دورة الأمثال في القرآن الكريم -سورة البقرة الآية 261 و 264- د. عبدالرحمن الشهري

دورة الأمثال في القرآن الكريم

أمثال سورة البقرة - الآية 261 و264

د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري 

 تفريغ مدونة في رحاب التنزيل


المثل الذي يليه أيها الإخوة في سورة البقرة وهو في اﻵية (٢٦١ ) ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه اﻵيات فضل اﻹنفاق في سبيل الله واﻵيات التي في سورة البقرة -أيها الإخوة- هي أكثر اﻵيات التي وردت في فضل اﻹنفاق في سبيل الله، فحثّ على اﻹنفاق مباشرة وضرب اﻷمثال بأكثر من مثل.

 فقال الله سبحانه وتعالى في أول هذه اﻷمثال (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) فيضرب المثل للمُنفق في سبيل الله سبحانه وتعالى صادقا خالصا لوجه الله تعالى بأن نفقته مثلها كمثل حبة زُرعت في اﻷرض قال (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) حبة واحدة أنبتت سبع سنابل، ولاحظوا أن هذا المثل -كما ذكر ابن عاشور- حبة واحدة وتحولت إلى سبع سنابل دون أي جهود أو تدخلات خارجية وإنما بركة من الله سبحانه وتعالى.

 قال (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) والسنبلة هي: سنبلة البر أو الشعير -وكلكم تعرفونها- ولاحظوا أن هذا المثل الذي ضربه الله يعرفه جميع الناس (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ) [سورة النور:٣٥] اﻷمثال التي يضربها لنا الله في القرآن كلنا نعرفها بسيطة وسهلة، لا يضرب الله لنا أمثالا معقدة لا يُدركها إلا المتخصصون النادرون وإنما يضرب أمثال يدركها عامة الناس ﻷن هذا القرآن كتاب هداية للناس جميعا والناس كلهم مُخاطبون به ولم يُخصص الله سبحانه وتعالى بخطابه في القرآن طبقة دون طبقة وإنما للناس جميعا، فضرب الله المثل بهذه الحبّة التي يعرفها الناس، والمجتمع في المدينة النبوية -والنبي نزلت عليه هذه اﻵيات في المدينة المنورة- فالمجتمع في المدينة المنورة مجتمع زراعي واﻷنصار أهل زراعة وهذه -بالمناسبة- مهمة جدا لمن يريد يدرس تفسير القرآن الكريم وهو معرفة عادات العرب في الوقت الذي نزل فيه القرآن الكريم عندما نزل القرآن الكريم على النبي مكة ومكة ليسوا أهل زراعة ﻷنه ليس عندهم مصادر الري ولا مياه إنما كانوا أ هل تجارة بل سُمّيت قريش قريشا لذلك، لكن عندما انتقل النبي إلى المدينة هناك إضافات كثيرة في الخطاب القرآني تتناسب مع البيئة الجديدة التي كان يعيش فيها النبي منها هذه فضرب الله مثلا بالحبة وبالزرع وبالنخيل -وسوف تأتي معنا- ﻷنهم كانوا أهل زرع وأهل نخيلفهذا المثل المضروب يدركه كل أحد، هذه الحبة التي تُوضع في اﻷرض فتُخرج سبع سنابل كل سنبلة فيها مئة حبة يعني سبعمائة ضعف، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يحث المؤمنين على اﻹنفاق فيبين لهم فضل النفقة ويقول لهم أن أحدكم قد يُنفق الدرهم فيُضاعفه له الله سبحانه وتعالى أضعافا كثيرة، واﻹنسان -أيها الإخوة- يطمع دائما في الربح والناس ما يتاجرون دائما إلا من أجل الربح ولولا الربح ما تاجر الناس، فهذا المثال يُغري بالمتاجرة ولذلك لما فهِم الصحابة الكرام هذا المعنى تاجروا مع الله، بل إن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم حث على اﻹنفاق في سبيله بأكثر من طريق فقال (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) اﻵن لو يأتيك الملك ويستقرض منك مبلغ لو ما كان عندك المبلغ تبحث عنه حتى تُسلِّف الملك ﻷنك تعلم أن قضاؤه سيكون أكثر مما أخذ وإن لم يكن ماديا فهو معنويا فكيف الله سبحانه وتعالى بنفسه يستقرضنا ويقول  (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ) والله سبحانه وتعالى غني عنا وعن قرضنا ولكنه من باب التحضيض والتشجيع، فهنا يقول لك سوف أعطيك على الدرهم الواحد سبعمائة درهم ربح، وهذا لا يعطيه أحد من البشر ولذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لما جاءته قافلة -كما يذكر في كتب السيرة- وكان في زمن مجاعة، فلما جاءت قافلته تسابق التجار عليها وأعطوا عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أضعاف ويشترونها منه قال: هناك من أعطاني أكثر من ذلك، قالوا: أربعة أضعاف. . خمسة أضعاف. . عشرة أضعاف، قالوا: يا ابن عوف نحن تجار المدينة من أعطاك أكثر من هذا؟ قال: الله، الله أعطاني سبعمائة ضعف، وفرَّقها على فقراء المدينة.  هذا تطبيق عملي -أيها الإخوة- لمثل هذه اﻵيات كانوا يصنعونه رضي الله عنهم، ولذلك أبو طلحة اﻷنصاري رضي الله عنه لما نزل قول الله تعالى -وهذا أيها الإخوة حتى نخرج من رتابة التفسير- نحن لما نشرح التفسير وإلا الحديث ترى في النهاية المقصود هو العمل والاستجابة، ومهما بالغنا في التفصيلات والتشقيقات فهذا هدفه علمي بحت لكن الثمرة الحقيقية هي العمل والاستجابة فإذا وُفق اﻹنسان للاستجابة فقد تحقق المقصود. فأبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه نزل قول الله تعالى (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) واضحة اﻵية لا تحتاج إلى تفسير أليس كذلك؟ أنه لا يمكن أبدا أن تنالوا البر بمعنى اﻷجر العظيم الواسع الغير محدود ﻷن البِر هو:اﻷجر العظيم الواسع الغير محدود، مثل البر اﻵن نقول البَر المكان المفتوح الواسع فكذلك البر (حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) أنه لا يمكن أن تنال هذه المنازل العظيمة حتى تُنفق من أحب اﻷموال لديك، هذا اختبار وليس كما أفعل أنا وأمثالي اليوم عندما يتصدق الواحد منا فيستخرج النقود من جيبه ويبحث، يُعرض عن الخمسمائة وعن المئتين وعن المائة وعن الخمسين وعن العشرة وعن الخمسة ويبحث عن الريالات ثم يسأل الله الفردوس الأعلى من الجنة، الله سبحانه وتعالى يقول (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).

فأبو طلحة اﻷنصاري رضي الله عنه فهِم هذه اﻵية مباشرة وكان عنده مزرعة مُقابل مسجد النبي مباشرة -أظنها اليوم تُمثِّل جزء كبير من المسجد النبوي- قال فيها ستمائة نخلة وكانت من أجمل المزارع في المدينة وكان النبي ربما توضأ فيها أحيانا وصلى وربما أكل منها، فجاء إلى النبي قال: يارسول الله لقد نزلت (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وإن أحب مالي إلي بيروحاء -هذه المزرعة اسمها بيروحاء- وإني قد جعلتها يا رسول الله في سبيل الله فضعها يا رسول الله حيث شئت.

 - تطبيق عملي فعلا- فتصدّق بها رضي الله عنه فلما مات قال النبي هنيئا ﻷبي الدحداح أو كلمة نحوها (رب عذق رحراح في الجنة ﻷبي الدحداح).

فالفكرة هنا في مثل هذه اﻵية في قوله سبحانه وتعالى  (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ) هل اكتفى بذلك؟ لا، قال (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) هذا الوعد يُشجع البخيل أن يجود في سبيل الله، لذلك كان الصحابة يتسابقون رضوان الله عليهم -على قلة أيديهم- ويجودون ببن يدي النبي ويتصدقون. وينبغي أن نكون كذلك جميعا -أيها الإخوة- فإن فرص اﻹنفاق كثيرة، الدرهم الذي تنفقه فأنت تحتفظ به أما الدرهم الذي تمسكه في رصيدك فهو الذي تفقده. وتعرفون قصة عائشة رضي الله عنها قال النبي : ما بقي منها؟ فقالت عائشة: ذهبت كلّها وبقي كتفها. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: بل بقيت كلّها إلا كتفها. فالذي أنفقناه وتصدقنا به هو الذي يبقى.

وقد ذكر ابن عاشور -رحمه الله- كلمة جميلة في تفسيره لهذه اﻵية، طبعا المفسرون يقولون هل يوجد حبة تُخرِج سبع سنابل وكل سنبلة تُخرج مئة حبة؟ فبينهم خلاف في هذا يعني هل هناك فعلا حبة يخرج منها مثل هذا؟ وبعض المزارعين ممن رأيتهم في كتب الزراعة وكذا يذكرون هذا ويذكرون أكثر منه ويقولون أن الحبة أحيانا  تُخرج أكثر من سبع سنابل فبركة الله سبحانه وتعالى لا حدود لها، وإن لم يكن هذا فهو مثال مضروب ضربه الله سبحانه وتعالى فهو يتحقق للمُنفق في سبيل الله سواء تحقق هذا في واقع الناس أو لم يتحقق.

يقول ابن عاشور -رحمه الله- "هذه اﻵية عودا على التحريض على اﻹنفاق في سبيل الله فالله سبحانه وتعالى قد قال في السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) هذا تحذير ودعوة أنك أنفق اﻵن قبل أن تُسحب اﻷوراق ﻷن اﻹنسان إذا خرجت روحه انتهى وقت العمل ويأتي يوم القيامة فينظر إلى هذه اﻷجور العظيمة التي لو كان فعلها لكانت ارتفعت به في درجات الجنان، زادت من موازينه فيندم ندما عظيما فلذلك قيل أن كل الناس يوم القيامة يندمون المؤمن والكافر" فالمؤمن يندم أنه لم يكن استزاد من العمل الصالح، والكافر يندم على أنه لم يستجب ﻷمر الله سبحانه وتعالى. قال: "فاﻵية تثير في نفوس السامعين الاستشراف لما يلقاه المُنفِق في سبيل الله يومئذ بعد أن أعقبها سبحانه وتعالى بدلائل ومواعظ وعِبر وقد تهيأت النفوس لاستقبال هذا المثل ". وهذه اﻵية دليل عظيم على فضل اﻹنفاق في سبيل الله وصريحة في هذا ولذلك ينبغي على المسلم العاقل ألاّ يحرم نفسه من هذا ولو بالقليل.

/ ومن فوائد اﻵية: أن جزاء المُنفِق في سبيل الله عليه وحده، أن الله سبحانه وتعالى قد تكفّل بمُجازاة المُنفِق في سبيل الله فإنه قال (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ) ولذلك ذكر النبي في الحديث القدسي أن الله سبحانه وتعالى يقول في الصيام قال (كل عمل ابن آدم له إلا الصِيام فإنه لي وأنا أجزي به ) فمعنى الحديث (فإنه لي وأنا أجزي به) أنه لا حدّ لجزاء لهؤلاء الصائمين بمعنى أن الله في بعض اﻷعمال قد حدد الحسنة بعشر أمثالها قال (إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) ولاشك أيها الإخوة أن هذا كاف للمسارعة للإنفاق في سبيل الله.

المثل الذي يليه مرتبط به، مرتبط بمسألة اﻹنفاق في سبيل الله سبحانه وتعالى

 يقول الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) هذا النداء نداء عظيم بوصف اﻹيمان وهذا الوصف هو أعزّ اﻷوصاف التي يفتخر اﻹنسان المُسلم بأنه يتصف به، وهو عندما ينادي سبحانه يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) كأنه يُحرِّضنا على الاستجابة، بمعنى يا من ادّعيت أنك مؤمن، يا من تزعم أنك مؤمن افعل كذا وكذا وهذا يُسمّونه الحثّ وفيه شيء من الاستفزاز للعمل كما يقول أحدنا للرجل عندما يريد أن ينازل رجلا أو يُضارِب رجلا فيقول له إذا كنت رجلا فافعل كذا وكذا، يعني يستفزه إن كنت تقول أنك رجل افعل كذا وكذا،  فالله يقول هنا إن كنتم صادقين في إيمانكم فافعلوا كذا وكذا وهذا أسلوب في غاية البلاغة.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰذكر الله سبحانه وتعالى هنا اﻹنفاق في سبيل الله -اﻵية التي قبلها- والآية السابقة عندما يُنفق اﻹنسان في سبيل الله يعني افرض أنك -على سبيل المثال- تصدقت على جيش فأنفقت مئة ألف أو مئة مليون لهذا الجيش، هذه نفقة عامة لا تستطيع أن تمتنّ بها على أفراد فتقول ﻷحدهم أنا والله دفعت وأنا الذي فعلت وأنا الذي دفعت لكم وأنتم لا تساوون شيئا من دوني، لا، هذا نفقة عامة لكن في النفقة الخاصة يمكن المن واﻷذى فجاء في اﻵية التي معنا اﻵن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰوهذا نهي لكل مؤمن ألاّ يتصدّق ثم يمُنّ على المُتصدَق عليه -الفقير- إذا رأى مثلا الفقير في حالة حسنة أو رأه قد استغنى فيقول له أنت شايف نفسك اﻵن وأنا المُتصدِق عليك باﻷمس وأنا من أعطيتك ... الخ أليس كذلك؟ هذه مِنّة تُبطِل العمل وتُفسِده وتُحبِطه كأنك لم تفعل شيئا، نعم إبطال له (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ) المَنّ هو: المَنّ بالكلام،  قالوا واﻷذى هو: اﻷذى بالفعل، وأعجبتني كلمة هنا للزمخشري يقول في كتابه [الكلِمُ النوابغ] يقول :

طعم اﻵﻵء أحلى من المَنِّ ** وهو أمرُ من اﻵﻵء عند المَنِّ

الآلآء يعني النِعم، والمَنّ هنا هو: العسل، الذي ذكره الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل ( وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) قالوا المَنّ هو طعام يشبه العسل يأتي إليهم دون تعب. فيقول: طعم الآلآء أحلى من المنّ، اﻹنسان إذا أسدى إليك معروفا فإنه أحلى من العسل

قال : وهو أمرُّ من اﻵﻵء عند المنِّ

واﻵﻵء الثانية قالوا هو شجر مُرّ الورق اسمه آﻵء، ولا أدري هل مفردته اﻷُلُوّة التي ذكرها النبي في الحديث أو لا.

 قال: وهو أمرُّ من اﻵﻵء عند المَنِّ ، يعني عند المنِّ به وذِكره والتنغيص عليه بالمن به.

/ ثم ضرب الله سبحانه وتعالى مثلا بمن يُنفق ماله في سبيل الله ولكنه ليس لوجه الله وإنما رياء، سمعة، وهذه تصِح في المنافقين وفيمن فعل بفعلهم. والنيات -أيها الإخوة- أمرها إلى الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أحد أن يأتي يطعن في نيات اﻵخرين أبدا ولا ينبغي وإنما هذه النيات أمرها إلى الله سبحانه وتعالى فهو الوحيد الذي يعلم مافي الصدور. فالله سبحانه وتعالى يقول هنا (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) هذا الذي يُنفِق ثم يمُنّ على اﻵخرين بعطيته فيُفسِدها مثله قال (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) انظروا اﻵن هذا مثل مُركب، يُمثِّل الذي يُنفِق من المسلمين ثم يمُنّ بعطيته أو يؤذي الفقير بأنه مثل المنافق الذي ينفق في سبيل الله رياء وسمعة، تجد أنه هذا المنافق لا ينفق إلا إذا كان أمام الكاميرات وأمام وسائل الإعلام وأمام الوجهاء فيتبرع ليس لوجه الله وإنما رياء وسمعة، فهذا أيضا صدقته باطلة ونفقته مردودة ﻷن الله سبحانه وتعالى قال في الحديث القدسي (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري؛ تركته وشركه) .

/ ثم ضرب الله سبحانه وتعالى هذا ونظّره بمثَل معروف محسوس، قبل قليل تكلم عن السنبلة والحبة وهذه معروفة، في مثل آخر أيضا معروف لنا جميعا قال  (كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا) انظروا اﻵن إذا هطل المطر -اﻷسبوع هذا باﻷمس وقبله كان فيه مطر ولاحظتم كان فيه غبار- الصفوان هو: الصفا الملساء -الحجر اﻷملس- صفوان، والصفوان مُفرد وجمعها صُفيّ ونحن في اللهجة العامية نقول صوفيان. وبعض العلماء يقول هي جمع ومفردها صفا، فهذه الصفا الملساء يأتي عليها الغبار والتراب حتى أنك عندما تنظر إليها تظن أنها تراب وليست صفا ملساء فإذا نزل عليها المطر الغزير غسل هذه الطبقة الرقيقة من التراب فأصبحت ملساء نظيفة صلدا -حجر أملس- هذه القشرة الرقيقة من التراب الذي كانت على الصفا هو مثَل العمل الظاهري للمنافق لكن عندما ينزل عليه المطر بقوة فيُمحِّص الحقيقة فإذا بها ليست تراب وإذا بها صفا صلداء فإن في اﻵخرة يُبطِل الله سبحانه وتعالى نفقة هؤلاء المنافقين الكذابين المرائين كما يفعل الماء بهذا التراب الرقيق كما قال أيضا في آية أخرى (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ)  يعني هم عندهم أعمال صالحة يُنفِقون ويتصدقون ﻷن اﻵن المرائي والمنافق عندما يتصدق يتبرع -مثلا- بمليون دينار أو مليون دولار لمشروع من المشروعات، هذا ينتفع به هؤلاء أصحاب المشروع لكنه لا ينتفع به هو ﻷنه لا ينفق لوجه الله سبحانه وتعالى ولذلك بعض الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتساءلون عن أعمال هؤلاء المنافقين أو حتى أعمال الكفار الصالحة كيف يُجازون عليها في اﻵخرة؟ ولذلك لما سألوا عن عبدالله بن جدعان، عبدالله بن جدعان كان من أكرم قريش قبل نبوة النبي ، كان يُضرب به المثل في الكرم حتى ذكر بعض علماء التاريخ أنه كان أكرم من حاتم الطائي فسُئل النبي قالوا يا رسول الله عبدالله بن جدعان كان يحب مكارم الأخلاق -كان كريما- فهل ينفعه ذلك عند الله؟ قال: (إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين).

انظروا -سبحان الله العظيم- المسألة هي مسألة عقيدة وكلمة ولذلك أبو طالب كان مُحبا للنبي ويدعمه دعم قوي ولكنه لم يُسلم فهو من أهل النار، وأيضا حاتم الطائي عندما جاء الأسرى من طيء فكانت فيهم سفّانة بنت حاتم الطائي وكانت مع اﻷسيرات فلما مرّ النبي قالت أريد أن أكلم رسول الله، فقالت: يا رسول الله أنا سفّانة بنت حاتم الطائي، فقال النبي  أطلقوها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق وأطلق بإطلاقها أسرى طيء كلهم لكنه عليه الصلاة والسلام قال كلمة أخرى قال: أطلقوها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق وقال: لو كان أباك مُسلما لترحمنا عليه.

أرأيتم، فكذلك هذه اﻷعمال التي يعملها المنافق لا تنفعه عند الله كما يصنع هذا المطر وهذا الوابل الشديد بالتراب على هذه الصفا. فمعنى اﻵية (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ) 

والوابل هو: المطر الشديد (فَتَرَكَهُ صَلْدًا) يعني أملسا لا تراب عليه (لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا) يعني يوم القيامة يأتون ويرون أعمالهم قد أُحبطت لا يقدرون على شيء منها أن ينتفعوا به. ولاشك أن هذا جزاء لهم من جنس عملهم ﻷنهم كانوا في الدنيا يتظاهرون باﻹيمان ويُبطنون الكفر ويظنون أنهم بذلك يضحكون على النبي وعلى المؤمنين، فالله سبحانه وتعالى استهزاء بهم فأراهم أعمالهم يوم القيامة ثم أبطلها ولذلك قال النبي -والعياذ بالله- (يأتي أناس يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة بيضاء يجعلها الله هباء منثورا) قالوا : لماذا يا رسول الله؟ قال: (إنهم كانوا إذا خلو بمحارم الله انتهكوها ) (١) -والعياذ بالله- وهذا المثل لاشك أنه في غاية التحذير من المنّ واﻷذى من المُنفق، إذا أنفقت شيئا فأمسك لسانك وأمسك يدك -خلاص انسى الموضوع تماما- لماذا؟ ﻷن الفضل ليس لك، الفضل أولا وأخيرا لله سبحانه وتعالى ولذلك قال الله في مواضع في القرآن الكريم في مدح المؤمنين المُنفقين (ومما رزقناهم ينفقون ) (وانفقوا مما رزقناهم ) فأنت مجرد مُستأمن على هذا المال، المال مال الله والحقّ الذي الذي وجب فيه هو حق الله والفقير مُستحِق فأنت عندما تمُنّ أو تؤذي فأنت قد ارتكبت إثما عظيما، وهذا ابتلاء للطرفين، المال هو ابتلاء للغني وابتلاء للفقير والموعد عند الله سبحانه وتعالى ولذلك تذكرون الحديث العجيب الذي ذكره النبي عن ثلاثة من بني إسرائيل كان أحدهم أعمى والثاني كان أبرص والثالث كان أجذم فشفاهم الله سبحانه وتعالى الثلاثة -في القصة المعروفة- فلما جاء الملَك في هيئة فقير إليهم لم ينجح منهم إلا واحد -صاحب الغنم- جاءه الفقير وقال أنا منقطع وكذا فقال: انظر هذا الغنم كنت فقيرا وكنت مريضا -نسيت هل كان مجذوما أو أبرصا أو أعمى فمنّ الله علي بهذا المال وشفاني وأعطاني فخذ ما شئت ودع ما شئت. فقال: امسك عليك مالك بارك الله لك في مالك فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك) فهذا الابتلاء أيها الإخوة، هذا المال والراتب الذي تأخذه هذه كلها ابتلاء (من أين اكتسبه وفيم أنفقه ) ولذلك قال النبي (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) سؤالان منها عن المال (من أين اكتسبه وفيم أنفقه ) وهذه مسؤولية عظيمة أيها اﻹخوة ينبغي للإنسان أن يُحاسب نفسه ولا يفرح بكثرة المال الذي يجري في يديه فإنه ابتلاء سوف يُسأل عنه.

 / ومن فوائد هذا المثل: مراعاة اﻹسلام لنفس الفقير فإنه كما أمرك بأن تتصدق وتُعطي نهاك أن تجرح كرامة هذا المسلم بكلمة أو بعبارة أو بحركة أو بإشارة ﻷن الفقر ليس عيبا وقد يغتني الفقير وإنما هي كلها مدرسة، ابتلاء يختبرنا الله سبحانه وتعالى.

/ ومن فوائد هذه اﻵية: أن الذي يمُنّ بصدقته فإنما ذلك لضعف إيمانه، لضعف اﻹيمان في النفوس تظهر مثل هذه الأخلاقيات.

--------------------------------------------

(١) جاء في مسند أحمد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ َلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا )  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل