تفسير سورة سبأ- 2 - د. صالح بن عبدالرحمن الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة سبأ - 2

د. صالح بن عبدالرحمن الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16)) .

قال الله تبارك وتعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) ذكر الله في هذه السورة سورة سبأ قصة سبأ وقصة هؤلاء القوم عجيبة جداً فهي تدل على أن من كفر نعم الله I فإن الله جل وعلا يعاقبه كما قال تعالى (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112) النحل) وسبأ كانت سبأ ملوك اليمن وكانوا أهل اليمن والتتابعة منهم ويقال أن بلقيس صاحبة سليمان التي سبق ذكرها في سورة النمل يقال أنها كانت منهم وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم ورزق وثمار دانية وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم بأن يأكلوا من رزق الله وأن يشكروا له وأن يعبدوه وحده لا شريك له (كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا) وقد جاء في مسند الإمام أحمد أن رجلاً سأل النبي e عن سبأ ما هو؟ رجل، أم امرأة أم أرض؟ قال النبي e بل هو رجل وُلِد له عشرة من الولد فسكن اليمن منهم ستّة وسكن الشام منهم أربعة فأما اليمانيون فمبحِج وكِندة والأزد والأشعريون وأنمار وحِميَر وأما الشامية فلخمٌ وجُذام وعاملة وغسّان، قال الحافظ بن كثير وهذا إسناد حسن. وجاء أيضاً بسند جيد في المسند من حديث فروة بن مسيب قال أتيت رسول الله e فقلت يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال نعم، فقاتل بمقبل قومك مدبرهم، فلما ولّيت دعاني فقال: لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام، فقلت يا رسول الله أرأيت سبأ أوادٍ هو أو رجل أو ما هو؟ قال بل رجل من العرب ولِد له عشرة فتيامن ستة وتشاءم أربعة -يعني اتجه لليمن ستة واتجه للشام أربعة- تيامن الأزد والأشعريون وحِميَر وكندة ومبحِج وأنمار الذين قال لهم بجيلة وخثعم، وتشاءم لخم وجذام وعاملة وغسان وهذا سنده جيد كما قال الحافظ بن كثير. قال علماء النسب ومنهم محمد بن اسحق اسم سبأ عبد شمس إبن يشجب ابن يعرب ابن قحطان وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب وكان يقال له الرائش لأنه أول من غنِم في الغزو فأعطى قومه فسمي الرائش والعرب تسمي المال رياشاً وريشاً لأن عادة العرب ما كانوا يسبون فلما سبى سمي سبأ. فالمهم أن قوله e رجل من العرب يعني من العرب العاربة الذين كانوا قبل إبراهيم الخليل عليه السلام من سلالة سام ابن نوح أو على قولهم أنه من سلالة الخليل u، المهم أنه جاء من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن. وذكروا أنه لم يكن ببلدهم شيء من المنغِّضات أو المزعجات أو البعوض أو الذباب أو البراغيت كانت بلدة طيبة معتدلة الهواء صحيحة.

فسّر الله قوله (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ) فسّر الآية بقوله (جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ) يعني من ناحية الجبلين والبلدة بين ذلك (كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) غفور لكم إن عبدتموه وحده لا شريك له فأعرَضوا عن توحيد الله عز وجل وعبادته وأعرضوا عن شكره على هذه النعم التي أنعم بها عليهم وعدلوا إلى عبادة الشمس كما قال هدهد سليمان (وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) النمل). قيل إنه بُعِث لهم عدد كبير من الأنبياء فلما أعرضوا وصدّوا وكذبوا المرسلين قال الله (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) يعني السيل الشديد أو سيل العرم المراد بالعرم الوادي وقيل الجرذ الذي نقب السدّ فانهدّ عليهم السد وأغرقهم ماؤه بأمر الله عز وجل وقيل العرم الشديد القوي (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) فأهلكهم الله I ثم مع إهلاكهم وخراب سدّهم خرّب الله U عليهم جميع البلد، لما انهدّ السد خرّب جميع ما لديهم من الأشجار والأبنية وغير ذلك ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال فيبست وتحطمت وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة كما قال الله (وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ) وهو الأراك، خمط هو الأراك قيل، (وَأَثْلٍ) وهي الطرفاء ولما كان أجود هذه الأشجار المبدّلة هو السدر قال (وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ) فهذا الذي حوّل الثمار النضيجة النافعة حوّلها إلى اشجار غير نافعة وغير مثمرة هو شؤم المعصية وتكذيب المرسلين عليهم الصلاة والسلام والكفر بالله ولهذا قال (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا) وفي هذا درس لكفار قريش الذين يعيشون في مكة وهي بلاد آمنة مطمئنة (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا (57) القصص) فهذا فيه درس لكفار قريش ولكل من شاء الله إلى يوم القيامة أن الإنسان إذا كان في نعمة

إذا كنت في نعمة فارعها      فإن المعاصي تزيل النِعم

ثم بعد ذلك قال الله (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) عاقبناهم بكفرهم قال الحسن البصري: صدق الله العظيم لا يعاقَب بمثل فعله إلا الكفور. ولهذا روى ابن أبي حاتم عن ابن خيرة وكان من أصحاب عليّ رضي الله عنه قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة والضيق في المعيشة والتأسر في اللذة قيل وما ما التأسر في اللذة؟ قيل لا تصادفه لذة حلال إلا جاءه من ينغّصه إياها. ثم ذكر الله جل وعلا شيئاً من العقوبات المتوالية على هؤلاء القوم (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) كانوا قبل ذلك في نعمة وغبطة وسرور حتى إن الواحد منهم يسافر ولا يشعر بألم السفر أبداً من كثرة الأشجار وكثرة الثمار بحيث أن المسافر ما يحتاج أن يحمل معه زاداً ولا ماءً لأنه إذا خرج من قرية قبل ما يصيبه العطش أو الجوع وإذا هو يدخل القرية التي تليها فحيث نزل وجد ماءا وثمراً يقيل في قرية ويبيت في أخرى ولهذا قال (وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ) صار السير مقدّراً بحيث أنه يخرج من أول النهار إلى منتصف النهار فيقيل في قرية ثم يخرج من هذه القرية منتصف النهار وفي الليل يكون في قرية تليها وهكذا ومعلوم أن المسافر إذا كان الذي يحمله على السرعة في سفره إما خوف انقطاع الطعام والشراب أو قلة الأمن فإذا وجد الأمن ووجد الطعام والشراب صار المسافر آخذاً كامل راحته في سفره كما هنا (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) فالأمن حاصل لهم في سيرهم سواء كان بالليل أو كان بالنهار فهنا ملّوا هذه النعمة (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) ملّوا حياة الرفاهية والنعيم وتيسير السفر ملّوا هذه النعمة (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) وقرأ آخرون جماعة من القٌراء (بعِّد بين أسفارنا) بطروا هذه النعمة كما قال ابن عباس احتاجوا إلى أنهم يقطعون مفاوز طويلة كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يُخرج لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ماذا قال لهم موسى؟ (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ (61) البقرة) وهؤلاء مثلهم قال الله (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا (58) القصص). (وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) يعني جعلناهم أحاديث للناس وسمراً يتحدثون به من بعدهم كما يقول الناس في ضرب المثل تفرق بني فلان أيدي سبأ ويقولون تفرقوا شذر مذر، ويقولون أيادي سبأ، يعني صاروا مثلاً للناس. (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) في هذا الذي حلّ بهؤلاء القوم بسبأ من النقمة والعذاب وتبديل النعمة وتحويل العافية عقوبة عليهم فيه موعظة وعبرة لكل عبد صبّار على المصائب شكور على النعم وهذه حالة المؤمن كما قال e "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن". وكان مُطرّف يقول: نِعْمَ العبد الصبّار الشكور الذي إذا أُعطي شكر وإذا ابتُلي صبر. ثم لما ذكر الله تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباع الهوى والشيطان أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى وخالف الرشاد والهدى فقال (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) فإبليس عدو الله هنا ظنّ ظناً وهم اتبعوا هذا الظنّ الذي ظنّه وهذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً (62) الإسراء) وقال (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الأعراف) فهنا قال (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) من أهل الإيمان (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ) ما له حجة الشيطان، قال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصى ولا أكرههم على شيء وما كان إلا غروراً وأمانيّ دعاهم إليها فأجابوه. (إِلَّا لِنَعْلَمَ) إنما سلطانه على العباد ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وبيوم القيامة والحساب والجزاء فيحُسن في عبادة الله في هذه الدنيا ممن هو من الآخرة والقيامة والبعث في شك (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) أي ومع حفظه جل وعلا ضل من ضل من أتباع إبليس وبحفظه جل وعلا وكلآءته سلِم من سلِم ممن أراد الله تعالى بهم خيراً من المؤمنين الذين اتبعوا المرسلين. ثم قال تبارك وتعالى مبيناً أنه الواحد الأحد الذي لا يجوز أن تُصرف العبادة إلا له فقال رادًا على المشركين (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ) من الشركاء والآلهة التي عبدتم (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) كما قال تعالى (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير). (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا) الأولى لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السموات، والثاني ما لهم في السموات والأرض من شرك ما يشاركون الله فيها أبداً فهم ما يملكون استقلالاً ولو على سبيل الشراكة. (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ) ما لله عز وجل من هذه الأنداد من ظهير ومعين يستظهر به في الأمور ويعينه بل الخلق كلهم فقراء لله I. ماذا نفى الله؟

نفى أن يكونوا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض أولًا،

وثانيًا نفى أن يكون لهم مشاركة،

ثالثاً نفى أن يكون الله جل وعلا أن يكون مستعيناً بهؤلاء إطلاقاً في خلق السموات والأرض أو في تدبير أمر السموات والأرض

فما بقي شيء إلا الشفاعة والواسطة فقال الله (وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ) الشفاعة عند الله تبارك وتعالى، الشفاعة في لغة العرب هي مقارنة الشيئين ومن ذلك الشفع خلاف الوتر والمراد بالشفاعة في الاصطلاح هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرّة.

الآن نفى الله جل وعلا عن آلهة المشركين أن تكون تملك مثقال ذرّة في السموات وفي الأرض ثم نفى أن تكون لها شراكة في الكون والخلق ثم نفى أن تكون هذه الآلهة معاوِنة لله e، فما بقي إلا واحد، قد يقول قائل إنها تشفع كما قال الله عن المشركين أنهم قالوا (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (3) الزمر) وقال (هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ (18) يونس) لم يبق إلا الشفاعة فقال الله (وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) هذا الشرط الأول، هل هذه الآلهة تشفع؟ لا تشفع، لماذا لا تشفع؟ لأن الله لا يأذن لها ولا يرضاها، والشفاعة لها شرطان: الشفاعة لا تكون إلا إذا أذن الله للشافِع أن يشفع ورضي عن المشفوع له كما قال e (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى (26) النجم) فهل الله e يأذن لآلهة المشركين أن تشفع؟ لا، وهل يرضى عن المشركين في عبادتهم لهذه الآلهة؟ لا، وهل يرضى عن الآلهة أنها عُبِدن من دون الله؟ لا، إذن انتفى كل شيء ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدّتها عليهم أحكم سد وأبلغه وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فهو الذي يأذن للشافع فإن لم يأذن له لا يتقدم للشفاعة بين يديه كما يكون في حق المخلوقين فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها وأما رب العالمين الذي كل أحدٍ فقيرٌ إليه فإنه e لم يأذن فيها ولا يمكن أن يتقدم أحد يشفع بدون إذنه I أبداً. إذن هذه الآية تدل على أنه يجب إخلاص العبادة لله وقطع النظر عما سواه من الأوثان والأشجار وقبور الصالحين والأولياء والأنداد كما يفعل في بعض البلدان والعياذ بالله ممن يتوجهون إلى أصحاب القبور ويذبحون القرابين والنذور إليهم ويتوسلون إليهم يقول يا سيد فلان أنا في حسبك ارزقني ولداً، أعطني كذا، والعياذ بالله! وهذا هو الشرك الأكبر ولقد أحسن حافظ ابراهيم حين قال:

أحياؤنا لا يُرزقون بدرهمٍ      وبالف ألف يُرزق الأموات

من لي بحظّ النائمين بحفرة      قامت على أعتابها الصلوات

ويقال:هذا الغوث باب المصطفى يعني أنهم يتقربون إلى أصحاب القبور وهؤلاء الأولياء ويذبحون النذور والقرابين ويتوسلون إليهم وأحدهم معرض عن عبادة الله الواحد القهار الذي بيده الدنيا والآخرة وإليه يرجع الأمر كله. فالله I هنا يقول بعض العلماء عن هذه الآية يقول: هذه الآية قطعت جميع عروق الشرك فيجب إخلاص العبادة لله وقطع النظر عما سواه حال أداء العبادة التي علمناها النبي عليه الصلاة والسلام، يجب الابتعاد عن الشرك ووسائل الشرك والأسباب المؤدية إليه وطلب الزلفى لديه والتوسل إليه I بما شرع من الأعمال الصالحة: التوسل بأسمائه الحسنى، التوسل بصفاته العليا، التوسل بدعوة أخ صالح في ظهر الغيب، هذه الواسطة المقبولة والوسيلة المشروعة التي يدل عليها صصيح المنقول الموافق لصريح المعقول كما يقول ابن تيمية.

(وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ) يعني المشركين عند الاحتضار ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة قالوا ماذا قال ربكم؟ قيل لهم الحق، وأخبروا أنهم في الدنيا لاهين، هذا قول لبعض المفسرين. وقيل (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ) هم الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقد جاء عن النبي e في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة أن النبي e قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان". (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ) زال الغشي عن قلوب الملائكة عليهم الصلاة والسلام (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) هم يفزعون ويصيبهم الغشيّ لعظمة الرب تبارك وتعالى وما تكلّم به (قَالُوا) للذي قال (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض وصف سفيان بيده فحرّفها وبددها فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال أليس قال لنا يوم كذا كذا وكذا؟ فيصدَّق بتلك الكلمة التي سُمِعت من السماء. هذا الحديث قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) إذن الشفاعة لا تكون إلا لمن يأذن الله له ولهذا جاء في الصحيحين أن النبي e هو سيد ولد آدم وأكبر شفيع عند الله لأن الله أعطاه المقام المحمود الذي يشفع في الخلق جميعاً قال e آتي تحت العرض فأسجد فيدعني الله ما شاء أن يدعني ويفتح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن ثم يقال: يا محمد إرفع رأسك وقُل يُسمع وسل تُعطَ واشفع تُشفّع، فهو يشفع عليه الصلاة والسلام والملائكة تشفع والمؤمنون يشفعون لكن لا يشفع أحد إلا بهذين الشرطين الرضى والإذن. (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) فهو I العليّ الذي لا أحد أعلى منه ولا أعظم منه وهو الكبير الذي لا أحد أكبر منه.

ثم قال تبارك وتعالى مخاطباً هؤلاء المشركين مقيماً الحجة عليهم مقرراً لهم أنه المتفرد بالخلق والرزق والإلهية أيضاً (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ) العلماء يقولون أن هذا من باب التنزّل مع المخاطَب لأنه معلوم أن من عبد الله وحده لا شريك له أنه هو الذي على هدى ومن عبد الأصنام والأوثان فهو الذي على ضلالة لكن هذا من باب التنزل ومع ذلك جاءت الآية بأسلوب عجيب اشتملت في جانب الحق قال الله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى) مثل قول الله عن المؤمنين (أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ (5) البقرة) وصف الله أهل الإيمان بأنهم على الهدى يعني متمكنون مثل الشخص الذي قد ركب على جواده وتمكن من ركوبه واستقرّ في مكانه وكذلك أهل الإيمان هم مقتنعون بالحق الذي هم عليه وبأن الله I هو الخالق الرازق المحيي المميت الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له وهم مطمئون لهذه العقيدة راسخون عليها، باقون عليها. (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) اِستعمل (في) هنا (في) في جانب الباطل و(على) في جانب الحق لأن صاحب الحق كأنه مستعلٍ يرقب بنظره كيف شاء الأشياء ظاهرة لا فيها خفاء ولا غموض أما صاحب الباطل فكأنه منغمس في ظلام لا يدري أين يتوجه كما قال الله e (كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا (122) الأنعام) .

وقال (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا (40) النور) فهذه الظلمات ظلمة الشك والكفر والريب كلها اجتمعت. هنا يقول (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ) إذا كان الله فإذن يجب أن يفرد بالعبادة لا شريك له، هم يقولون لا، (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) أي واحد من الفرقين مُبطِل والآخر مُحِقّ ولا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال بل لا بد أن يكون المصيب هو واحد من الفريقين ونحن قد أقمنا البرهان على توحيد الله I فهذا يدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله I ولهذا قال (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) قال قتادة: قد قال ذلك اصحاب محمد e للمشركين والله ما نحن وإياكم على أمر واحد وإن أحد الفرقين لمهتدٍ. ثم قال تبارك وتعالى (قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) هذا التبري منهم يعني لستم منا ولا نحن منكم بل نحن ندعوا الله وحده لا شريك له وندعوا الله وحده نفرده بالعبادة فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم وإن كذّبتم فنحن برآء منكم وأنتم برءآء منا كما قال تعالى (قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا) يوم القيامة يجمع الخلائق في صعيد واحد (ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) يحكم بيننا بالعدل ويجازي كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر (وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) هو القاضي بين خلقه I الحاكم العادل العالِم بحقائق الأمور. ثم قال تعالى (قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاء) أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله e أنداداً وصيرتموها له عِدلاً، (كَلَّا) ليس له نظير I ولا شبيه ولا شريك ولا عديل بل هو الله الواحد الأحد الصمد الذي لا شريك له (بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) العزيز ذو العزة التي قهر بها كل شيء وغلب بها كل شيء، الحكيم جلّ وعلا في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره تعالى وتقدّس.

ثم قال تعالى مخبراً عن رسالة عبده ورسوله محمد e الذي ختم به النبوة والرسالة فقال (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) أي إلى جميع الخلق من المكلّفين وقيل إن (كافة) يعني لتكفّ الناس عن الشرك إلى التوحيد وعن الضلالة إلى الهدى (بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) كما قال تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف)

ثم قال تبارك وتعالى (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) مرة أخرى ذكرٌ لبيان استبعاد الكفار قيام الساعة لأن السورة سورة مكية فلا بد من التركيز على البعث والجزاء والحساب فقال الله هنا (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) كما قال تعالى (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ  (18) الشورى).

 

قال الله مهدداً لهم (قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ) لكم ميعاد مؤجل معدود لا يمكن أن تتأخروا عنه لحظة من اللحظات ولا يزاد فيه ولا ينقص منه كما قال تعالى (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4) نوح) وقال تعالى (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) هود). ثم قال تعالى مخبراً عن تمادي هؤلاء الكفرة في شركهم وكفرهم (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) لن نؤمن بهذا القرآن ولا بما أخبر به من أمر المَعاد والجنة والنار وما إلى ذلك. فقال سبحانه بعد هذا (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) هنا يتنازع ويتخاصم الضعفاء والأقوياء، الكبار والصغار، الملأ المترفون مع العابدين الضعفاء هؤلاء الذين اتُّبعوا مع الذين اتَّبعوا كما قال تعالى (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) البقرة) وهنا يقول تعالى (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) يكون بينهم مخاصمة ومراجعة للقول (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) منهم وهم الأتباع (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) وهم سادتهم وكبارهم (لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) أنتم الذين صددتمونا عن الإيمان وإلا كنا اتبعنا الرسل لكن أنتم حلتم بيننا وبين ذلك فيرد عليهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم) نحن ما فعلنا بكم ذلك ولا لنا عليكم سلطان ولا برهان بل أنتم اخترتم هذا لأنفسكم (بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ). وقال الله (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بل كنتم تمكرون بنا ليلا ونهاراً وتغرّونا وتمنّونا وتخبرونا أننا على هدى ونحن مقيمون على عبادة هذه الآلهة وأنا على شيء فإذا جميع ذلك كذب وباطل وغرور وأماني (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) قال قتادة وابن زيد بل مكرهم بالليل والنهار. (إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا) أنتم الذين سببتم لنا الوقوع في هذه العظائم وهذا الكفر. قال الله I (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) هل هم السادة أم الأتباع أم الجميع؟ الجميع، السادة والأتباع كلٌ ندِم على ما سلف منه لما رأوا العذاب بين أيديهم. قال الله (وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ) وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم كما قال I (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) غافر) وقال هنا (وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي إنما جازيناهم بأعمالهم كلٌ بحسبه، القادة عذابهم بحسبهم كما قال تعالى (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ) وقال تعالى في سورة العنكبوت (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)) وكذلك الأتباع لهم نصيب من العذاب وقد قال تعالى في سورة الأعراف (رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (38)) فكل واحد من هؤلاء القوم له نصيبه من العذاب وله والعياذ بالله نصيبه من الحسرة والندامة وهذا دليل واضح على أن الإنسان يجب عليه أن يحذر غاية الحذر أن يُضِلّ أحداً عن سبيل الله وعن صراط الله المستقيم فإنه سيبوء بإثمه وإثم من أضله كما يفعل بعض شياطين الإنس عبر قنواتهم ومواقعهم الذين ينشرون ظاهر الإثم وباطنه ويجرّئون الناس على الكفر وعلى الفواحش وعلى المعاصي (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (25) النحل).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل