تفسير سورة فاطر- المجلس الأخير- د. صالح بن عبدالرحمن الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة فاطر - المجلس الأخير

د. صالح بن عبد الرحمن الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴿٣١﴾)

يقول تعالى (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) يا محمد من هذا القرآن العظيم (هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أي من الكتب السابقة التي تشهد بصدقه وتنوّه بذِكْرِه وذِكر كتابه فهو منزّل من رب العالمين. (إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) خبيرٌ بهم بصيرٌ بمن يستحق ما يفضله به على من سواه، ولهذا فضّل الأنبياء والرسل على جميع البشر، وفضّل النبيين بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وجعل محمداً عليه الصلاة والسلام فوق جميعهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) وهم المؤمنون كما قال تعالى (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فالمؤمنون هم الذين اصطفاهم الله واختارهم واجتباهم. (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) قال القرطبي: هذه الآية مشكلة، فيها إشكالٌ كبير، ووجه الإشكال أن الآية قسّمت الناس إلى ثلاثة أصناف، ثلاثة أقسام: الأول: الظالم لنفسه، والثاني: المقتصد، والثالث: السابق بالخيرات. فمن هو الظالم لنفسه؟ هذا فيه قولان لأهل العلم قيل: إن الظالم لنفسه هو الكافر والمنافق، وهذا قولٌ فيه ما فيه. وقيل: إن الظالم لنفسه هو من هذه الأمة وهو الذي عليه بعض الذنوب والمعاصي مع أصل الإيمان. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطَفَيْن الوارثين الكتاب. وجاء عن ابن عباس أنه الكافر، كما أسلفت، وجاء عن مجاهد قال: هم أصحاب المشأمة، وقال قتادة : هو المنافق، وجاء عن بعض السلف كالحسن وقتادة وغيرهما أن هذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة الواقعة وآخرها. قال ابن كثير: والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة وهذا هو اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية، أن الظالم لنفسه أنه من هذه الأمة، وهو المفرِّط في بعض الواجبات المرتَكِب لبعض المحرمات. (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) وهو المؤدّي للواجبات التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات، (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) وهو الفاعل للواجبات وللمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات، وقد جاء عن ابن عباس في الآية قال: هم أمة محمد e ورّثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يُغفر له، ومقتصدهم يُحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.

هنا الله I قال بعد ذلك (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) فهذا دليل على أن هؤلاء الأصناف الثلاثة، طبعاً أورد الحافظ ابن كثير رحمه الله أربعة أحاديث تدل على أنهم من هذه الأمة وأن الله سبحانه وتعالى قال (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ) يعني أعطينا الكتاب، (ثُمَّ أَوْرَثْنَا) تدل على أنهم من هذه الأمة وأنهم أقسام ثلاثة. (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ) قال القرطبي: أي أعطينا الكتاب هنا يُراد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده وكأنّ الله تعالى لمّا أعطى أمة محمد القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة فكأنه ورّث أمة محمد e الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا. (الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا) أي اخترنا (مِنْ عِبَادِنَا) فيها قولان: قيل: أمة محمد e، وقيل: المصطفون الأتقياء توارثوا الكتاب بمعنى أنه انتقل عن بعضهم إلى آخرهم. المهم هنا قال الله (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) الظالم لنفسه هذا يفعل الواجبات وقد يفرِّط في بعضها وقد يرتكب بعض المحرّمات، والمقتصد يؤدي الواجبات ويترك المحرمات، وقد يترك بعض المستحبات وقد يفعل بعض المكروهات، والسابق بالخيرات بإذن الله هو الفاعل للواجبات والمستحبات، والتارك للمكروهات والمحرمات وبعض المباحات.

لكن الله I هنا قال بعد ذلك (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) ولهذا الصحيح أن هؤلاء الثلاثة الأقسام ناجون كما روى ابن جرير عن أبي إسحاق السَّبِيعِيِّ قال: أما ما سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناجٍ. كلهم ناجٍ يقصد الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات، وسئل محمد بن علي الباقر رحمه الله عن قوله (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) قال هو الذي خلط عمل صالحاً وآخر سيئاً. قال ابن كثير: وإذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة من هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، - يقول ابن كثير - وأولى الناس بهذه الرحمة، فإنهم كما روى الإمام أحمد حديث (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً، سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع) الحديث، ثم ذكر حديثاً في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وهو هذا الحديث ثم ذكر حديثاً آخر أشار إليه في تفسير سورة طه، وهنا أن الله يقول يوم القيامة للعلماء: إني لم أضع علمي وحكمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم، على ما كان منكم، ولا أبالي. فيقول: أولى الناس بالبشارة بهذه الآية هم العلماء. (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) يقول بعض أهل العلم: حقٌ لهذا الواو أن تُكتب بماء العينين. (واو) يدخلونها. الثلاثة كل الأقسام، ويحضرني في صحيح البخاري حديث سمرة يحضرني الآن في رؤيا النبي عليه الصلاة والسلام أنه استقبله ناسٌ شطرٌ من وجوههم حسن وشطرٌ من وجوههم قبيح فقال لهم الملَك: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فذهبوا فوقعوا فيه فذهب ما بهم، قال في آخر الحديث: وهؤلاء قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، تجاوز الله عنهم. (جَنَّاتُ عَدْنٍ) إقامة، فهذا مأوى المصطفَيْن من عباده الذين ورثوا الكتاب المنزّل، (يَدْخُلُونَهَا) يقيمون فيها إقامة دائمة (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "تبلغ الحِلْيَة من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" رواه مسلم. (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) العلماء يقولون: إن من أرجى آيات القرآن هذه الآيات، الواو في يدخلونها فإنها تشمل الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق، فيقولون: هذه الآية هي من أرجى الآيات مع قوله (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ). (يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) وجاء في الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام (أنه من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) وقال (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة إلا أن يتوب).

(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) قال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار، لأن أهل الجنة قالوا (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ)، وينبغي لمن لم يُشفِق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة، لأنهم (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27)).

(وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) أذهب عنا الخوف من المحذور، وأزاحه عنا، وأراحنا مما كنا نتخوفه ونحذره من هموم الدنيا وأيضاً هموم الآخرة. (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) شَكَرَ القليل من العمل وضاعَفه.

(الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ) أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومنة ورحمته ولم تكن بأعمالنا التي عملناها ولهذا جاء في الصحيحين: أن النبي e قال: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل). (لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) يعني لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء. النصب واللغوب كلٌ منهما يستعمل في التعب، فنفي الله عنهم هذا وهذا فلا تعب على أبدانهم ولا على أرواحهم، ولهذا أهل الجنة هل عندهم عبادة؟ يُلْهَمون التسبيح ويتلذذون بذلك، فهم في راحة مستمرة (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) جعلني الله وإياكم منهم.

ثم لما ذكر حال السعداء الأبرار ذكر حال ومآل الأشقياء فقال (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) كما قال تعالى (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم (فأما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون)، (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، وقال (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)، وقال (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا)، وقال (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا)، (كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) هذا جزاء كلُّ من كفر بربه وردّ دعوة المرسلين.

(وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) ينادون فيها، يجأرون إلى الله بأصواتهم (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) يسألون الرجعة في الدنيا ليعملوا غير عملهم الأول والرب جلّ جلاله يعلم أنهم لو ردوا لعادوا كما قال تعالى (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، وقال تعالى مخبراً عنهم في قولهم (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)) قال (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)) ولهذا قال هنا (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) فطالت أعماركم، أخذتم ما شاء الله أن تأخذوا من الأعمار، قيل: العمر سبعة عشر سنة، وقال بعض المفسرين: مقدار ما عُمِّروا ثمانية عشرة سنة، وقيل: عشرين، وقيل: أربعين، وعلى كل حال، الله سبحانه وتعالى عمّرهم أعماراً كافية لأن تبلُغَهم الحُجّة وتقوم عليهم الحجة ويصلهم البلاغ، وكان مسروق يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حِذره من الله عز وجل. وكان ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم أربعون سنة. وجاء عن ابن عباس: أن العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) هو ستون سنة، وهذه الرواية كما يقول ابن كثير أصحُّ عن ابن عباس وهي الصحيحة في نفس الأمر لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (أعذر الله إلى امرئ أخّر أجله حتى بلّغه ستين سنة). يقول ابن القيم رحمه الله: إنما حَسُن طول العمر ونفع ليحصل التذكّر والاستدراك واغتنام الفرص والتوبة النصوح كما قال تعالى (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) فمن لم يورثه التعمير وطول البقاء إصلاح معايبه واغتنام بقية أنفاسه فيعمل على حياة قلبه وحصول النعيم المقيم وإلا فلا خير له في حياته.

لا تغبطن على البقاء معمراً            فالموت أسرع ما يؤول إليه

فإذا دعوت بطول عمر لامرئ         فاعلم بأنك قد دعوت عليه.

إلا للمؤمن، المؤمن الذي يمتع بقوته وصحته ونشاطه فإن بقاء المؤمن خير له عند الله I، لأنه يكثر من الصالحات كم صلى لله؟ وكم حج؟ وكم اعتمر؟ وكم ختم القرآن؟ وكم استغفر؟ وكم ذكر الله؟ وكم وصل الرحم؟ وكم قام بعبادة وصلة؟، أما الفاجر والمنافق والكافر فإنه كما قال الله عز وجل (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) وقال تعالى (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) والنبي عليه السلام والسلام كما في سنن الترمذي وابن ماجه قال (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلّهم من يجوز ذلك).

(وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) قال القرطبي: فيه ستة أقوال: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) قيل القرآن وقيل الرسول وقيل الشيب وقيل الحمّى وقيل موت الأهل والأقارب وقيل كمال العقل، هذه ستة أقوال، لكن القرطبي يقول: بالنسبة للشيب، والحمى، وموت الأهل والأقارب، هذا كله إنذارٌ بالموت، (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ). وجاء عن سفيان بن عيينة جاء عن ابن عباس وعكرمة وجماعة (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) يعني الشيب، وقال السُدّي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) يعني الرسول e (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى) يعني قال بعض السلف: احتجّ عليهم بالعمر والرسل. (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) جاءكم الرسول، وجاءكم القرآن، وبلغتم من العمر ما شاء الله أن تبلغوه وتعرفوا حجج الله ودين الله، (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) أي يقال لهم ذوقوا عذاب الله جزاء مخالفتكم للأنبياء في مدة أعمالكم، في أعمالكم فيما أعطاكم الله تعالى من الأعمار.

(إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) أي يخلف قوم لآخرين قبلهم وجيلٌ لجيل قبلهم كما قال تعالى (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) وقال هنا (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) يعني وبال هذا الكفر يعود عليه نفسه دون غيره كما قال تعالى (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ).

(وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا) أي كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله U، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، بخلاف المؤمنين فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله، كما قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشرّكم من طال عمره وساء عمله). (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) هذا سبق نظيره أن الله e يقول لرسوله: أن يقول للمشركين أخبروني عن هذه الأنداد والأصنام والشركاء (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) ما هي أعمالهم؟! ما يملكون شيئاً مثقال ذرة وما يملكون من قطمير، ما عندهم شيء! (أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ) أي أم أنزلنا عليهم كتاباً بما يقولون من الشرك والكفر؟ ليس الأمر كذلك، (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا) أي إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي غرور وباطل وزور.

ثم أخبر الله جل وعلا عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره وما جعل فيها من القوة الماسكة لهما فقال (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا) يعني أن تضطربا عن أماكنهما كما قال I (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، وقال (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) وقال هنا (وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) أي لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو I، مع حلمه ومغفرته، يرى عباده يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم عليهم ويؤخر ويؤجل ولا يعجل العقوبة، ويستر آخرين ويغفر ذنوبهم، ولهذا قال (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) جل وعلا.

(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) هذا خبر عن قريش والعرب أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم ، قبل إرسال الرسول محمد e إليهم (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) قيل (أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) اليهود والنصارى، وقيل المراد بقوله (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) يعني من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل كقوله تعالى (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا)، وهذا كقوله تعالى (وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170)).

(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ) وهو محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل الله عليه من هذا الكتاب العظيم وهو القرآن (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) فلما جاءهم النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وأنزل الله عليهم القرآن ما زادهم ذلك إلا كفراً إلى كفرهم (مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا).

ثم بيّن جل وعلا أن هذا بسبب الكِبر فقال (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ) استكبروا عن اتّباع آيات الله (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) أي ومكروا بالناس في صدّهم إياهم عن سبيل الله U، (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) لا يحيق، لا ينزل المكر السيئ إلا بأهله، يقول ابن القيم رحمه الله: وقد شاهد الناس عياناً أن من عاش بالمكر مات بالفقر، ثم ذكر أمثلة كثيرة ومهمة كأنها تحكي واقع الناس اليوم في آخر مجلّد من "إغاثة اللهفان"، قال: شاهد الناس عياناً أن من عاش بالمكر مات بالفقر، ولهذا قال تعالى (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) قال الضحّاك: قال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينجو حتى ينزل به - يعني ينزل به هذا الشر وهذا الضرر- من مَكَر أو بغى أو نكث، وكلها في القرآن. المكر قال الله هنا (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، والبغي (إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، والنكث (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ).

(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ) يعني عقوبة الله لهم على تكذيبهم لرسله ومخالفتهم أمره، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) يعني لا تتغير ولا تتبدل بل هي جارية كذلك في جميع المكذبين للمرسلين (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) كما قال تعالى (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ) فلا يستطيع أحد أن يؤخر هذه العقوبة أو يحوّلها عنهم.

(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) يقول الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام قل لهؤلاء المكذبين بما جئت به من الرسالة: سيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل؟ كيف أن الله I دمّر عليهم وللكافرين أمثالها، خَلِيَت منازلهم، وذهب ما كان يتمتعون به من مال وقوة وعُددٍ وعَدد، كل هذا ما دفع عنهم عذاب الله U، (إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) فهو عليم بجميع الكائنات، قدير على مجموعها.

ثم أخبر عن حلمه I فقال: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) أي لو واخذهم الله بجميع ذنوبهم لأهلك جميع أهل الأرض وما يملكونه من دوابّ وأرزاق. قال ابن مسعود: كاد الجُعْل أن يعذَّب في جُحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ)، وقال سعيد بن جبير والسدي في قوله (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) قال: لما سقاهم المطر، فماتت جميع الدواب.

 

(وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ينظرهم إلى يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة وأهل الاستقامة وأهل التقوى، ويجازي بالعقوبة أهل المعصية والكفر والتكذيب، ولهذا قال تعالى (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)) فهو سبحانه يعلم المُحْسِن من المسيء ويعلم العاصي من المطيع، لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل