وقفات وتأملات في (إياك نعبد وإياك نستعين)

وقفات وتأملات في (إياك نعبد وإياك نستعين)

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 (إياك نعبد) أي لا نعبد إلا أنت، (وإياك نستعين) أي لا نستعين إلا بك أنت، وعليه نلحظ أن هذا التركيب ‏للجملة من نفي «لا نعبد ثم إثبات «إلا أنت» هو نفس التركيب لعبارة التوحيد «لا إله إلا الله».

(وإياك نستعين) هو نفس التركيب لعبارة "لا حول ولا قوة إلا بالله"‏

فلا عجب أن تكون هذه الآية هي مدار سورة الفاتحة ومدار القرآن والكتب السماوية كلها! كلمة التوحيد التي تشهد بها الكائنات كلها (لا إله إلا الله) و(لا حول ولا قوة إلا بالله) كنز من كنوز الجنة! كمال الإخلاص وكمال التوكل والاستعانة بالله تعالى! هذا هو مدار إيمان العبد بربه سبحانه وتعالى.

وقد اقترن اخلاص العبودية لله بالتوكل على الله في القرآن في غيرما موضع لأنه لا ينبغي التوكل إلا على من يستحق العبادة سبحانه، (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه)‏ [هود: 123]، وقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا ‏فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) [التوبة: 129]. وقوله: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا ‏هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) [المزمل: 9]، وقوله: (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) [الملك: 29].

التخلق بـ(إياك نعبد وإياك نستعين)

(إياك نعبد وإياك نستعين) مقام الإخلاص والعبودية التي عليها مدار حياة المؤمن حتى يلقى ربه سبحانه وتعالى، هي أمانة يحملها على عاتقه وفي قلبه طوال حياته وسيجزى على أدائه لها حق الأداء إما إلى جنة وإما إلى نار ولهذا ينبغي أن يجاهد العبد قلبه ونفسه في كل لحظة من لحظات حياته أن يتخلق بها مستعينا بالله عز وجلّ.. ولتحقيق غاية الوصول إلى منازل الإخلاص في القلب ينبغي أن:

1.      تتفقد قلبك وأنت تسمع نداء الصلاة خمس مرات في اليوم (الله أكبر) هل تبادر لتلبية النداء؟! لو استقر في قلبك معنى (إياك نعبد) ستلبي مباشرة بل قد تكون جاهزا قبل النداء شوقًا للقاء الله الأكبر الذي ستقف بين يديه معلنا عبوديتك له مخلصا له دينك، لن يكون في قلبك شيء أكبر من الله عز وجلّ فإن تكاسلت وتأخرت في تلبية النداء فاعلم أنك غير صادق في عهدك (إياك نعبد) غير صادق في استعانتك بالله لأنك لو حققت معنى فقرك لله تعالى وحاجتك لمعونته في كل حين لما تكاسلت عندما نادى (حيّ على الصلاة) وما فهمت معنى (لا حول ولا قوة إلا بالله) التي تقولها خلف المؤذن حين تسمع الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح)! فيا أيها العبد الذي تعاهد ربك كل يوم 17 مرة على الأقل بـ(إياك نعبد وإياك نستعين) أوفِ بهذا العهد بمبادرتك للصلاة خمس مرات في اليوم لتكون لك زادًا وتعيش فيها وفيما بينها عبدا مخلصًا لله تعالى مستعينًا به وحده...

2.      تتبرأ من المهالك الناتجة عن التذلل التعبدي لغير الله تعالى أو التوجه لغير الله تعالى بالدعاء أو الاستعانة بغيره جلّ وعلا..فلا تكن عبدًا لشهواتك ورغباتك فتودي بك إلى فعل المحرّمات من نظر محرّم وزنى ومخدرات وخمر ودخان ومطالعة أبراج اليوم وتنبؤات النجوم ولا تكن عبدًا لشهوات لسانك ونفسك الأمارة بالسوء ونوازع الكبر فيها فتطلق لسانك وعينيك في غمز الناس ولمزهم وغيبتهم والتنقص منهم فإن إن فعلت فأنت لم تحقق معنى (إياك نعبد وإياك نستعين) لأن كل شهوة تذلّك لتقترفها فهي لك إله وأنت لها عبدٌ، لا عبد لله تعالى مخلص له العبودية! وإن ظننت نفسك قادرًا على مقاومة الشهوات وحدك واغتررت بإيمانك وشخصيتك وقوتك وقدرتك على كبح جماح النفس والشهوة ولم تستعن به سبحانه وتعالى في مجاهدتك لنفسك فأنت لم تحقق (إياك نستعين)...

3.      تجعل لنفسك وردًا من الأذكار اليومية والأدعية مما ورد في الكتاب وصحيح السنة النبوية الشريفة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من ساعة ما تستيقظ إلى ساعة نومك وقيامك في جوف الليل قانتًا لربك لأن هذه الأذكار مهمتها الأولى إعلان عبوديتك المطلقة لله تعالى (إياك نعبد) ودليل استعانتك بالله (إياك نستعين) فأنت تتبرأ من حولك وقوتك وتلجأ لله العزيز القوي الحفيظ فيحفظك في نومتك واستيقاظك ووتطلب منه فيعطيك بفضله من رزقه الذي لا يملكه أحد غيره وترجو رحمته لأنك محتاج لها وتستغفره لأنه لا يغفر الذنوب إلا هو وتتوكل عليه بـ(لا حول ولا قوة إلا بالله) وتسبحّه ثناء عليه واعترافا به إلها وخالقا وربا ورازقا وستيرا وعظيما وقويا وعزيزا وحكيما ورحمانا ورحيما وتوابا وغفورا وحافظًا لك من كل الشرور الداخلية والخارجية...

إنك أيها العبد إن سلكت هذه المسالك الثلاثة فستكون بفضل الله تعالى عبدًا مخلصًا حقًا مستعينًا حقًا قد وفّيت بعهدك اليومي (إياك نعبد وإياك نستعين) وجددت هذا العهد يوميًا خمس مرات فكيف لك أن تنساه أو تغفل عنه؟! ولنفترض أنك خنت هذا العهد مرة فلا تيأس ولا تقنط وبادر بالعودة واغسل قلبك بتجديد العهد مرة ثانية وثالثة حتى يطهُر تمامًا ويخلص لربه وحده ولعله لهذا شرعت الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة حتى تكون كفارة لما بينها إن زلّ العبد أو خان العهد...

(إياك نعبد وإياك نستعين) اجعلها عنوان يومك وليلك وحياتك كلها، تخلّق بها، وأوفِ بعهدها وميثاقها تستقِم حياتك وعلاقتك بربك جلّ جلاله وعلاقتك بخلقه. بدد بها ظلمات نفسك الأمارة بالسوء وحررها من عبودية شهواتها وحطّم بها كبراءك وغرورك واكسر على صخورها أمواج الوساوس والأهواء حتى تُخلص قلبك ونفسك لله وحده جلّ وعلا عبودية ومناجاة واستعانة وتضرعا وتعظيما...

(إياك نعبد وإياك نستعين) وسيلتان عظيمتان لا يكاد يردّ معهما الدعاء فأحسن الوسيلة لتنَل الإجابة، هي مفتاح الدعاء المستجاب إن شاء الله تعالى ولهذا سميت الفاتحة دعاء وهذه الآية محورها وأساسها..ولله المثل الأعلى إنك أيها العبد إن أحببت مخلوقا مثلك حبا صادقا وأثنيت عليه ثناء طيبا وأخلصت حبك له ثم طلبت منه أمرًا فإنه يستحي أن يردك خائبا فما بالنا بملك الملوك الله الرب سبحانه الصمد؟!!

بعد أن وقفت على شيء من معاني (إياك نعبد وإياك نستعين) فهل ستلتزم بعهدك الذي تكرره كل يوم 17 مرة على الأقل؟!!

 -------------------

تمت الإفادة بعد توفيق الله تعالى من المصادر التالية لكتابة هذه السطور:

سورة الفاتحة، لطائف ومعان – مصطفى محمد سواس

مجالس القرآن – د. فريد الأنصاري

 

تكرار الفاتحة، القوة الكامنة – د. إبراهيم الدويش.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل