تأملات في (إياك نعبد وإياك نستعين)-1

تفسير وتدبر سورة الفاتحة

(إياك نعبد وإياك نستعين)

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 ذكر د. محمد الربيعة في تفسيره لهذه الآية في محاضرات دورة الأترجة القرآنية:

نأتي إلى محطّ السورة وقاعدتها وأساسها، هذه الآية )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (في مضمونها قد شملت القرآن كله، هي عمود السورة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (هاتان الكلمتان تجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء) وقد ذكر في أثر آخر: (أنّ الله جمع الكتب السماوية كلها في أربعة كتب، وجمع الأربعة كتب في كتاب واحد وهو القرآن، وجمع القرآن في سورة واحدة هي الفاتحة، وجمع الفاتحة في آية واحدة هي )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ () وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: (والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين) ويقول بعض السلف: (الفاتحة سرّ القرآن وسرّها - أي سرّ الفاتحة - هذه الكلمة: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ () ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في قوله: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ().

نقتطف بعض المعاني والدقائق واللطائف في الآية التي نحقق من خلالها معنىً في قلوبنا لعلّها تُعزّز معنى العبودية لله عزّ وجل.

مناسبة هذه الآية لما قبلها في السورة:

مناسبتها ظاهرة هي أنّه لما ذَكر سبحانه وتعالى اتصّافه بصفات الجلال والكمال الدالّة على استحقاقه واختصاصه بالعبودية، كان ذلك موجباً للعبد إلى أن يعترف لله عزّ وجل بهذه العبودية، لما أنّ العبد استفتح ببيان الصفات لله عزّ وجل، صفات الجلال، الله عزّ وجل والرب والرحمن والملك، وهذه الأسماء الأربعة تجمع جميع صفات الله عز وجل، فحين يقرأ العبد قوله: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(هنا يقف معظماً لله عز وجل، مستشعراً كمال ربّه سبحانه وتعالى في ذاته وصفاته، مستحضراً أنّه لا سبيل للعبد إلا الله، حينها يتجه إلى ربه فيقول: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (ولله المثل الأعلى لو أنّك تُريد حاجة من حوائج الدنيا، وظيفة فقيل لك: هذا المدير الفلاني رجلُ فيه كذا، وكذا، وكذا، ويملك الصلاحيات كلها، فحينها تذهب إليه مباشرة وتعترف له بالفضل وتسأله حاجتك هذا في حاجة العبد فكيف بحوائجك كلها التي لا يقضيها إلا الله وتعلم علم اليقين أن الله تعالى له الكمال المطلق وبيده الخير كله وعنده خزائن السماوات والأرض فحينها ليس لك سبيل إن كنت عبداً صادقاً مؤمناً أن تتوجه لغير ربك فحينها تقول: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( ولو أننا استحضرنا ونحن نقرأ سورة الفاتحة فنستحضر في الآيات الأولى كمال الله تعالى ثم كأننا نلجأ إلى الله عز وجل نخاطبه مباشرة فنقول: ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (هذا والله معنى العبودية يقول البيضاوي في هذا (كأنهم قالوا يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة وفي ذلك إشارة إلى طريق تحقيق كمال عبوديته وهو تحقيق معرفته ووجوه كماله)

ثم لماذا قال (إياك نعبد) ولم يقل إياه نعبد؟

الحديث هنا قال: )الْحَمْدُ لِلَّهِ (لم يقل (الحمد لك) فالحديث هنا عن الغائب، ثم قوله: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ (التفت من الغيبة إلى الخطاب وهذا التفات بديع، وهو أدخل في استجلاب النفوس واستمالة القلوب وإيقاظ الأسماع كما أن فيه مناسبة لما قبله وهو أنه لما أخبر عن نفسه بأجمع الصفات وأجملها وأجلها تجلّى للقارئ والسامع كمال ربه المطلق فاستدعى ذلك إلى أن يتوجه إليه مباشرة فيقول )إِيَّاكَ (نعبد فكأنه ترقّى وهذا من كلام ابن القيم يقول: كأنه ترقى من كمال البرهان والدليل إلى كمال الإقرار والاعتراف، ومن رتبة الإيمان والتصديق إلى رتبة الإحسان، كلام جميل يقول كأنه ترقى من كمال البرهان يعني المعرفة إلى كمال الإقرار ومن رتبة الإيمان والتصديق إلى رتبة الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وقولك: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ (بالجمع دون الإفراد "إياك أعبد" دال على معانٍ جميلة جليلة بديعة منها أنه مناسب لمّا أخبر عن شمول صفاته وإحاطته بالكمال وأنه رب العالمين جميعاً. حينما تقول: )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( و )إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( فإنك تعترف بأن الخلق كله عباد لله وأنه رب العالمين جميعاً ليس ربك أنت فقط حين تقول: )الْحَمْدُ لِلَّهِ (ربي تعترف بأنه ربك لكن حينما تقول )الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( وتقول ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ (فإنك تستحضر هنا أن الله عز وجل له حق العبودية من الخلق كلهم، أيّ معنىً يحققه الإنسان في قلبه استحضار أن الله تعالى معبود لجميع المخلوقين سبحانه وتعالى، وهذا معنى قول إبراهيم عليه السلام )إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ (ما قال أسلمت لربي إنما قال: )أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (اعتراف بأن الله رب العالمين جميعاً وهذا أكمل في العبودية من قولك (الحمد لله ربي) أو قولك (إياك أعبد).

ثم أيضاً فإن قولك )إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( كأنك بضعفك وتقصيرك ومعصيتك تريد أن تدخل نفسك مع عباد الله الصالحين فكأنك تقول يا رب أنا لوحدي لا أستطيع تحقيق كمال عبوديتك، ضعفي وقصوري ومعصيتي لا تحقق كمال العبودية لله، فحينها تدخل بعبوديتك مع عبودية عباد الله الصالحين كلهم فتدخل مع الصالحين جميعاً في هذه العبودية لتحقق معهم الكمال،

وهنا أيضاً مسألة أخرى وهي الجمع بين العبودية والاستعانة قولك إياك نعبد كافٍ في تحقيق العبودية فلماذا قال (إياك نستعين أيضاً)؟

مع أن العبادة متضمنة للاستعانة لأن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه وهي تشمل الحب والخوف والرجاء والاستعانة والتوكل وكل ذلك داخل في معنى العبادة فلماذا خصّ العبادة هنا؟

لأنه لا سبيل للعبد إلى تحقيق العبادة إلا بالله عز وجل وعونه هل يمكن لك أنت أيها العبد بقدرتك وضعفك وما يحفك من الصوارف الشيطان والنفس الأمارة أن تعبد الله حق العبادة؟ لا والله!!

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده

هنا وأنت تعترف لله عز وجل بالعبودية يمكن أن يأتيك الشيطان فيبعث في نفسك الفخر وأنك تعبد الله وكثير من الناس لا يعبده، هنا يُكسر هذا العُجْب بقولك إياك نستعين أي ليس لي سبيل لعبادتك إلا بك سبحانك وحدك لا شريك لك فهذا معنىً عظيمًا فتأملوه وتدبروه.

وقدم العبادة على الاستعانة لأن العبادة هي المقصودة والاستعانة وسيلة لها كما أن العبادة حقه تعالى والاستعانة حق للعبد من لله يعني العبادة حق لله من العبد أن يعبده والاستعانة حق للعبد من الله أن يعينه فكان ذلك جمعاً بين حق الله وحق العبد وهو معنى قوله السبع المثاني.

 وجاء في تفسير الشيخ السعدي رحمه الله:

 وقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } أي: نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة, لأن تقديم المعمول يفيد الحصر, وهو إثبات الحكم للمذكور, ونفيه عما عداه. فكأنه يقول: نعبدك, ولا نعبد غيرك, ونستعين بك, ولا نستعين بغيرك. وقدم العبادة على الاستعانة, من باب تقديم العام على الخاص, واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده. و { العبادة } اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة. و { الاستعانة } هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع, ودفع المضار, مع الثقة به في تحصيل ذلك. والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية, والنجاة من جميع الشرور, فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون العبادة عبادة, إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله. فبهذين الأمرين تكون عبادة, وذكر { الاستعانة } بعد { العبادة } مع دخولها فيها, لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله, لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر, واجتناب النواهي.

************

قناة إسلاميات على التليجرام

telegram.me/islamiyyatchannel




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل