دورة الأمثال في القرآن الكريم -سورة البقرة الآية 171- د. عبدالرحمن الشهري

 الأمثال في القرآن

أمثال سورة البقرة - الآية 171

د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري 

تفريغ مدونة في رحاب التنزيل

 المثل الذي بعده: في اﻵية رقم (١٧1) في سورة البقرة وهي في سياق الحديث عن المنافقين -كما يذكر كثير من المفسرين وبعضهم يذكر عن الكفار ولكنه يقصد بالكفار المنافقين.

يقول الله سبحانه وتعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [سورة البقرة ١٧٠ - ١٧١].

هذا مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لهؤلاء المكذبين الكفار. يقول اﻹمام الطبري -رحمه الله- في تفسيره لهذه اﻵية قال: "اختلف أهل التأويل في ذلك فقال بعضهم: معنى ذلك مثلُ الكافر في قِلة فهمه عن الله ما يُتلى عليه في كتابه وسوء قبولِه لما يُدعى إليه من توحيد الله ويُوعظ به مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها ولا تعقِل ما يُقال لها".

وعن عكرمة مولى ابن عباس -وهو من أئمة التفسير من التابعين قال: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً) قال: مثل البعير أو مثل الحمار تدعوه فيسمع الصوت ولا يفقه ما تقول.

وعن ابن عباس : (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ) قال: هو كمثل الشاة ونحو ذلك.

تلاحظون أنهم ذكروا الشاة وذكروا الحمار وذكروا البعير وكلها من الحيوانات التي لا تعقِل.

فاﻵية تقول كأن الله سبحانه وتعالى يقول: ومثل الذين كفروا في عدم فهمهم لما جئت به من الوحي يا محمد وعدم استجابتهم لك كمثل الراعي الذي ينعِق، و (ينعِق ) معناها يصيح..ينادي، (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ) يُنادي بما لا يمكن هو أن يسمعه ويفهم ما يعقِل عنه، ينادي البعير صحيح، ينادي الحمار صحيح، ينادي الشاة صحيح، فشبّه هؤلاء الكفار المعرضين بهذه البهائم ووجه الشبه هو: عدم الفهم. هذه الغنم والحيوانات لا تفهم ما يقول اﻹنسان فكذلك الكفار، إذا نادى الكفار لا يعقلون ولا يستجيبون لما جئت به يا محمد عليه الصلاة والسلام  ما جئت به من الخير.

 وهذا تشبيه في غاية القبح لهؤلاء الذين أعرضوا عن دعوة النبي ولذلك يقول ابن عطية قال: "وقوله تعالى (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) اﻵية قال: المراد تشبيه واعِظ الكافرين وداعيهم والكافرين الموعوظين بالراعي الذي ينعِق بالغنم أو اﻹبل لا تسمع إلا دعاءه ونداءه ولا تفقَه ما يقول" هكذا فسّر ابن عباس وقد مرّ معنا.

وتشبيه الكافرين بهذه الحيوانات التي لا تفهم كثير في القرآن الكريم وفي السنة النبوية.

وقد ذكر الطاهر بن عاشور -رحمه الله- مناسبة هذا المثل للسياق الذي الذي وردت فيه فقال: "لما ذكر الله سبحانه وتعالى تلقي هؤلاء الكفار لدعوة النبي باﻹعراض وعدم المبالاة في قوله سبحانه وتعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) [سورة البقرة ١٧٠] كيف إذا كان هؤلاء اﻵباء لا يعقِلون هذا الوحي الذي جئتكم به وقد يُعذرون فما بالكم أنتم وقد جاءكم الهدى وجاءكم الوحي وجاءكم الحق وجاءتكم الدلائل والحُجج والبينات!!

وهذا القرآن هو حجة الله الكبرى العظمى هو الآية العظمى، المعجزة الكبرى للنبي هو هذا القرآن ولذلك النبي رجا أن يكون هو عليه الصلاة والسلام أكثر اﻷنبياء أتباعا يوم القيامة لماذا؟ ﻷنه عليه الصلاة والسلام يملِك معجزة عقلية متجددة بخلاف اﻷنبياء الذين سبقوه -عليهم الصلاة والسلام- فقد كانوا يأتون بمعجزات حسية ينتهي مفعولها بانتهاء وقتها، فلما جاء موسى -عليه الصلاة والسلام- بالعصا وهي آية عظيمة والبعض يظن أن عصا موسى عصا ظهرت فقط في موقف السحرة مع فرعون في حين أنها تعددت استعمالات تلك العصا في مواقف كثيرة فقد كان أولا يُلقيها فإذا هي حية تسعى، فلما جاء السحرة وألقوا حبالهم ألقاها موسى عليه الصلاة والسلام فإذا هي تلقف ما يأفكون، فكان أول من استجاب وعرف حقيقة هذه العصا هم السحرة ﻷنهم محترفون في السحر ويعرفون الفرق بين السحر وبين الحقيقة فلما رأوا ما تصنع هذه العصا أو ما تصنع هذه الحية قال الله سبحانه وتعالى (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) [سورة الشعراء ٤٦] يعني كأنهم لم يتمالكوا أنفسهم من قوة الحُجّة إلا أن ألقوا بأنفسهم ساجدين مذعنين لله سبحانه وتعالى.

الموقف الثاني: لما أراد بنو إسرائيل أن يشربوا في التيه (وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) [سورة البقرة ٦٠] .

أيضا عندما وصل موسى البحر وفرعون وراءه ضرب البحر بالعصا (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) [سورة الشعراء: ٦٣] فهي آية عظيمة لكن أين هي عصا موسى اليوم؟ أحد منكم رأى عصا موسى أو صورة عصا موسى؟ لا أحد منا رأى عصا موسى ولا هي موجودة حتى في المتاحف بالرغم من أنها احتفظت -المتاحف- بأشياء أقل منها قيمة -جثث الفراعنة وتماثيل من أيام اﻹغريق وغيرها- لكن عصا موسى غير موجودة مع أنها آية عظيمة.

وكذلك عيسى عليه الصلاة والسلام كان يُحيي الموتى بإذن الله وكان يُبرئ اﻷكمه واﻷبرص لكن كل هذه المعجزات الحسية تقوم الحُجّة بها بالدرجة الأولى على الذين حضروا الموقف فقط، ونحن نؤمن بمعجزة موسى عليه السلام تصديقا لكتاب الله ولخبر النبي وإلا نحن ما شاهدناها ولا رأيناها، بينما مُعجزة النبي هي بين أيدينا  -ولله الحمد- كما أنزلت على النبي كما قرأها عمر وعثمان وعلي واستجابوا للنبي نحن نقرأها اليوم ونستجيب للنبي ويقرؤها أناس جُدد ويستجيبون ولذلك قال النبي في الحديث الصحيح (ما من نبيّ من اﻷنبياء قبلي إلا وقد أوتي من اﻵيات ما مثله آمن عليه البشر وكان الذي أُوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) يعني يقول أن المعجزة والحُجّة التي أوتيتها معجزة عقلية -القرآن الكريم- ولذلك اﻵن أي واحد يسلم نُعطيه نسخة مترجمة. البعض قد يقول: لكن كيف تقوم الحُجّة بالنسخة المُترجمة وأنتم تقولون أن البلاغة والبيان والمعجزة في القرآن الكريم؟ نقول : صحيح الوجه الذي وقع به التحدي للمشركين والعرب هي فصاحته وبلاغته ولكن مضمون القرآن مُعجِز أيضا حتى لو نزل باﻹنجليزي أو بالفرنسي أو باﻷوردوا أو بأي لغة ﻷنه تحدث عن أمور من الغيب لا يعلمها أحد من الغيب الماضي ومن الغيب المستقبل، القرآن الكريم يغطي الغيب من قبل خلق آدم وحتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فهو يعرضها لك كأنك تشاهد فلما وثائقيا، لا يخفى على المسلم العاقل منها شيء فقد أخبرنا سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..) [سورة البقرة ٣٠] وأخبرنا بالحوار الذي دار بينه وبين الملائكة قبل خلق آدم.

وأيضا في القرآن الكريم تجدون حوار أهل النار في النار (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ) [سورة غافر ٤٧]

(وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [سورة اﻷعراف 50] (وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [سورة اﻷعراف ٤٤] هذه أشياء ما يمكن أن يدركها أحد أبدا لا بشر ولا ملك، هذه أمور من الغيب لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فإن الذي يقرأها وقد أراد الله به خيرا فإنه يطمئن قلبه باﻹيمان أن هذا الذي يتحدث بهذا الكلام ليس بشرا.

وهناك لفتة مهمة جدا وهي من القضايا البلاغية واللسانية التي تُدرَس اليوم وهو ما يسمونه باستراتيجيات الخطاب وهو أن العرب تعودوا على البلاغة والفصاحة ويعرفون الشعر وكانوا يتحاكمون في سوق عكاظ  وفي سوق مجاز وفي غيرها ويُفاضِلون بين الشعراء، يأتي النابغة الذبياني والخنساء وحسّان بن ثابت ومن قبلهم لكن الموجود في كتب اﻷدب وفي تاريخ اﻷدب لا تستطيع أن تصل إلى أقدم من الأفوه الأودي والشعراء الجاهليين الذين لا يبتعدون عن اﻹسلام أكثر من 250 سنة لكن هم يعرفون يُفاضِلون بين الكلام، المُلوك يُخاطَبون بأسلوب والشعراء البلغاء يعرفون كيف يُخاطِبون الملوك ويخاطبون السادة ويخاطبون عامة الناس، فالعرب تُدرك أنواع الخطاب ولذلك نحن لو استعرضنا الشعر الجاهلي من أوله إلى آخره تجد الموضوعات التي يتناولها الشعر الجاهلي موضوعات معروفة في وصف الطللْ ووصف اﻵثار ووصف الجمل ووصف الرحلة ووصف الحصان ووصف الحبيبة، انتهى الشعر الجاهلي، هذا هو الشعر الجاهلي، وتجد عندهم حِكما وأمثالا، ولكن عندما جاء القرآن تحدث في قضايا لم يتحدّث عنها العرب أبدا، تحدث عن الجنّة وعن النّار وعن خلق آدم وعن حديث أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وعن قصص اﻷنبياء عليهم السلام وما دار بينهم وبين أُممهم، هذه القضايا لو نزلت بأي لغة من اللغات لكانت معجزة لكنها نزلت باللغة العربية التي هي أعلى الألسِنة، ونحن لا نقول ذلك تعصبا، وإنما نقول ذلك استنتاجا من أن الله سبحانه وتعالى لم يختر هذه اللغة لهذه الرسالة الخاتَمة التي هي الرسالة الوحيدة من رسالات الأنبياء هي الرسالة الوحيدة العامّة وأما رسالات اﻷمم السابقة فهي خاصة، موسى في بني إسرائيل فقط، داود في بني إسرائيل ،سليمان في بني إسرائيل عيسى في بني إسرائيل، رسل بني إسرائيل كثيرون لكثرة تكذيبهم، أما محمد عليه الصلاة والسلام فهو للثقلين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) [سبأ:٢٨] ولذلك قال النبي  (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من اﻷنبياء قبلي وذكر منها قال (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت للناس كافّة ) فاختيار اللغة العربية لهذه الرسالة العامة دلالة على أنها لغة مميزة.

 ابن عاشور -رحمه الله- يقول: " وبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى إعراضهم وتكذيبهم للنبي وكلما نزل عليه سورة أو وحي أعرضوا عنها فشبههم الله بالبهائم وهذه مناسبة تشبيههم فقال (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) هؤلاء المكذبين (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً) يعني كالذي ينادي البهيمة فلا تفهم من كلامه  شيئا إلا دعاء ونداء.

/ ومن فوائد هذا المثل:

 تحقير شأن الكافر المُعرِض وأنه قد شبّهه الله. قد يقول قائل: لماذا تتنزلون في الخطاب وتشبهون بالبهائم أو تشبِّهون بالشاة أو بالغنم أو بالبعير؟ نقول: الله سبحانه وتعالى هو الذي شبّههم بذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة اﻷعراف ولقد ذكرت لكم هذه اﻵية في المجلس السابق (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ) يعني خلقنا لجهنم أمم، ما صفتهم يارب؟ قال (لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا) ثم قال (أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الأعراف:١٧٩] فالله سبحانه وتعالى هو الذي وصفهم بذلك.

/ ومن فوائد هذا المثل :

  تحذير المؤمن من سبيل هؤلاء المكذبين المعرضين وأنه ينبغي على المؤمن إذا سمع آية أن يتوقف عندها وإذا سمع مثلا أن يتوقف عنده وأن يبحث كيف يستجيب ﻷمر الله سبحانه وتعالى كما قال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:٢٤] وهذا هو الذي ميّز السلف من الصحابة الكرام رضي الله عنهم وهو سرعة استجابتهم وانقيادهم ﻷمر الله سبحانه وتعالى. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل