تدبر مع القرآن - صفات المنافقين في سورة البقرة - 1

تدبر مع القرآن

د. محمد داوود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

صفات المنافقين في سورة البقرة - 1

عشنا مع أوائل سورة البقرة وكيف أن الله سبحانه وتعالى افتتح هذه السورة بهذه البداية المدهشة حين ابتدأها نطقًا بأسماء بعض الحروف (الم) ووقفنا على مغزى ومعنى ذلك. ثم عشنا بعد ذلك كيف أن الله عز وجلّ ينفي عن هذا الكتاب عن القرآن التهمة، الشك، الريب، ويثبت له الهداية. ثم في ثلاث آيات يبين أوصاف المؤمنين ويحكم لهم بأنهم على هدى من ربهم وأنهم هم المفلحون. ثم بعد ذلك عشنا في آيتين مع بيان لأحوال الكافرين والملاحظ أن أحوال المؤمنين واضحة فما كانت تحتاج لآيات كثيرة أو تفصيل كثير لأن الواضح الوصول إليه سهلٌ ميسور وهكذا حال الكافرين في آيتين الأمر سهل ميسور للتعرف عليهم أما النموذج الثالث فهو نموذج ملبِس غير واضح تحسبه حينًا من المؤمنين وحينًأ آخر تحسبه من الكافرين وهذا هو حال المنافقين يُبطنون الكفر ويُظهرون الإيمان لذلك القرآن بدأ يعرّفنا بهم في تسع آيات. أهل الإيمان في ثلاث آيات، أهل الكفر في آيتين، المنافقون في تسع آيات لأن أمرهم ملبس. كيف بدأ القرآن يبين أحوالهم؟

بدأ بقوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾) لا عبرة بقولٍ لا يعبّر عن حقيقة واقعة في القلب ومستقرة في العقل، المسألة ليست كلامًا يقال وإنما لا بد وأن يعبّر هذا الكلام عن واقع في قلب الإنسان وواقع مستقر في فهم وعقل الإنسان لكن هم لم يقولوا هذا الكلام حقيقة لا يعبر هذا الكلام عن حقيقة في قلوبهم وعقولهم لذلك يبين الله حالهم بقوله (وما هم بمؤمنين) هذا هو الحق الذي هم عليه يبين حقيقة أمرهم أنهم ليسوا بمؤمنين لكنهم يُظهرون بقولهم أمام المؤمنين يظهرون الإيمان. وهنا لطيفة أن النفاق لم يظهر في مكة وإنما ظهر في المدينة لأن المسلمين كانوا في مكة في حال ضعف فلا يُخشى منهم ولا يحتاج الناس إلى نفاق لأن المسلمين ليس لديهم قوة يخاف منها الناس لكن في المدينة أصبح للمسلمين قوة وهيبة وجلال هنا ظهر النفاق في المدينة وبدأت فئة من الناس تريد أن تَسلَم وأن تنتفع موقفها غير واضح لم تعلن موقفها واضحًا هل هم مع الكافرين؟ هل هم مع المؤمنين؟ فيبين القرآن حالهم أنهم منافقون ليسوا على الحقيقة فيما يعلنون فيقول (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) القرآن يصرّح بحقيقتهم أنهم ليسوا بمؤمنين. والللافت للانتباه روعة البيان القرآن لما تحدث عن المؤمنين تحدث صراحة ولما تحدث عن الكافرين تحدث صراحة لأنهم نموذج واضح لكن لما تحدث عن القسم الثالث قال بصيغة التجهيل وعدم الاكتراث وفيه دلالة على تحقير شأنهم ليس لهم منزلة لا هنا ولا هناك في الضياع في الجهالة فيقول (ومن الناس) وهذا التجهيل مناسب للمنافقين ومناسب لوضعهم لعدم الاكتراث بهم لأنهم ليس لهم منزلة كالمؤمنين وليس لهم موقف واضح كالكافرين فجهّلهم الله بهذا التجهيل.

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ) وهنا يشير القرآن أنه لا عبرة بقول لا يعبر عن حقيقة في القلب ويقين في عقل الإنسان لأن هنالك قول آخر (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) هؤلاء قالوها إيمانًأ ويقينًا، الإيمان مستقر في قلوبهم وعقولهم فكان هذا القول نعم القول لكن هذا القول هنا كذب غير صادق وإنما هو لون من الخداع لذلك يقول القرآن بعد ذلك موضحًا ومبينًا في بيان وتفسير لهذا الموقف الشائن (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) هذا في ظنهم وحسبانهم أنهم يصنعون ذلك من باب الشطارة يظنون أنهم ضحكوا على المؤمنين هذا في حسبانهم وظنّهم فيبين الله عز وجلّ حقيقة المسألة أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم وخداعهم يعود إليهم فيقول (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ). حين يقول الله في هذه الآية (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) يبين أن الخداع مردود عليهم وأن حسبانهم هذا إنما هو حسبان باطل وفهم سقيم، وما يخدعون إلا أنفسهم خداعهم يعود عليهم ويُردّ عليهم. وما يشعرون بدون أن يدركوا أو يحسوا سيعود إليهم هذا الخداع لأن الله له صفات الكمال والمؤمنون في حماية الله وحراسة الله سبحانه وتعالى والعاقبة للمؤمنين أما هؤلاء فلهم الخيبة ولهم الخسران ولهم سوء الدار فخداعهم أوصلهم إلى سوء المغبّة وخيبة الخسران هذا معنى أن خداعهم رُدّ عليهم (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).

ثم يعلل الله سبحانه وتعالى ويبين ما الذي حملهم على ذلك (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠﴾) ما معنى الآية؟ اختيارهم لهذا الباب وهو النفاق والخداع والكذب إنما هو اختيارٌ مريض، المرض هنا مرض معنوي، فهو اختيار مريض، هذا الاختيار المريض الذي لجأوا إليه استحقوا أن يظلوا في هذا التيه تيه المرض وتيه الخسران فعاقبهم الله ليكون الجزاء من جنس العمل، إن من اختار هذا السبيل حُرِم من الهداية فتفاقم المرض وملأ عليه حياته وفكره وقلبه هذا في الدنيا وفي الآخرة لهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون. هم استحقوا هذا الجزاء على عملهم لأن الهداية جاءتهم وأسباب الهداية جاءتهم وعلى الرغم من ذلك هم لم يكفروا كالكافرين فقط بل موّهوا وخادعوا حتى يضربوا المؤمنين في ظهورهم وحتى يكونوا أداة هدم للمجتمع الإسلامي وللدولة الإسلامية الوليدة فبصنعهم هذا استحقوا هذا الجزاء ليكون من جنس العمل فقال ربنا (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ). حين يذكر الله عز وجلّ العاقبة والمآل كي ننتفع فلا نسقط كما سقطوا ولا نخادع كما خادعوا ولا نقع فيما وقعوا فيه والله يحذرنا والسعيد من وعِظ بغيره. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه دائمًا في آيات القرآن ما يبين المآل والعاقبة لكل فعل، مآل الصالحين المؤمنين الطائعين الجنة والدرجات العلا ومآل المكذبين والمخادعين والمنافقين العذاب الأليم في جهنم وعلى الإنسان أن يختار وأنت كائن حرٌ مختار الله خيّرك وبيّن لك المآل أن هذا السبيل نهايته الجنة وهذا السبيل نهايته النار فأنت الذي تختار بنفسك فلا تأتي بعد ذلك وتقول لماذا يعذبنا الله؟ يعذبك لأنك أنت اخترت العذاب. الله عز وجلّ نصحك أن تدخل الجنة وجعلك كائنًا حرًا مختارًا الحرية مسؤولية وأنت الذي اخترت ذلك، أنت حرٌ مسؤول تتحمل مسؤولية اختيارك وهذا هو شأن العقلاء وشأن المؤمنين أما هؤلاء فجهّلهم الله وحذرنا أن نقع ونسقط كما سقطوا وبيّ، المآل والعاقبة ووصف اختيارهم بأنه اختيار مريض يؤدي إلى زيادة المرض وحرمانه من هدي الله سبحانه وتعالى.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل