تدبر مع القرآن - صفات المؤمنين في مفتتح سورة البقرة

تدبر مع القرآن

د. محمد داوود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

صفات المؤمنين في مفتتح سورة البقرة

أول آية عجيبة وغريبة ومدهشة للحس اللغوي (الم). أولًا نطق هذه الحروف يختلف عن نطق بقية الحروف، حين أنطق اسمي (محمد) لا أقول: ميم، حاء، ميم، دال وإنما أقول (محمد) ننطق القيمة الصوتية للحرف لكن هنا لا ننطلق القيمة الصوتية للحرف وإنما ننطق اسم الحرف (ألف، لام، ميم) ولندرك الفرق نقرأ سورة الشرح في آخر المصحف قول الله عز وجلّ (ألم نشرح لك صدرك) هناك (ألم) نطقنا القيمة الصوتية للحرف وهنا نطقنا اسم الحرف (الم). هذا يعود بنا إلى براعة السلف، وإلى الحسّ اللغوي المرهف عند السلف بقيمة الحرف في القرآن، تحدثوا عن قيم أربعة للحرف في القرآن الكريم وهذا من حسهم اللغوي المرهف رحمهم الله. قالوا هنالك قيمة صوتية للحرف مثل (ألم نشرح لك صدرك) (قل هو الله أحد) (قُ) هذه هي القيمة الصوتية للحرف تكون مع حركة.

وهنالك اسم الحرف مثل أوائل السور التي تنطق الحروف بأسمائها وليس بقيمتها الصوتية مثل (الف لام ميم).

وهنالك رسم الحرف، ثم رسم الحرف يفيد لأن الرسم القرآني متميز ويختلف عن الرسم الإملائي العادي، مثلًا في الرسم الإملائي العادي نعلم الطلبة نوعين من الهمزة عندنا همزة وصل وهمزة قطع لكن في القرآن عندنا ننظر في رسم القرآن ثلاثة أنواع: اغفر (همزة وصل)، ءامنوا (الهمزة على السطر وبعدها ألف وهذه تسمى همزة بدل) وأتى (همزة قطع فوق الحرف) لذلك رسم الحرف مهم وهو ركنٌ من أركان قرآءة القرآن الكريم لذلك اهتم السلف بالحرف الواحد بصوت الحرف وصوت الحرف علم كبير، المخرج هل هو مفخم، مرقق، إلى آخر أحكام التلاوة التي نتلقاها من شيوخنا الأكارم الذين يعلمون تلاوة القرآن الكريم. ثم رسم الحرف هذا له علم اسمه علم الرسم رسم الحرف في القرآن الكريم واسم الحرف لأن في القرآن حروف في بداية السور تنطق بأسمائها اسم الحرف.

القيمة الرابعة ضبط الحرف لأن ضبط الحرف قيمة مهمة داخل القرآن الكريم. مثال: آخر سورة الفتح (محمدٌ رَّسول الله) نجد التشكيل كيف يكون (محمدٌ رَّسول الله) الراء في كلمة رسول عليها شدّة وفتحة وهو أول حرف في الكلمة لأن ضبط الحرف متصل بالقيمة الصوتية للنطق في الآيات وهذا يتفرد به الضبط في القرآن عن الضبط في خارج القرآن. من هنا نجد أن الحرف يمكن أن يكون عليه شدّة وحركة لأنه يمثّل غُنّة يمثل إدغام أو اي قيمة من القيم الصوتية التي يمثلها هذا السياق.

هكذا تعامل السلف مع الحرف في القرآن بقيم أربعة:

أول قيمة هي صوت الحرف (أ، ب، ت...)

ثم اسم الحرف (ألف، باء،...)

ثم رسم الحرف (أتى، ءامنوا، اغفر)

ثم ضبط الحرف (محمدٌ رَّسول الله) رسم متميز عن كتاباتنا العادية.

(الم) العرب لم تكن تعهد هذه البدايات وأقل وحدة عند العرب هي الكلمة سواء كانت حرف جر حورف معاني أو كلمة عادية مثل كتب وقرأ لكن لا يبدأون بالحروف هكذا فكانت هذه لفت انتباه وإثارة للذهن بقيمة صوتية مختلفة ونطق مختلف لم يعهده العرب، هذا اجتهاد قاله العلماء لكن معناه على التحديد والله أجلّ وأعلم.

(الم) علم الإحصاء يقدّر أن الحروف التي تبدأ بها سورة من هذه السور تكون أكثر الحروف دورانًا في هذه السورة وفي آيات السورة. وما زال العلم يقدم بيانًا لفضاءات من المعنى وما يخص هذه البدايات اللافتة للانتباه.

(ذلك الكتاب) المقصود به القرآن الكريم. لا ريب أي لا شك لكن الريب شكٌ فيه خوف لأنه إذا نفى الأكثر فالأقل منفي بالتبعية. (هدى للمتقين) الكتاب كله هدى للمتقين لكن القرآن في سورة البقرة ورد أنه هدى للناس وهنا يقول هدى للمتقين؟ هدى للناس من حيث امكانية وما ادخره الله في القرآن كفيل بأن يهدي الناس جميعا لكن الذي ينتفع بهذه الهداية الذي يأخذ بأسبابها فهو المنتفع بها. إذن هدى للناس بيان لما ادّخره الله في القرآن من إمكانية هداية الناس جميعا وهدى للمتقين أ أن الذي ينتفع بهذه الهداية هو المستجيب لهدي القرآن الكريم. وهذا المعنى يفسره الآيات التي بعد ذلك لأنها بمثابة جمل شارحة، جمل مفسرة مبينة، من هم المتقون؟ من هم الذين يستفيدون ويحصّلون هذه الهداية من القرآن؟ من المؤهلون ليفدو بهذا الهدى؟ يقول ربنا (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَالصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنْفِقُونَ ﴿٣﴾) والله سبحانه وتعالى هنا نوّع بين العبادات التي هم عليها فبيّن عبادات قلبية عقلية يؤمنون بالغيب وعبادات بدنية الصلاة وعبادات مالية ومما رزقناهم ينفقون وهذا من حسن التصنيف والبيان وقدّم ما هو أساس وهو الجانب الذي يكون في العقل والقلب هو الأساس وهو الإيمان الذين يكون في القلب هو البوابة العظيمة لفلاح الإنسان كي يتعبد على إيمان ويقين واقتناع فقال بعد ذلك (ويقيمون الصلاة) والعبادة تثمر هذا التواصل الاجتماعي مع الناس (ومما رزقناهم ينفقون)

يؤمنون بما أنزل إليك أي القرآن الكريم وما أنزل من قبلك على الرسل السابقين والأنبياء فهم دينهم واحد العقيدة عبادة لا إله إلا الله واحدة والذين يختلف هو الشعائر. (وبالآخرة هم يؤقنون) لما جاء عند ذكر الآخرة لم يعبر بالإيمان وإنما عبّر بما هو أعلى من الإيمان ألا وهو اليقين.

(أولئك على هدى من ربهم) هدى من ربهم هنا تبين (على) تفي التمكين تبين أن الذين حازوا هذه الهداية هم الذين استجابوا لهدي الله في الإيمان والعبادة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنفقة والإيمان بالملائكة والإيمان بما أنزل على النبي وما أنزل من قبله وبالآخرة هم يوقنون هم في هذا الرحاب الرباني النوراني المبارك على هدى من ربهم يعني على بصيرة، على رشد على بينة من الله سبحانه وتعالى وأولئك هم المفلحون ولم يستعمل القرآن كلمة من الكلمات الشائعة عندنا مثل النجاح لأن الفلاح نجحات متعددة، النجاح يكون في شيء والفلاح أسبابه بينها الله في هذه الآيات.

الله سبحانه وتعالى يبين أهل الإيمان في أربع آيات يبين أوصاف أهل الإيمان. اللهم حققنا بحقائق الإيمان.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل