برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء الثامن

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة الثامنة – أبرز موضوعات الجزء الثامن

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

سبق أن نبهنا على أهمية معرفة الموضوعات في أجزاء القران و سوره لانها تعين الإنسان على فهم القضايا التي ركز عليها القرآن واعتنى بها، فعندنا أمران أن نعرف معنى كل آية وكل جملة وأن نعرف جملة الآيات التي يربطها رابط معين لأن هذا يجعل الإنسان يفهم المعنى للكلمة والجملة والآية إذا سيقت في سياق معين. وإذا عرفت المواضيع في جملة السورة وعرفت الرابط بين الموضوعات عرفت محور السورة كلها ففهمت على أي شيء تدور موضوعات هذه السورة وما هو مقصود السورة الأعظم وهذا لون من ألوان التدبر العالي الذي إذا فُتح للإنسان فهم أشياء لا يفهمها الإنسان الذي يقرأ الآية مجردة من أي شيء آخر  .

سورة الأنعام سورة العقيدة والتوحيد ودلاائل الله تعالى في الكون والآفاق والأنفس والجزء الثامن يتكون من شطر من سورة الأنعام وجزء من سورة الأعراف.

ولذلك جاءت بداية الجزء مكملة لما ذكر في الجزء السابق وهو مناقشة هؤلاء الذين خالفوا ما جاءت به الانبياء  وبيّن الله هز وجل صلافتهم ويُبس رؤوسهم في أنهم لا يمكن أن يقبلوا الحق (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ(111)الأنعام) قمة التعنت! ثم ذكر الله أن الأنبياء جميعًا قوبلوا بمثل هذه النوعية من البشر (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام 112] هناك تعاون بين شياطين الإنس وشياطين الجن في كيفية معاداة الرسل والتلبيس على دعوة الرسل ورد الحق وعدم الاستجابة له والصدّ عن سبيل الله ولذلك قال الله عز وجل (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) [الأنعام 113] هذه الشُبَه وهذا الوحي الشيطاني سيصغي اليه أولئك الذين لم يقع في قلوبهم الإيمان.

بعد ذلك ذكرت قضية مما أوحاه الشيطان إلى أوليائه واجتمع عليه شياطين الإنس وشياطين الجن وهي الإفتراء على الله في أعظم خصائص الرب وهي: الحُكم، لا تشريع ولا تحريم ولا تحليل إلا من عند الله عز وجل فالله عز وجل ذكر قضية يظن بعض الناس أنها من قضايا الأحكام الفرعية وهي متصلة بقضية العقيدة التي تدور حولها وتتمحور عليها السورة، فقال (فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ(118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) الأنعام) فالله عز وجلّ يستنكر عليهم كيف أن هذا الشيء الذي ذكر اسم الله عليه لا تأكلونه وهذا الشيء الذي لم يذكر اسم الله عليه تأكلونه؟! وهذا الشيء تحرمونه على الإناث وهذا الشيء تحرمونه بالكلية على كل أحد؟! من قال لكم ذلك؟! من دلّكم على أن الله حرم هذا أو أحلّ هذا؟ّ استنكار في أمر التشريع والحكم، وهذه تطبيقات لها لانها تعدي على الله وإفتراء عليه (وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ(120) وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ) [الأنعام 121]   بدأ الجزء بنفس القضية (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [الأنعام 112] وهنا يقول الشياطين هم الذين يوحون لبني آدم: حرموا هذا، لا تحلوا هذا احلوا هذا، وهو مما حرم الله.

تتابع الحديث عن هذا الموضوع وذكرت تفاصيلات لما كانت تفعله العرب من تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرم الله بغير بينة، وبين الله عز وجل أن ما يفعلونه أنه في غاية الإثم والعدوان على الله، وهو ما يسمى عند العلماء: الإفتراء على الله  أو القول على الله بغير علم وسيأتينا في سورة الأعراف قول الله عز وجلّ (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن  تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33) الأعراف) كل ذلك داخل في القول على الله بغير علم.

بعد ذلك تحدث عن أمر عظيم يعتبر خلاصة لهذه السورة وهي ما يسمى بالوصايا العشر التي ختمت بها سورة الانعام وهي من الوصايا التي اهتم بها العلماء وأفردوها بالتأليف لأنها مركزية في قضايا الدين كلها، وجميع الأنبياء مجتمعون عليها لا يختلف فيها دين عن دين قال الله عز وجلّ ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ) أي بسبب فقر (نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) الأنعام) وهنا ختم بالعقل لأن كل المذكور في هذه الآية مما يدل العقل عليها لو ما جاءت بها الشرائع لدلت العقول عليها. فالعاقل حتى لو لم يكن صاحب دين يهتدي إليها لإنها من أسباب بقاء حياة الإنسان. ثم الوصية التي بعدها (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) الأنعام) ختم هنا بالتذكّر لأن هذا مما جاءت به الأنبياء فالله عز وجلّ يذكّر ويعظ عباده بأن يأخذوا بالطريق الذي جاء منه سبحانه وتعالى. ثم ختمها بالوصية الجامعة وهي الوصية العاشرة (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) الأنعام). هذه الوصايا العشر هي وصايا عظيمة وجامعة أتمنى من كل أب وكل أم وكل أسرة يجلسون مع أطفالهم ويتدارسوا هذه الوصايا واحدة واحدة: بدأ قضية التوحيد و الشرك والنهي عنه ثم االإحسان للوالدين ثم بقية الوصايا العظيمة التي ينبغي أن نجعلها مركزية في حياتنا، الان بعض الآباء قد يركز مثلا على قضية الأمانة والنظافة وغير ذلك وهذا خير ولا بد منه ولكن هناك قضايا جوهرية لا تقوم الحياة ولا تستقيم الدنيا من دونها وقال ابن مسعود: من أراد أن يقرأ وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتَمه فليقرأ الآيات الثلاث من آخر سورة الأنعام (من الآية 151 وحتى الآية 153). واضح في السياق القراني الاهتمام بها لأنها صُدّرت بـ(قل) و(تعالوا) (اتلو ماحرم ربكم عليكم) وفي قوله (تعالوا) هناك معنى من حيث اللغة فالتعالي يعني العلو فلن تعلو ولن يرتفع لك أمر حتى تستجيب لهذه المعاني والأوامر التي ذكرت في هذه الآيات.

انتهت سورة الانعام وابتدأت سورة الأعراف وهي من حيث مضمونها العام قريبة من سورة الأنعام لكن سورة الأنعام في الحُجج وسورة الأعراف في بيان عقوبة من يُعرِض وجزاء من يستجيب، من خلال مواكب الأنبياء التي بدأت بقصة آدم ، فهذه السورة تحدثت عن البداية وعن الختم، بدءًا من الخليقة ووجود آدم وقصته في الجنة، وانتهاء بدخول الناس الجنة أو النار وافتراق الناس، فهي شاملة. ولذلك لكي تعلم جزاء من آمن ووحّد وجزآء من أشرك، جزاء تاب ورجع عن ذنبه الذي وقع منه ومن أصر وعاند لأن هذه الصورة لها خصوصية في أمر الكبر، ما ذكر الكبر في ما أعلم في سورة من سور القرآن كما ذكر في سورة الاعراف (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11) الأعراف) (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ) [الأعراف12] هذا كبر، ومحاجة باطلة وهي مقابلة أمر الله بالأقيسة العقلية التي لا يليق أن يقابل بها أمر الرب سبحانه تعالى (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين (13) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) الأعراف) انتبهوا يا بني آدم: تحذير من إتباع إبليس رأس الفتنة والضلال وهو توعد واضح، فيقول فبما أغويتني ويقسم إبليس يقول (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)[الأعراف16] يقسم بنون التوكيد الثقيلة للتأكيد أن هذا هو شغله في الحياة (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)الأعراف) من رحمة الله أنه ما قال من فوقهم لأنه لو قال من فوقهم لقطع عنا أسباب الخير والهدى كلها، ولكن الله بفضله أبقى لنا هذا السبب ممتد، لهذا نحن نقول لو اجتاحك إبليس وأحاط بك من كل جانب، يبقى هذا الباب مفتوحا ليلا ونهارا (إن الله - عز وجل - يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغرب)[رواه مسلم] وقصة آدم شاهدة على ذلك، حرِص إبليس على أن يغوي آدم ويطمعه في الأكل من الشجرة فأكل منها فوقع في المنهي عنه فتاب إلى الله عز وجلّ ولكنه عوقب بأن أهبط من الجنة التي كان فيها، وهكذا كل من عصى الله سبحانه وتعالى سينزل إلا أن يتوب فيعود إلى المكانة التي كان فيها.

بعد ذلك عادت السورة الى قضية ذكرت في سورة  الانعام، وهنا مسألة نحب أن نذكر بها وهي قضية أن القرآن بني على المثاني (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ)[الزمر23) مثاني يعني أنه تثنى أو تكرر فيه الأحكام و الأوامر والأخبار لأن القلوب من عادتها أنها تسمع الشيء ثم تنساه والله عز وجل يعيده عليها بصورة أخرى. قلّ أن تجد قضية في سورة معينة إلا وتجد إشارة لها إما سابقة أو لاحقة. وهنا قال الله عز وجل في قضية تحريم الحلال (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)الأعراف) هذا قانون مهم في الحياة وفي التعامل مع النعم (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)الأعراف) هنا يبين الله تعالى أنه خلق النعم كلها للمؤمنين ولكن لهوان الدنيا على الله جعلها شركة بين المؤمنين والكافرين وما تستحق أن يفرد فيها مؤمن بنعمة عن كافر لأنها محدودة وقليلة ولا تساوي عند الله جناح بعوضة، أما في الآخرة فقد قال (قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).

ثم قال مبينًا أن المحرمات من عنده وأنها محدودة وأن لها إطار لا يجوز لأحد أن يتعدى فيدخل فيه ما ليس منه وأن تشريعها وتحليلها وتحريمها هو بيد الله عز وجل، لذلك ختمها بـ (وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)[الأعراف33] وقد قال شيخ الإسلام منبهًا على أمر عظيم قال: هذه المحرمات المذكورة في هذه الآية (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33)الأعراف) قال بدئت بالتدريج، فبدأت بالأخف ثم انتهي بالأشد لأن القول على الله بغير علم هو أعظمها على الإطلاق، قد يقول قائل أليس الشرك أعظم من القول؟ نقول الشرك ثمرة من ثمرات القول على الله بغير علم، جزء من تطبيقات القول على الله، فهذا المشرك ما أشرك مع الله غيره إلا لأنه اعتقد أن له حقًا في الألوهية أو حقًا في العبادة.

ثم ذكر أقسام الناس في قبول الحق (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (37)الأعراف) ثم ذكر جزاء هؤلاء في يوم القيامة وفصّل في ذلك الجزاء.

بعد ذلك انتقل إلى قضية التوحيد ليؤكد على هذا الأمر الذي اختلف فيه الخلق، قال الله عز وجل (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (53) الأعراف) (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ) [الأعراف54] وهذه دلائل التوحيد في الكون ثم قال (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) [الأعراف54] فالخلق له وحده وكذلك الأمر له وحده فلا يجوز لأحد أن يحلّ ما حرّم الله أو يحرّم ما أحلّ الله أو يفتري على الله بغير علم.

بعد ما انتهى من ذلك ذكر التاريخ البشري من خلال مسيرة الأنبياء عليهم السلام في موكب مبارك بداية بنوح عليه السلام، ثم يتوالى ذكر الأنبياء في موكب كريم وما تعرضوا له من الأذى وكيف ناقشوا أقوامهم وذكر في أثناء ذلك أحكام وعقائد وأمور مهمة جدًا أنكروها على أقوامهم.

وهذه أول سورة تذكر فيها قصص الأنبياء بهذا التتابع: فبديء بقصة أبينا آدم ثم أُتبعت بقصة عظيمة هي قصة نوح ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)[الأعراف59] وكلهم كرروا هذه العبارة مما يدل على أن محور دعوات الأنبياء هو توحيد الله في عبوديته. الثاني من الأنبياء هود (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (65) الأعراف)، الثالث من الأنبياء صالح (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف73]، الرابع لوط عليه السلام (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ(80) الأعراف) والخامس هو شعيب عليه السلام (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ) [الأعراف85] والسادس في الجزء الذي يلي وهي قصة موسى عليه السلام الذي أفاضت فيها هذه السورة إفاضة عظيمة  ثم رجعت مرة أخرى إلى قصة آدم وكيف وقع الشرك في بنيه وما يتصل بذلك وختمت بأمر التوحيد.

التوحيد ركن أساسي اهتم القرآن الكريم به من خلال هذه القصص في تركيزه في قلوب الناس وهو أن العقيدة وتوحيد الله ومعرفة الله عز وجل واللجوء إليه أصل كل شيء وإذا سلم الإنسان بهاذا الأمر وإذا استقر في قلب الإنسان عقيدة الإيمان بالله عز وجلّ فكل ما بعدها من الأمور هي تطبيقات وتأتي كتنفيذ لإيمان الانسان بربه سبحانه وتعالى.

موضوع العقيدة موضوع في غاية الأهمية وخاصة في هذا الزمن الذي نجد فيه من أبناء المسلمين من هو موحّد في الجملة وقد ورث التوحيد عن أبويه وعن بيئته، لكنه ما ذاق لذته، ولذلك هو في أمر الاستجابة لأوامر الله في العبادات والتكاليف يشتدّ عليه هذا ويضعف أمام كثير من هذه الأوامر أو النواهي لماذا؟ لأن التوحيد والإيمان ما استقر في قلبه ولا أصبح هو المحور والمحك فيجد ثقلًا لأنه لم يرتبط بالله عز وجل، لأنهم ورثوا الإسلام وراثة ولذلك نجد المسلمون الجدد أكثر تمسكا بدينهم لأن عقيدتهم تكون صحيحة واضحة محددة ووقر في قلوبهم الإيمان بالله عز وجلّ.

إلماحات على آيات التوبة:

(قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(23) الأعراف) أن الانسان لا بد يقع في الذنوب والخطأ وهذا أبونا آدم قد وقع، فكيف النجاة؟

الملاحظ في كتاب الله عز وجل أن الله عز وجلّ يذكر ما يقع فيه الأنبياء سواء من مخالفة الأوْلى أو من الذنوب التي لا تقدح في عصمتهم ولا في مقامهم عند الله عز وجل، ويذكرها القرآن ليبين لنا كيف يكون موقف هؤلاء الأنبياء منها، لا يُذكر ذنبٌ لنبي إلا وتذكر بعده توبته منه مثلًا في قصة أبينا آدم عليه السلام حين وقع في الزلّة مباشرة بادر إلى التوبة فالله عز وجل بسط له باب العفو والمغفرة (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) الأعراف) وأيضًا في قصة نوح عليه السلام (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖإِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖفَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖإِنِّي أَعِظُكَ أَن  تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) هود) قال (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِين(47) هود) نفس الدعوات. قضية الاعتراف أولًا بالذنب وبأن العبد محتاج إلى الرب سبحانه واعتراف بأن الإنسان وقع في هذا الخطأ واعتراف بأنه لو لم يتب عليه الله عز وجل فإنه في خسارة وهذا فيه انكسار لله تعالى، ولهذا عندما سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي  قال قل: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) .

نلاحظ الوسيلة الأولى هي الإعتراف، الوسيلة الثانية هي الإقرار لله عز وجل بأنه لا يغفر الذنوب إلا هو، الوسيلة الثالثة ذكر أسماء الله الحسنى (إنك أنت الغفور الرحيم) فإذا قدمت هذه الثلاث وسائل بين يدي ذنبك اعلم أن هذا الذنب سيمحوه الله عز وجل فلا يبقى منه شيء بل سيصبح حالك بعد الذنب خير من حالك قبل الذنب. وهذا من فضل الله العظيم.

كلنا يقع في الخطأ والذنب فعلى من وقع في ذنب أن يتذكر قصة أبينا آدم وينكسر إلى الله عز وجلّ ويتوب فيتوب الله تعالى عليه كما قال تعالى (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) ثم جاء الجواب بعد ذلك (قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(24)الأعراف) لكن الله تعالى قد تاب عليهم وهذه الدعوة في التي ذكرت في سورة البقرة (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ)[البقرة37]. وفي هذا معنى مهم جدًا وهو أن التوبة لا تحتمل التأخير، كمن يقول سأتوب في شهر رمضان أو عندما أكبر أو عندما أحج أتوب فيربط عودته إلى الله بوقت معين أو بحالة معينة، لا، تب في حالتكـ في لحظتك، ولكن التوبة تكون مباشرة تب الآن في لحظتك، نظرت لامرأة لا تحل لك فاستغفر الله مباشرة، لا تؤجل توبتك فهذا يحبه الله منك ومن أسباب توبة الله على عبده، إذا كذبت بلسانك فاستغفر مباشرة واذكر الله تسبيحا وتحميدا وتهليلا وتكبيرا، أي قل كلاما تطهر به لسانك من الرجس الذي وقعت فيه. وانظرما يصنع الله بك سترى أثر التوبة على نفسك وعلى لسانك وعلى حالك بعد وقوعك فيها .

قصة استغراب (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)[هود87] ارتباط الإنسان في معاملاته بالدين:

من المفاهيم المغلوطة عند الناس أنهم يتعاملون مع الدين على أنه حالة يتلبس بها الإنسان في المسجد وأما في حياته وبيعه وشرائه وسفره ومعاملته مع أهله وفي سفره وفي حله وترحاله ينفصل انفصالاً تاماً عن الدين، والحقيقة أن الدين هو الحياة قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام في سورة الأنعام (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)الأنعام) أنا عبدٌ لله يتصرف بي ربي كيف يشاء، فلا يليق بالمسلم أن يجرد لحظة من لحظات حياته عن دينه، هذا الدين ليس آصارًا وأغلالا، فإاذا انضبطنا به ارتحنا وسعدنا وفرحنا ونجحنا وحققنا كل ما نريد، ولذلك نلاحظ الذين يتمسكون بدينهم تمسكا حقيقيا في كل أحوالهم نجد آثار السعادة والرضى والطمأنينة والسكينة عليهم، فالله عز وجل يفتح عليهم وييسر عليهم ويجعل لهم من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا، ما منا من أحد في هذه الدنيا إلا ينزل به ولكن أهل التقوى هم الذين يأخذون الدين كله كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّة)[البقرة:202].

 

 

https://t.co/ERRwpTC2PN



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل