنه باطل- وأيضاً "من قرأ يس ابتغاء وجه الله –ثم قال في آخرها- فأقرأوها عند موتاكم" وبعض الناس يفعل هذا وهذا حديثٌ ضعيف لا يصح. وهذه السورة كما قلت لكم سورة مكية ونحن عندما نقول لكم سور مكية نراعي أنها نزلت على النبي e وهو في مكة وهو في حالة من الضعف والاستضعاف ولذلك جاءت هذه السورة لموضوعات معينة كان القرآن الكريم يركّز عليها في العهد المكي. ويمكن أن نقول أن سورة يس تناولت ثلاث قضايا أساسية نعتبرها محاور أساسية لسورة "يس" .

المحور الأول: إثبات البعث وهذا هو موضوعها الأساسي إثبات البعث والجزاء والنشور يوم القيامة,

والموضوع الثاني: هو قصة أهل القرية وهي متصلة بهذا المحور أيضاً,

والمحور الثالث: هو الأدلة والبراهين على توحيد اللهI وسوف تأتي معنا في أواخر السورة (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) إلى آخره.

فهذه ثلاث محاور أساسية الإيمان بالبعث وقصة أصحاب القرية وتوحيد الألوهية أو الأدلة والبراهين على وحدانية الله سبحانه وتعالى. وقد ورد في قوله سبحانه وتعالى (إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ (12)) في أول السورة عن أبي سعيد الخدري t قال "كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة بعيده عن المسجد فأرادوا النُقلة إلى قرب المسجد مسجد النبي e فنزلت هذه الآية (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فقال النبي e "إن آثاركم تُكتَب فلا تنتقلوا" وهذا أخرجه الترمذي. طبعاً عندما يذكر العلماء هذا الحديث نحن نقول أن السورة مكية أليس كذلك؟ ثم نقول هذه الآية سبب نزولها حادثة في المدينة فكيف يمكن أن نجمع بين هذا الكلام؟ هذا قول أن هذه الآية يمكن أن تكون مستثناة من السورة فتكون هذه الآية نزلت في المدينة و باقي السورة نزلت في مكة، هذا قول وبعض العلماء يقول ذلك. وإما أن نقول أن السورة كاملة مكية ولا يصح أن نستثني آية أو جزءاً من السورة فنقول أنه نزل في المدينة إلا بدليل صحيح وهنا ليس هناك دلالة ولكن غاية ما يمكن أن نقول إن النبي e استشهد بهذه الآية لبني سلمة عندما أرادوا أن ينتقلوا من مكان بعيد إلى مكان قريب من المسجد فقال لهم ابقوا في أماكنكم حتى يكتب الله آثاركم وأنتم تأتون إلى المسجد وتنصرفون واستشهد لهم بقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) يعني وآثار أقدامهم هنا. وقد ابتدأت السورة بهذه الأحرف المقطعة وقد مر معكم في المجالس السابقة الحديث عن الأحرف المقطعة وكلام العلماء فيها طويل ولا يوجد دليل صحيح صريحٌ قاطع يدل على معنى واحد لهذه الأحرف المقطعة ولو ورد دليلٌ صريحٌ عن النبي e في تفسير هذه الأحرف المقطعة لكنا توقفنا عنده لكنه لم يرد فيها دليل فالعلماء يجتهدون في معرفة الحكمة من هذه الأحرف المقطعة في بداية السور. والأقوال كثيرة من أوجهها إن صح التعبير ومن أجودها القول الذي يقول إن الله I ابتدأ هذه السور بالأحرف المقطعة للتحدي والإعجاز للعرب الذين يخاطَبون بهذه الأحرف وبهذه السور فكأنه يقول لهم هذا القرآن الذي أنزلته على النبي e هو مكون من هذه الأحرف التي تعرفونها ألف, لام، ياء, سين, نون, إلى آخره. وهناك أقوال أخرى بعضهم يعتبرها قَسَم يعني بعضهم يذكر لها معاني أخرى لكن كما قلت لكم هي كلها أقوال اجتهادية وليس هناك قولٌ يجب المصير إليه

ثم يقسم الله سبحانه وتعالى بالقرآن (يسٓ ﴿1﴾ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ ﴿2﴾ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿3﴾)) فهو يقسم بهذا القرآن العظيم ويصفه بأنه حكيم أي مُحكم شديد الإحكام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وجواب القسم (إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ) لأن المشركين الذين يخاطبون بهذه الآيات ينكرون نبوة النبي e ورسالته والله I يقسم على صدق النبي e و أنه من المرسلين فقال (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣﴾ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٤﴾) والصراط في اللغة هو الطريق المستقيم ووصفه هنا بأنه صراط مستقيم مع أن الصراط في اللغة هو الطريق المستقيم فلو قال "إنك لمن المرسلين على صراط" لدلّ ذلك على أنه مستقيم لكن الله I أكّد هذه الدلالة بهذا الوصف المغاير فقال "على صراط مستقيم"كما في سورة الفاتحة في قوله (ٱهْدِنَا ٱلصِّرَ‌ٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴿6﴾ الفاتحة) للإشارة إلى أنه هذا هو الطريق الوحيد الذي يوصل إلى الله I في حين أن طرق الضلالة والكفر كثيرة ولذلك قال (وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ(153) الأنعام) فالسبيل واحد سبيل الجنة. قال (عَلَىٰ صِرَ‌ٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿4﴾ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴿5﴾) (تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ) إشارة إلى القرآن الكريم أنه منزّل من الله I ولاحظوا معي الوصف في قوله (تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ) وقوله في وصف القرآن (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) وهذه الأوصاف مهمة وينبغي أن يتوقف القارئ عندها لماذا يصف الله سبحانه القرآن الكريم بأنه حكيم ومحكم وشديد الإحكام؟ حتى يطمئن المسلم إلى أن هذا القرآن الذي بين يديه ليس فيه نقص بوجه من الوجوه لأنهم كانوا يطعنون في هذا القرآن وسوف يأتي معنا أنهم يتهمون النبي e بأنه شاعر وبأن القرآن الكريم عبارة عن شِعر. ثُم قال الله I (تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ) لاحظوا الوصفين العزيز مأخوذ من العزة وهي القوة والمنعة فالله I عزيز لا يغالبه أحد ولا ينازعه في ملكه أحد (الرحيم) فهو مع عزته وقوته I ومنعته فهو رحيم بخلقه ولذلك هذا القرآن الكريم الذي أنزله الله I ما أنزله إلا رحمة بخلقه ولذلك لاحظوا أنه في سورة طه قال (طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) وإنما أنزلناه عليك لتسعد وهذا هو مقتضى الرحمة التي تظهر أيضاً في هذا الاسم العظيم. ثم قال الله I مُبيناً الحكمة من إرسال الرسول ومن إنزال القرآن فقال (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ ﴿6﴾) وهذا فيه إشارة إلى أن النبي e قد بُعث على حين فترة من الرُسُل أليس كذلك؟ الرسول e بُعث على حين فترة من الرُسُل وانقطاع من الرُسُل بدلالة هذه الآية وبدلالة الحديث وقول الله تعالى هنا (مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ) وهذا فيه يعني مقتضى الإنصاف من الله I لهؤلاء فهو يقول أنهم لم يؤمنوا لأنهم كانوا في غفلة عن هذا الوحي وعن هذا الهدى، فهو إشارة لهم يعني إعتذار لهم بأن ما أنتم فيه من الكفر ومن الشرك ومن الضلال سببه أنه لم يأتكم رسول يبين لكم وفيه دعوة لهم إلى الإيمان وإلى الاستجابة  فقال (مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ) لكن لأن الله سبحانه وتعالى يعلم أن هناك من هؤلاء الكفار والمشركين من سوف يصرُّ على كفره وعلى تكذيبه ولا ينفع في هؤلاء دعوة رسول ولا رفق في دعوة لأن الله قد كتب عليهم الكفر فلا يؤمنوا من أمثال أبي لهب مثلاً وأبي جهل ونحوهم فقال الله I (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿7﴾) يعني حقّ عليهم القَدَر في الكتاب قبل أن يخلق الله السموات والأرض بأن هؤلاء لن يؤمنوا ولو جئتهم بكل آية. وفي هذا أولاً تسلية للنبي e لأن النبي e كان يهتم كثيراً ويحزن عليه الصلاة والسلام ويضيق صدره لتكذيب هؤلاء فالله I قال للنبي e (فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ (2) الأعراف) وقال (فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا ﴿6﴾ الكهف) ونهاه I عن الحزن وعن الأسى على أمثال هؤلاء المكذبين وقال (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ (48) الشورى) (وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿18﴾ العنكبوت) وهكذا فوظيفة النبي صلى الله عليه وسلم هي البلاغ المبين الواضح وأما استجابة هؤلاء أو عدم استجابتهم فليست من شأن النبي e وهي كذلك ليست من شأن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما عليك أن تبيّن وتوضّح الحق بدليله ثم لا عليك بعد ذلك استجاب الناس أو لم يستجيبوا. الله I يصف هؤلاء الذين كذّبوا النبي e فيقول (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿7﴾ يس) ولاحظوا أنه يقول على أكثرهم ولم يقل عليهم للإشارة إلى أن هناك من استجاب. وأيضاً في هذه الآية فائدة إلى أن المستجيبين دائماً أقل من المعرضين ولذلك قال الله (وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿103﴾ يوسف) ولذلك تجدون العالم اليوم كم عدد المسلمين فيهم؟ نسبتهم قليلة أليس كذلك؟ مقارنة وموازنة بنسبة غير المسلمين من النصارى واليهود والبوذيين وغيرهم، فتجد النصارى الآن بالمليارات تجد الهندوس كذلك ولكن المؤمنين نسبة قليلة، ثم الذين هم على المنهج الصحيح هم أقل في نسبة المسلمين أيضاً ليس كل من ينتسب إلى الإسلام هو على الصراط المستقيم الذي ذكره الله في هذه السورة وبالتالي في قوله I (لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ) في الأزل والقدر (عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). ثم وصفهم الله I قال (جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴿8﴾ يس) وهذه صورة يصور الله I بها المُعرِض المكذِّب بانه كأنه مغلول عن الاستجابة قد غلّ الله أيديهم هكذا ثم غلّها إلى أعناقهم هكذا فأصبحت رؤوسهم مرفوعة لأنها مغلولة أيديهم وهذا في اللغة هو الإقماح (فَهُم مُّقْمَحُونَ) أي مرفوعة رؤوسهم هذا هو الإقماح. فتخيّل مثل هذا مغلول عن الاستجابة كما يغل مثل هذا الشخص الذي تربط يديه إلى بعضهما ثم تربطان إلى عنقه فهو لا يستطيع أن يتصرف ولا يتحرك ولا يتحكم في يديه فكذلك هؤلاء الذين كفروا بالنبي e كأنه قد منعهم كفرهم والقدر الذي قدّره الله عليهم ومنعهم من الاستجابة فلن يستجيبوا للنبي e، فقال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ) والإقماح أن يرفع الإنسان رأسه إلى السماء هكذا هذا هو الإقماح.

(وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿9﴾ يس) أيضاً هنا تأكيد لهذا المعنى وهو أشبه ما يكون بضرب المثل كما يقول قتادة وغيره وهو أن الله I حال بين هؤلاء الكافرين المُعرِضين وبين الإيمان كما يحول السدّ بين الإنسان وبين الوصول إلى مراده فيقول (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) يعني من أمامهم سداً (وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) وكان ابن عباس يقرأها بالعين فيقول (فأعشيناهم) من العَشى (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ).

نعود إلى قوله سبحانه تعالى (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) هذا إشارة أيضاً أخرى إلى شدة تكذيب هؤلاء وإعراضهم وأنهم لا يهتدون إلى الحق فهي أيضاً تسلية للنبي e أن يخفف على نفسه عليه الصلاة والسلام من إعراض هؤلاء وتكذيبهم. ثم يقول الله I (وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿10﴾ يس) فيقول يا محمد يستوي في حال هؤلاء أن تدعوهم أو لا تدعوهم (إنما تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍۢ وَأَجْرٍۢ كَرِيمٍ ﴿11﴾ يس) يقول الله سبحانه وتعالى هؤلاء المعرضون يا محمد لا يستجيبون لك ولو أنذرتهم وأكثرت في إنذارهم وإنما يستجيب لك يا محمد من خشي الرحمن بالغيب ومن اتبع الذكر والمقصود بـ"ومن اتبع الذكر" أي من آمن بهذا الكتاب "وخشي الرحمن بالغيب "وهذه صفتان من صفات المؤمن الكثيرة طبعاً ولكن هاتان الصفتان ذكرهما الله وخصّهما هنا وهي من "اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب"  اتباع الذكر الإيمان بالقرآن الكريم وما جاء فيه والله I سماه ذكراً لأن الله I جعله ذكراً لنا نذكر الله به فهو من أعظم الأذكار قرآءة القرآن، والأمر الثاني أن الله جعله ذكراً حسناً للنبي e كما قال في سورة الزخرف (وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌۭ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ (44) الزخرف) فهي تحتمل هذا وتحتمل هذا المعنى. قال "من اتبع الذكر" آمن بالقرآن الكريم (وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ) وهذه الصفة من أخص صفات المؤمنين الصادقين وهي الإيمان بالغيب. نحن الآن أنت تسأل وتقول كيف أن الله I يقدِّر هذا؟ نحن نؤمن به ثقة وتصديقاً وإيماناً بما جاء به النبي e ونحن نؤمن بجهنم ونؤمن بالجنة ونؤمن بالأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام وهذا كله إيمان بالغيب. ونؤمن بمعجزة موسى أليس كذلك؟ العصا ونحن ما رأيناها لكنه تصديق لهذا القرآن وتصديق للنبي e وهذا كله من الغيب ولذلك جعله الله من علامات المؤمنين وأكثر من ذكره في القرآن الكريم صفةً للمؤمن الصادق ولذلك قال الله في سورة البقرة في أولها (المٓ ﴿1﴾ ذَ‌ٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿2﴾ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ) أول صفة الذين يؤمنون بالغيب لكن الذي لا يؤمن إلا بما يشاهد سوف يندم في الآخرة عندما يرى جهنم التي كان يتوعّد بها فيقال لهم (هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿63﴾ يس) أو (التي كنتم بها تكذبون) لكن ما عاد ينفع الإيمان. ولذلك لاحظوا حتى ستأتي معنا قصة الشمس كيف أن الشمس تغرب من مغربها وتشرق من مشرقها لكن سوف يأتي يوم تشرق من المغرب، طبعاً هذا منظر غير مألوف عندما يراها الناس يؤمنون لكن بعد فوات الأوان ولذلك هذه من علامات الساعة الكبرى ولذلك نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين بالغيب.

ثم يقول الله I (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) يعني الله I هو المتفرِّد بهذا وهو الخالق وهذا توحيد الربوبية نحن نؤمن بأن الله I هو الخالق الرازق المُحيي المميت أليس كذلك؟ توحيد الله I بأفعاله والمشركون من أهل الجاهلية كانوا يؤمنون ببعض هذه الأمور فيؤمنون بأن الله I هو الخالق (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ (25) لقمان) فهم يؤمنون بأنه الخالق لكنهم لا يرون أنه يستحق العبادة بمفرده فقط وإنما يشركون معه غيره وإذا قيل لهم في ذلك قالوا (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) لأننا نشاهدهم هذه الأصنام نشاهدها فنحن ننشط في عبادتها والسجود لها والنذر لها وهي تقرّبنا إلى الله، اُنظر إلى هذا الفهم المعكوس! والله I ليس بيننا وبين واسطة ولا حجاب حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام  ليسوا واسطة بين الله وبين خلقه ولذلك قال الله I قال في سورة البقرة (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى) ولم يقل "فقل لهم إني قريب" إنما قال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ) خاطبهم مباشرة (أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴿186﴾ البقرة) وهذا من المعاني العظيمة التي رسخها الإسلام في نفوس أتباعه أنه ليس بينك وبين أحد واسطة فإذا أردت أن تتوب فتُب إلى الله وتحج له وتذبح له وتنذر له لا تشرك معه غيره ومن أشرك مع الله I معه غيره تركه الله I وشِركه.

(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) هذا المعنى فيه بشارة أن الله I يكتب أعمالنا كلها ما عملناه من الخير فهو مرصود ولذلك (فمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًۭا يَرَهُۥ ﴿7﴾ الزلزلة) في صحيفته يوم القيامة (وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا ﴿49﴾ الكهف) فالله يقول هنا (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) يعني من الأعمال (وَآثَارَهُمْ) قال العلماء "وآثارهم" أي ما بقي بعد موتهم من أعمالهم التي كانوا هم سبباً فيها. يعني مثلاً واحد يعمل عملاً من أعمال الشرّ ويموت ولكن هذا العمل يستمر بعد موته كمن يدعم يعني القنوات الفضائية التي تفسد أديان الناس وأخلاقهم فإنه يبقى إثمها بعد موته ونحو ذلك من الأعمال التي تعتبر سيئة جارية يعني على وزن صدقة جارية. فالله U يقول (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ ﴿12﴾ يس) والإمام المبين هو الكتاب الذي يُكتب فيه عمل العبد كله يأتي يوم القيامة ووضع هذا الكتاب وهذا الكتاب هو الإمام المبين اسمه الإمام المبين لأنه كما قال تعالى في سورة أخرى (يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ (71) الإسراء) فبعض العلماء فسرها يعني ندعو كل واحد وكتابه معه (وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ(13) الإسراء) وهذا المقطع يمكن أن نستفيد منه فوائد نجملها لكم في أن فيه:

Ø   تقرير للنبوة (يس ﴿١﴾ وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣﴾) في إثبات نبوة النبي e ورسالته

Ø   وفيه بيان الحكمة من إرسال النبي e في قوله (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) وليست هذه الوظيفة الوحيدة  للنبي e لأنه بشير ونذير لكنه خص هنا النذارة لأن المخاطبين أحوج إلى النذارة منهم إلى البشارة وأيضاً

Ø   وفيها أن النبي e بُعث على فترة من الرسل كما تقدم معنا (مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)

Ø   ومنها أن الذنوب تقيّد صاحبها وتحول بينه وبين الأعمال الصالحة كما حالت الذنوب وحال الشرك بين هؤلاء وبين الإيمان كما الله في آية أخرى (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ (54) سبأ)

Ø   وفيها أيضاً بيان أن من سنّ سنة حسنة فله أجرها وكذلك من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها

Ø   ومن الفوائد أيضاً تقرير عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر وأن كل شيء في كتاب مكتوب وهو الذي عبر عنه الله في هذه الآية بالإمام.

(يتبع)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل