دورة الأمثال في القرآن الكريم -سورة البقرة، الآية (٢٦) - د. عبدالرحمن الشهري

دورة الأمثال في القرآن الكريم

أمثال سورة البقرة الآية (٢٦)

د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري 

تفريغ مدونة في رحاب التنزيل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا اﻹخلاص والسداد في القول والعمل يا أرحم الراحمين.  حياكم الله أيها اﻹخوة واﻷخوات في هذا المجلس الثاني من مجالس أمثال القرآن، وقد تحدثنا في المجلس اﻷول عن مقدمة أرجو أن تكون نافعة لنا جميعا بإذن الله تعالى وتحدثنا عن المثلين اﻷولين في سورة البقرة حديثا مختصرا مقتضبا والحديث عن هذه اﻷمثال في كتب التفسير لاسيما كتب التفسير التي عنيت بالبلاغة حديث موسع طويل. وقد ذكر اﻹمام ابن القيم -رحمه الله- طريقتين في تناول اﻷمثال فقال: إن للعلماء في تناول اﻷمثال وشرحها وبيانها طريقتين :

- طريقة السلف وهي: البيان العام للمثل مع بيان وجه التمثيل ووجه الشبه ووجه العِبرة في المثل. وعلى هذا سِرنا في هذه المجالس.

- والمنهج اﻵخر فهو منهج أهل البلاغة الذين يتوقفون في التنظير بين أركان المثل وأنواع الشبه والُمشبه به ووجه الشبه وغير ذلك. وعلماء البلاغة في كتب البلاغة يُفصلون في مسألة اﻷمثال والتشابيه فيذكرون فيها تفاصيلا ومن طريف ما يذكرونه أنهم يقولون أن بعض الشعراء يُشبّه شيئين بشيئين في بيت واحد وأن أول من فعل ذلك ومن حُفظ عنه هو امرؤ القيس في قصيدته اللامية المشهورة التي يقول في مطلعها :

ألا عِمّ صباحا أيها الطَلل البالي ** وهل يعي من كان في العُصرِ الخالي

وهل يعي إلا من سعيد مُخلدٌ ** قليل الهموم ما يبيت بأوجال

ثم قال :

كأن قلوب الطير رَطبا ويابسا ** لدى وَكرِه العُنّاب والحَشَفُ البالي

يصف هذا الصقر أو هذا النسر فيقول:

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ** لدى وكره العناب والحشف البالي

يقول قلوب الطير عند هذا النسر لأنه يأكل الطير فتبقى القلوب يقول : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا

يعني فيه القلوب الرطبة حديثة الصيد والقلوب اليابسة قديمة الصيد.

 لدى وَكرِه العُنّاب  للقلوب الحديثة اللينة مثل العنب يعني

 والحَشَفُ البالي التمر القديم الرديء اليابس.

ويذكرون أيضا تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في بيت واحد وأربعة بأربعة وتشبيه خمسة بخمسة وهذا كله من توسعات أهل البلاغة والبيان في حديثهم عن اﻷمثال والتشبيهات في كتب البلاغة.

اﻵن ننتقل -أيها الإخوة- للمثل الثالث -الذي معكم في المذكرة- وإن كان ليس مثلا وإنما يذكره المصنفون في أمثال القرآن ويشرحونه وهو قول الله سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة بعد أن ضرب اﻷمثال التي مرّت معنا

 قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) [سورة البقرة :٢٦ ] 

يذكر المفسرون أن المشركين عندما ضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالعنكبوت عندما قال (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) [سورة العنكبوت ٤١] قالوا ما هذا الكلام كيف يُمثِّل بهذه الحشرات الصغيرة عنكبوت..ذباب، فالمشركون قالوا هذا على وجه الاستهزاء والسخرية يعني كيف يضرب الله اﻷمثال بهذه الحيوانات الصغيرة فقال الله سبحانه وتعالى هذه اﻵية، أنزل الله سبحانه وتعالى هذه اﻵية  (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا) أي مثل (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) يضرب المثل بالبعوضة بالنملة بالذباب بالعنكبوت مادام هذا المثل يُحقِق الهدف والمُراد ويُبين المقصود فإن الله سبحانه وتعالى لا يمنعه شيء من أن يضرب المثل به. هذا هو معنى اﻵية.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن الناس أمام هذه اﻷمثال ينقسمون إلى قسمين وكذلك -أيها اﻹخوة- سائر آيات القرآن الكريم، فمن أراد الله به خيرا اهتدى بهذه اﻷمثال وبهذه اﻵيات ومن أراد الله ضلاله وإضلاله فإنه لا يزيد بهذه اﻷمثال وبهذه اﻵيات إلا ضلالا والدليل على ذلك في سورة التوبة في آخرها (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا) قال الله (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) [سورة التوبة ١٢٤- ١٢٥] وهي نفس اﻵيات نفس المثل نفس اﻵيات يزداد به المؤمنون إيمانا -نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- ويزداد به المنافقون والمُعرِضون والكفار ضلالا وزيغا -والعياذ بالله- وهذا من الابتلاء -أيها الإخوة- الله سبحانه وتعالى ما أنزل هذه اﻷمثال ولا ضربها إلا ابتلاء ولذلك قال هنا قال (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) فموقفهم واضح .. معروف (فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) ولذلك مبنى اﻹيمان دائما -أيها الإخوة- على التسليم والانقياد والتصديق والخضوع وبذلك نال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأمثاله مكانتهم العالية ﻷنهم اطمأنت قلوبهم باﻹيمان وتصديق النبي وبالتالي صدّقوا كل ما جاء به حتى لو خالف عقولهم، أحيانا بعض اﻵيات أو بعض اﻷحاديث قد يكون ظاهرها مُخالفا للعقل أحيانا أو ربما لا يُدرك العقل معناه -على سبيل المثال- عندما قال النبي(إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي اﻵخر دواء ) بعض الناس يسخر من هذا الحديث ويقول كيف هذا، أصلا الذباب بنفسه هو قذارة فكيف يغمسه كاملا!! وكم من أحد شكّك في هذا الحديث ثم اﻵن لما اكتشفوا بعد اﻷبحاث الطبية أنه حقيقة علمية فعلا سكت هؤلاء المكذبون، لكن المؤمن مادام صدّق النبي وآمن به فكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام صدِق وحق، ولذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما جاء النبي أُسرِي به إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء ثم رجع إلى مكة من ليلته، فالنبي أخبر بعض من حوله بهذا الخبر فبلغ المشركين قبل أن يبلُغ الخبر أبا بكر الصديق رضي الله عنه فاستنكر المشركون هذا الخبر، هذا شيء غير معقول أن يسافر اﻹنسان إلى من مكة إلى فلسطين -إلى القدس- ويعود من ليلته!! هذا شيء غير معقول ﻷنهم كانوا يضربون إليه أكباد اﻹبل شهرا ذهابا وشهرا إيابا، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه ﻷنه اطمأن قلبه بتصديق النبي فقالوا له هل سمعت ما يقول صاحبك -يبحثون عن أي مطعن في سيرة النبي - فقال: وماذا قال؟ قالوا يزعُم أنه قد أُسرِي به إلى بيت المقدس وعاد من ليلته ونحن نضرب أكباد اﻹبل شهرا!! فقال كلمة جميلة قال: "إن كان قال ذلك فقد صدق" -أهم شيء قال ذلك أم لا- إن كان قال ذلك فقد صدق.

قالوا: فإنه يزعم أنه قد عُرج به -أو كذا- قال: قد صدّقناه بما هو أبعد من ذلك نحن نصدقه في خبر السماء -الوحي الذي يأتي به من السماء- نحن نُصدِّقه به فكيف لا نُصدِّقه بأنه قد أسري به إلى بيت المقدس؟! فاﻹيمان إذا استقر في قلب المؤمن فإن هذه اﻷمثال التي يسمعها في القرآن الكريم أو التي يسمعها في الحديث النبوي لا تزيده إلا إيمانا وثباتا ورسوخا، ومن أراد الله إضلاله فإنه لا ينتفع بهذه اﻷمثال. فمعنى هذه اﻵية أن الله سبحانه وتعالى لا يمنعه شيء أن يضرب المثل بأي شيء سواء بعوضة أو ما فوقها بالذباب أو بالعنكبوت أو بالبقرة أو بغيرها فإن هذه اﻷمثال مليئة بالحكمة.

ثم أمر آخر: أن هذا أمر مما تعرفه العرب من قبل نزول القرآن الكريم فمجيئه ليس غريبا، وأذكر من أمثال العرب المشهورة وقد ذكرها النابغة الذبياني -الشاعر الجاهلي- في قصائده أنه يقال في اﻷساطير عند العرب أن حية جاورت رجلا في مزرعة فكان هذا الرجل يتربص بهذه الحية يخاف منها ويريد أن يتخلص منها وهما -هو والحية- قد تعاهدا على (اﻷرض مقابل السلام) وذات يوم حدثته نفسه بأن يقتل هذه الحية فأخذ فأسا وباغت الحية وضربها ولكنها نجت وأصابت الفأس جانبا من جسمها ولكنها لم تقتل، فندم ﻷنه استثارها اﻵن واستثار عداوتها وهو لا يأمنها. ثم عاد لكي يبرم معها اتفاقية سلام جديدة فقالت له هذه الحية: كيف آمنك وهذا أثر فأسك؟ فأصبح مثلا من أمثال العرب كيف آمنك وهذا أثر فأسكيقال للإنسان الذي قد وقعت منه غدْرة ثم يريد أن يعقد صفقة سلام جديدة فيقال له كيف آمنك وهذا أثر فأسكوهذه موجودة في قصائد النابغة الذبياني في أكثر من موضع، يعني يذكر قصة الحية ولعلكم ترجعون إليها في ديوانه.

فعندما نزل القرآن الكريم وذكر البقرة وذكر النملة وذكر العنكبوت هذا شيء يعرفه العرب فعلى ماذا السخرية!! فدل هذا على أنهم إنما يسخرون ويستهزؤن تكذيبا بهذا القرآن. إذا هذا هو معنى قوله  (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا).

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل