دورة الأمثال في القرآن الكريم - مقدمة 2 - د. عبدالرحمن الشهري

دورة الأمثال في القرآن الكريم - مقدمة (2/2)

د. عبد الرحمن الشهري

تفريغ: مدونة في رحاب التنزيل

نرجع الآن أيها الإخوة إلى المثل في القرآن الكريم المشار إليها بقوله تعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر:٢١] مالمراد بالمثل الذي يضربه الله للناس؟
 هل يراد منه الشبيه والنظير كما هو معناه في اللغة؟
 أو يُراد منه القول السائر الذي يُشبّه مورده بمضربه كما هي أمثال العرب المعروفة؟
 أو يراد منه الحال أو القصة الغريبة التي تروى وتتناقل؟
أو يراد منه المجاز المركب المستعمل على وجه الاستعارة الذي فشى وانتشر؟
 يمكن أن نقول لنا في هذا الموضوع نظران:
النظر اﻷول: ننظر في كلام من تصدوا في علوم القرآن إلى أمثاله فكتبوا فيها مصنفات مستقلة كما فعل الماوردي، أو عقدوا له بابا خاصا كما فعل السيوطي في كتاب الإتقان وكما فعل ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين.
ثم ننظر ثانيا: في معاني اﻵيات التي استعمل فيها القرآن كلمة (المثل) . الماوردي -رحمه الله- يقول في مقدمة كتابه اﻷمثال يقول "من أعظم علوم القرآن علم أمثاله والناس في غفلة عنه لاشتغالهم باﻷمثال وإغفالهم المُمثلات والمثل بلا مُمثّل كالفرس بلا لجام والناقة بلا زمام" وهذه العبارة تدل على أنه يريد من أمثال القرآن اﻵيات المشتملة على تمثيل حال بحال أخرى سواء أورد هذا التمثيل بطريق الاستعارة أو بطريق التشبيه الصريح وهذا المعنى هو الذي نفهمه من قول السيوطي -أيضا- عندما قال في اﻹتقان "الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد" وهذا صحيح أن المثل في جانب كثير منه يكون المقصود منه تصوير الشيء المدرك أو المعنوي بالشيء المحسوس الذي يعرفه الناس، في القرآن الكريم -على سبيل المثال- يقول الله سبحانه وتعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [سورة الجمعة 5] وطبعا هذا مثل في غاية القسوة، يضرب الله المثل لعلماء اليهود الذين يعرفون التوراة ويدرسونها لكنهم لا يعملون بها، فيقول مثل هؤلاء كمثل الحمار الذي توضع فوق ظهره الكتب -أسفار- اﻷسفار هي الكتب، فلو وضعت فوق رأس الحمار -مثلا- كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني في شرح صحيح البخاري فهل يا ترى هذا الحمار يُدرك قيمة هذا الكتاب أوما فيه من العلم؟ لا يدري، فكذلك هؤلاء،  فهذا تشبيه في غاية القبح لهم ولذلك يقول أحد الشعراء يهجو بعض الذين يحملون الكتب فقط ذهابا وإيابا وهم لا يعلمون ما فيها:
زوامل .. "زوامل" هي الرواحل التي تحمل الأشياء فيقول
زوامل للأسفار لا عِلم عندهم ** بجيِّدِها إلا كعِلم اﻷباعرِ
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ** بأوساقه أو راح ما في الغرائر
 فالجمل فقط يحمل اﻷشياء ولا يدري ما المادة التي فوق ظهره هل هو طحين وإلا حبّ لا يدري. فانظر هنا كيف شبه الله سبحانه وتعالى صورة معنوية وهي هؤلاء العلماء الذين لا يعملون بعلمهم فضرب لهم مثلا بأخسّ اﻷشياء -والعياذ بالله- ونعوذ بالله أيها الإخوة والأخوات أن نكون ممن أصبح علمه حجة ووبالا عليه وألا يجعله حجة علينا.
فضرب الله لهم في القرآن مثلين قبيحين، هذا المثل في سورة الجمعة والمثل اﻵخر في سورة اﻷعراف في قوله سبحانه وتعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ*وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ) هنا يأتي المثل حتى ينقل لنا قُبح هذه الصورة وأنها صورة في غاية القبح، هذا العالِم الذي لا يعمل بعلمه بل يعمل بخلاف ما يعلَم، قال (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) و(تحمل عليه) ليس معناها تحمل عليه أثقال، لا.. تحمل عليه يعني تطرده - تحمل عليه تشير إليه فيهرب، فهو سواء كان يركض من اللهفة فهو يلهث وإذا كان جالسا فهو يلهث قال (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وسوف يأتي معكم شرح هذا المثل. هنا تلاحظون -كما قال السيوطي- أن المثل هنا فيه تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد.
وأذكر لكم قصة طريفة تُروى عن أبي عبيدة مَعمر بن المثنى وهو من علماء القرآن الكبار ومن علماء اللغة، سأله أحدهم سؤالا ذُكِر في ترجمته في معجم اﻷدباء لياقوت الحموي فيقول: "قال رجل ﻷبي عبيدة: يا أبا عبيدة إن العرب تشبِّه المجهول بالمعلوم حتى يتضح المجهول فما بال الله في القرآن الكريم قد شبّه لنا مجهولا بمجهول؟! فقال: أين ذلك؟ قال: في قوله تعالى في وصف طعام أهل النار(طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [سورة الصافات 65] فنحن لا نعرف كيف شكل طلعها ولا نعرف كيف شكل رأس الشيطان. فقال له أبو عبيدة كلاما جميلا قال: إنه قد استقر في أذهان العرب وفي ثقافة العرب أن الشيطان قبيح المنظر. ولذلك كما قال الرافعي -رحمه الله- في مقدمة كتابه (تحت راية القرآن) قال " ولا أظنه يأتي يوم يقول الناس فيه عن الشيطان رضي الله عنه" ﻷن الشيطان مذموم في كل الثقافات وفي كل الديانات، فيقول لما استقر في اﻷذهان أن الشيطان قبيح ومكروه شُبِّه قبح المنظر بقبح منظر الشيطان فقال الله سبحانه وتعالى (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) فالناس استحضرت غاية ما تستطيع من البشاعة ومن القبح لتعرف قُبح هذه الشجرة منظرا وطعما. ومن الطرائف في هذا : يقولون الجاحظ -اﻷديب المعروف- كان يمشيفي السوق فاستوقفته امرأة وقالت أتأذن لي أن تصحبني إلى هذا الصائغ -وهو لا يدري ما القصة- فذهب معها فلما وقفت أمام الصائغ فقالت مثل وجه هذا الرجل، فاستغرب الجاحظ ومضت المرأة، فقط قالت مثل هذا الرجل وانصرفت. فقال الجاحظ للرجل ما شأن هذه المرأة؟ قال الرجل: جاءت لي بخاتم وقالت انقش لي على هذا الخاتم وجه شيطان، فقلت لها أنا لم أشاهد الشيطان قط ولا أعرف شكل وجه الشيطان فجاءت بك وقالت مثل وجه هذا. وطبعا الجاحظ سُمِّي الجاحظ ﻷنه كان في عينيه جحوظ وهو إمام من أئمة اﻷدب صاحب كتاب الحيوان والبيان والتبيين.
فالشاهد: أن هذا من فوائد ضرب المثل وهو تشبيه الشيء المعنوي بالشيء المحسوس الذي يعرفه الناس ويشاهدونه.
 
السيوطي -رحمه الله-  قسم اﻷمثال -كما قلت- إلى أمثال صريحة وأمثال كامنة وأتى إلى الأمثال الصريحة من الآيات المشتملة على تشبيه حال بحال كما في المثل الذي سيأتي معنا في قوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) [سورة البقرة 17] وأما الكامنة فقد ذكرتها لكم كما ذكرها الحسين بن الفضل في كتابه وهي: استخراج معاني الأمثال العربية المشهورة من الآيات القرآنية. ولذلك نحن نقول -أيها الإخوة- أمثال القرآن لا يصح حملها على أصل المعنى اللغوي الذي هو التشبيه والتنظير أو الشبيه والنظير ولا يستقيم حملها على معنى الأمثال عند من ألفوا في الأمثال إذ ليست أمثال القرآن أقوالا استعملت على وجه تشبيه مضربها بموردها، لا يوجد في القرآن الكريم مثل نقول والله هذا أصله قصته كذا وكذا ثم استخدمه، لا، هي من أول ما نزلت وهي أمثال الناس يستخدمونه.
وأيضا لا يستقيم حملها على معنى اﻷمثال عند علماء البيان. ولذلك نحن نقول: أن أمثال القرآن هي ما ذكرته لكم في صدر الكلام وهي ما ذكره الله سبحانه وتعالى أو ما ضربه الله من أقوال تتضمن ما فيه غرابة من تشبيه أو استعارة أو قصة ويدخل في هذا كل ما سمّاه القرآن قبل ذلك أو بعده مثلا، ﻷنه قد يأتي آية يقول الله مثلهم ككذا وكذا أو يقول بعد أن يذكر المثل ثم يقول ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ).
ابن القيم -رحمه الله- أيضا تحدث في كتابه عن شيء فيه تشبيه شيء بشيء في حكمه وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من اﻵخر واعتبار أحدهما باﻵخر وذكر أكثر من عشرين مثالا كـ (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) وقوله تعالى (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ...) [سورة يونس 24] .
وأيضا يأتي بعضه على هيئة التشبيه الضمني أو التشبيه المُكنى به عند علماء البلاغة كما في قوله سبحانه وتعالى (... وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ...) [سورة الحجرات 12] فهذه ما فيها كامة كلمة مثل ولا شيء لكن واضح أن الله سبحانه وتعالى يشبه المُغتاب بمن يأكل لحم أخيه وهو ميت.
النظر الثاني -أيها الإخوة- في كلمة (مثل) فالله سبحانه وتعالى قد استعمل كلمة (مثل) في القرآن الكريم كثيرا كقوله سبحانه وتعالى (مثلهم ... ) وكقوله (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) وقد يستعمل القرآن كلمة (مثل ) في وصف أو قصة كما في قوله سبحانه وتعالى (ضُرب مثل فاستمعوا له) فضرب المثل في القرآن قد يستعمل في تمثيل حالة غريبة بأخرى مثلها، وقد يستعمل في ذكر حالة غريبة تُقصد لنفسها ولا يراد تنظيرها بغيرها. ومن هنا تلاحظ في كتب التفسير  اختلاف بين المفسرين في تفسير هذه اﻵيات كقوله تعالى (.. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [سورة الحج 31] وهذا سوف يأتي معكم، وقوله سبحانه وتعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [سورة النور 39] .
وهناك اﻵيات التي يقول بعضهم هذه جرت مجرى المثل، هذه اﻵية جرت مجرى المثل ولا يسمونها مثلا كقوله -مثلا- (لكم دينكم وليَ دين) يستخدمها بعضهم في المُتاركة إذا رأى واحدا مختلفا معه ولا يمكن أن يلتقي معه في الأمر قال لكم دينكم ولي دين، فأخذ هذه اﻵية من موضعها وأجراها مجرى المثل.
بعض علماء البيان أو علماء البلاغة يقولون "وهذه خرجت مخرج المثل أو جرت مجرى المثل" وهو ما لم يستقل بإفادة المراد مثلا -على سبيل المثال- (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [سورة اﻹسراء 81]  بعضهم يُجريها مجرى المثل عندما ينصر الله الحق فيستشهد الناس ويقولون (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل إلى الكعبة يهدم اﻷصنام ويستشهد بهذه اﻵية وهي قد نزلت من قبل ذلك (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) وقد أخبرنا السيوطي -رحمه الله- بأن جعفر بن شمس الخلافة عقد في كتاب له سماه اﻵداب، عقد بابا (في ألفاظ القرآن تجري مجرى المثل) كقوله تعالى (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) [سورة النجم 58] وقوله تعالى (... كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [سورة المؤمنون 53] وقوله تعالى (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ..) [سورة المائدة 100] وقوله تعالى (... مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [سورة التوبة 91] وقوله تعالى (... وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ .. ) [سورة فاطر 43] ونحو ذلك.  وقد أدخل علماء البديع هذه اﻵيات وأمثالها في النوع الذي يُسمّونه إرسال المثل وهو أن يأتي المُتكلم بما يجري مجرى المثل من حكمة أو غيرها فيما يحسُن الثمثل به.
هنا نأتي إلى مسألة ضرب اﻷمثال وفوائدها عند العرب: يعني يُضرب المثل -كما تلاحظون- لتقريب المعنى واختصار الكلام وتأكيد الكلام، وتلاحظون أيضا أن ضرب المثل يحفظ  القصة، اﻵن عندما تستشهد بالمثل تُلخِّص الكلام كله ولذلك يقولون "وفي قليل الإشارة غنية عن إطالة العبارة" والعرب قد طُبعت على هذا تحب اﻹيجاز في الكلام والاختصار  وجاء القرآن الكريم على هذا المنهج الذي تعرِفه العرب وتُدركه ولذلك سوف يأتي معنا قوله تعالى (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا..) [سورة البقرة 264] وسوف نشرحه -إن شاء الله- في وقته.
أيضا يضرب المثل للترغيب في الشيء ويضرب المثل أحيانا للترهيب يعني مثلا للترهيب منه وللتقبيح لشأنه قوله سبحانه وتعالى (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ...) [سورة الحجرات 12] هذا لتقبيح شأن الغيبة وتصويرها كأنها أكل لـ..، أنت اﻵن تستبشع أن تأكل لحم أخيك وهو حي فكيف به إذا كان ميّتا؟! هذا دليل على قُبح الغيبة.
ويضرب المثل للمدح والتحسين كما قال الله سبحانه وتعالى عندما ذكر الصحابة رضي الله عنهم ومدحهم فقال (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّورَاة وَمَثَلُهُم فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ ..) [سورة الفتح 29] .
ويُضرب المثل للذم كما ذكرنا لكم قبل قليل في ضرب المثل للعالِم الذي لم يعمل بعلمه بالحمار وبالكلب.
 والعجيب وأنا أقرأ في الموضوع قبل أن آتي إليكم أجد أن الأمثال الموجودة في القرآن الكريم، اﻷمثال الموجودة في لغة العرب، اﻷمثال الموجودة في العاميات العربية باختلافها، اﻷمثال الموجودة في اللغات الهندية والإنجليزية والفارسية راجعتها جميعا فوجدت المعاني مُتقاربة ﻷن اﻹنسان واحد والتجارب التي يمرُّ بها الناس واحدة ولذلك وجدت مثلا عند اﻹنجليز يقول 《إذا أردت السلم فاستعد للحرب》(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ... ) [سورة اﻷنفال 60] ترهبون فقط، نحن نريد السلام ولا نريد الحرب لكن ليس معنى أنك تُريد السلام أن تتخلى عن أسلحتك ﻷن العالم اﻷقوياء لا يعترف إلا بالقوي ولذلك أنظر هذا مثَل عندهم يقولون إذا أردت السِّلم فاستعدّ للحرب  أنت لا تعتدي ولكن سوف يردع ذلك المعتدين.
فهذه الأمثال متقاربة وقد كتب أحدهم كتابا سماه (رحلة اﻷمثال) بعضهم يقول هذا المثل لنا أصلا لكن أنتم أخذتوه، لكن نحن نقول هذه أصبحت من التراث اﻹنساني المشترك،هذه الأمثال ولذلك يحضرني مثل صيني قديم يقول 《لا تلُم أخاك حتى تمشي في حذائه عشر خطوات》أنت أحيانا ترى بعض الناس مهموم أو يتخذ قرار تلومه عليه في حين أنك لو وضعت نفسك في مكانه ربما اتخذت نفس القرار أو ربما قرارا أصعب منه، فلا تلُم أخاك حتى تقف في موقفه هذا معنى المثل. هذا المثل مشهور عند العرب وقد أخذه أبو الطيب المُتنبي فأودعه قصيدته:
لا تعذِل المشتاق في أشواقه ** حتى يكون حشاك في أحشائه
إن القتيل مضرجا بدموعه ** مثل القتيل مضرجا بدمائه
هو بنفس المعنى، وأيضا يوجد له لفظ عند العرب وعند اﻹنجليز، فهذه تجارب مشتركة بين اﻷمم لا تكاد تختصّ بها أمة دون أمة.
هذا -أيها الإخوة- مقدمة عن اﻷمثال عند العرب وما أُلِّف فيها وما صُنِّف فيها وعن كون هذه اﻷمثال هي هذه الخلاصة المركّزة المُوجزة التي أوجزها العرب وجمعوها في قول بليغ موجز حتى يسير ويشيع في الناس.
 استخدمها القرآن الكريم في مواضع كثيرة وجاء القرآن الكريم بأمثال لم تعرفها العرب في بلاغتها وإيجازها وإن كانت فهِمتها، وهناك آيات صرَّح الله فيها بذكر المثل وهذه التي ركزنا عليها في هذه الدورة مثل قوله سبحانه وتعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ..) [سورة البقرة 17] ومثل قوله سبحانه وتعالى (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [سورة البقرة 171] ومثل قوله سبحانه (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [سورة آل عمران 117] إلى آخرها.
والمؤلف هنا الد. محمد جابر الفياض جمع اﻷمثال التي وردت فيها اﻷمثال الصريحة والتي ذكرها ابن القيم أيضا وذكرها الماوردي، وأيضا رتّب اﻷمثال التي وردت في العهد المكي واﻷمثال التي وردت في العهد المدني وكانت أكثر .
والموضوعات التي وردت فيها هذه اﻷمثال متفرقة منها موضوعات في شأن المنافقين والحديث عن المنافقين وستأتي معنا اﻵن في أول سورة البقرة،  ومنها أمثال وردت في شأن اﻹيمان باللهسبحانه وتعالى، وفيها أمثال ضربت في شأن المخالفين -الكفار-، وفيه أمثال ضربت للمعرضين من العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم أو الذين كفروا أو غير ذلك. فهي في موضوعاتها مختلفة إختلافا كثيرا حسب السياقات التي وردت فيها.
http://rehabtanzyl.blogspot.com/2015/09/blog-post_41.html?m=1


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل