بديع اللفِّ والنشر في الأسماء الحسنى المقترنة في القرآن الكريم

بديع اللفِّ والنشر في الأسماء الحسنى المقترنة في القرآن الكريم

د. محمود عبدالجليل روزن

 

(1)

اللفُّ والنشرُ من ألطفِ أنواع المحسِّنات البديعية المعنويَّة، ويُسمَّى أيضًا الطيّ والنشر، وهو كما عرَّفه القزويني: «ذكر متعدِّد على جهة التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكلِّ واحد من غير تعيينٍ؛ ثقةً بأنَّ السامع يردُّه إليه»[1].

 

وهو يأتي على أنواعٍ؛ فقد يكون اللفُّ مفصلًا، وقد يكون مجملًا، ثمَّ إنَّ للمُفصَّل مع النشر ضربين:

الضربُ الأول: النشر المرتَّب على ترتيب اللّفِّ؛ ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [القصص: 73].

 

والمعنى: ﴿ جعل لكم الليل والنهار ﴾ أي: خلق هذا وهذا ﴿ لتسكنوا فيه ﴾ أي: في الليل، كما في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ [الأنعام: 96]، وقوله ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ [يونس: 67]، وقوله: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ [غافر: 61]. وقوله:﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ أي: في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، كما في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [النبأ: 11]، فَنَشَرَ بعد لَفٍّ.

 

ومثاله أيضًا؛ قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29].

 

أي: فتقعدَ إن بخلتَ مَلومًا، يلومُك الناسُ ويذمُّونك ويستغنون عنك. ومتى بسطتَ يدك فوق طاقتك، قعدتَ بلا شيءٍ تنفقُه، فتكون كالحسير، وهو: الدابة التي قد عجزت عن السير، فتعايتْ وأُحْصِرَت.

 

ومنه قول امرئ القيس:

كأنَّ قُلُوب الطَّير رَطْبًا ويابسًا 
لدى وَكْرها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي 

 

والمعنى: كأنَّ الرَّطْبَ من قلوب الطَّيرِ: العُنَّابُ، واليابسَ منها: الحَشَفُ.

 

ومثاله أيضًا قول ابن الرومي:

آراؤكم ووجوهُكم وسيوفُكم 
في الحادثاتِ إذا دَجَوْنَ نجومٌ 
فيها معالمُ للهدى ومصابحٌ 
تجلو الدُّجى والأخرياتُ رجومٌ

 

أي: في آرائكم معالمُ هدايةٍ، وفي وجوهكم مصابيحُ، وفي سيوفكم رجومٌ.

 

وله من غريب اللفِّ والنشر؛ على ما فيه من طرافة[2]:

أَفنى وأعمى ذا الطبيبُ بطبِّه
وبكُحله الأحياءَ والبصراءَ 
فإذا مررت رأيتَ من عميانه
أممًا على أمواته قرَّاءَ 

•••


والضرب الثاني: النشر المعكوس على ترتيب اللفِّ.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 112].

 

والمعنى: أنَّ مُكتسبَ الخطيئة يحمل من وزرها إثمًا مبينًا، فإن رمَى بها بريئًا فقد بهَتَه؛ إذ ليس في الـمُفترى عليه ما ادَّعاه الـمُفترِي الرامي مما هو فيه.

 

ومنه قوله تعالى:﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: 18].

 

فالمُصعِّر خدَّه فخورٌ، والماشي في الأرض مَرَحًا مختالٌ.

 

ومنه قول الفرزدق:

لقد خُنتَ قومًا لو لجأتَ إليهم
طريدَ دمٍ أو حاملًا ثقل مَغرمٍ. 
لألفيتَ فيهم مُعطيًا أو مطاعنًا
وراءك شزرًا بالوشيج المقوم. 

 

فالعطاءُ للمغرم، والطعانُ لمجالدة المطارِد والذّبّ عن المطارَد.

ويلحق به النشر غير المرتَّب، وذلك أن يكون اللفِّ على أكثر من شيئينِ ثمَّ يأتي نشرها لا على ترتيبها ولا على عكسه، ومثاله قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 6 - 11]. على قول مَن قال إنَّ السائل هنا سائل المعروف والصَّدقة، وهي على طريقة اللفِّ والنشر المرتب لمن قال: إنَّ السائل المقصود به سائل العلم[3].

•••


وأمَّا اللّفُ المجمَل؛ فصورته أن يُجمِلَ المسنَدَ إليهِ ويُفصِّل ما لكلِّ واحدٍ من أجزائه من غير تعيينٍ؛ ثقةً بأنَّ السامعَ يردُّه إليه.

 

ومثاله قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ [البقرة: 111]، فاليهود يدَّعون اقتصار دخول الجنَّة عليهم وحدهم، وكذا النصارى، وكلُّ طائفةٍ تُكذِّبُ أختها، فيصير المعنى: وقالت اليهود لن يدخل الجنَّة إلا من كان يهوديًّا، وقالت النصارى لن يدخل الجنَّة إلا من كان نصرانيًا. وإنَّما سوَّغ الإجمال في اللف ثبوتُ العناد بين اليهود والنصارى؛ فلا يمكنُ أن يقول أحد الفريقين بدخول الفريق الآخر الجنَّةَ، فوُثِقَ بالعقل في أنَّه يرُدُّ كلَّ قولٍ إلى فريقه لأمن اللبس[4]. وفيه من إثارة الفكر، ومن الإيجاز شيءٌ بديع.

•••


والأمثلة في القرآن الكريم على اللفِّ والنشر بكلِّ صُوَرِه كثيرةٌ، حاولتْ بعض الدراسات استقصاءها[5]؛ غير أنَّ من يروم الاستدراك فالمجال مفتوح، ومعين القرآن لا ينضب. وسيتضح لنا من خلال هذا المقال ما يدلُّ على ذلك إن شاء الله.

•••

 

(2)

إنَّ المُتدبِّر لكتاب الله - عزَّ وجلَّ - يجد التناسبَ التامَّ بين سياق الآيات وما خُتِمَت به من أسماء الله الحسنى. وصدق الله القائل: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82].

 

ولا يقتصر الجمال البلاغيُّ في هذه الآيات على ذلك التناسب، وإنَّما يأتي ختام الآياتِ على الغاية من البديعِ بضروبه المختلفة، ومنها اللفُّ والنشرُ.

 

إنَّ المزاوجةَ بين اسمينِ من الأسماء الحسنى في ختام الآيات هو النمطُ السائد في القرآن، وقد يكون هذانِ الاسمانِ من بابٍ واحدٍ؛ كالرحمن والرحيم، والغفور والرحيم، والسميع والبصير، والعليم والخبير... ونحو ذلك، وقد يكونانِ من بابينِ مختلفينِ كالعزيز والرحيم، والواسع والعليم، والتواب والحكيم، والعفوّ والقدير... ونحو ذلك.

 

ولا شكَّ أنَّ كلَّ اسمٍ منها يختصُّ بمعنىً فارقٍ لا يؤدَّى بغيره إلا بنوعٍ من التوسُّع في العبارةِ؛ فإن اقترَنَا تأكَّد المعنى الكليُّ الذي يؤديانِه؛ كدلالة اقتران الرحمن والرحيم على الرحمةِ، ونحو ذلكَ، غير أنَّ هذا الاقترانَ يأطِرُ الألباب الذكيَّةَ على طلب الفروق الدقيقةِ بينهما، والبحثِ عن مناسبةِ الآية والسياق، ثمَّ الترقِّي في تأمُّل حكمةِ تقديم أحد الاسمينِ على الآخرِ، وإن كانا من بابينِ مختلفينِ كان من السهل بيان انصراف كلِّ اسمٍ لمعنىً، ولكنَّ نسبة ذلك إلى مرجعه ومحلِّه من السياقِ قد يخفى على غير المُتدبِّر المتفكِّر.

 

ثم ينظر: هل لم يقترنا إلا تقدَّم أحدهما دائمًا؟ كالعليم والقدير وردا مقترنين أربع مراتٍ تقدَّم فيها اسم (العليم) دائمًا، أم هل يتقدم أحد الاسمين تارةً والآخر تارةً؟ كالعليم والحكيم؛ اقترنا ستًّا وثلاثين مرة؛ تقدمَّ اسم (العليم/عليمٌ/عليمًا) تسعًا وعشرين مرة، وتقدَّم اسم (الحكيم/حكيمٌ) سبع مرات.

 

وحين يكثر اقترانُ اسمين على صورة معينة من الترتيب ثمَّ ينفرد موضعٌ واحدٌ بعكس هذا الترتيب؛ فإنَّ ذلكَ يستوجبُ مزيدًا من التدبُّر والتأمُّل، وأوضح مثال على ذلك تقدُّم اسم الرحيم على اسم الغفور في موضع واحدٍ من جملة اثنين وسبعين موضعًا اقترن فيها الاسمان، وسيأتي بيانُ ذلك إن شاء الله خلال هذا المقال.

 

والبصرُ بعلم المناسباتِ وضروب البلاغة وفنون البديع مع التضلُّع من علوم اللغةِ؛ يُفيدُ فائدةً عظيمةً في الارتياضِ بتدبُّر باب الأسماء الحسنى في القرآن الكريم، وهو - على كثرة ما كُتِبَ فيه - ما زالَ غير مطروقٍ في كثيرٍ من أنحائه، وما زالت مناهجُ البحث وأساليبه في هذا الباب قاصرةً عن الوفاءِ بما يتوجَّب على المتدبِّرين فيه.

 

ويقترح الباحثُ الاهتمام بجملة أمورٍ:

(1) الإحصاءُ، كمعرفة عدد مرات ذكر الاسم، وما أتى منها فاصلةً، وما أتى منها في غير الفاصلة، وكم مرةً أُفرِدَ وكم مرةً جاء مقترناً، وما الأسماء التي اقترنَ بها؟ وما ترتيب ورودهما مقترنينِ؟ وكم جاء بسور العهد المكيِّ؟ وكم جاء بسور العهد المدنيِّ؟ وما دلالة هذه الإحصاءات؟

 

(2) الدراسة الموضوعية: من خلال إبراز الارتباطِ بينَ موضوع السورةِ وورد الاسم إجمالًا أو وروده مقترنًا باسم معيَّن، أو ورودهما في الاقتران على ترتيبٍ معين، أو ورودهما في الاقتران مع موضوع معيَّن؛ كورودهما في آيات الأحكام أو الآيات الكونية، أو القصص، أو الأمثال أو نحو ذلك... كورود (العزيز العليم) مع الآيات الكونية في أربعة مواضع من جملة ستَّة مواضع في القرآن اقترنَ فيها الاسمانِ، لم تأتِ إلا بتقدُّم اسم (العزيز)، ولم تأتِ إلا بـهذه الصورة (العزيز العليم). ومنه كذلك: اختصاص سورة واحدة باسمينِ؛ كسورة الشعراء التي جاء فيها اسم (العزيز) مقترنًا باسم (الرحيم) في تسعة مواضع من جملة ثلاثة عشر موضعًا في القرآن كله، ومن جملة عشر مواضع في السورة جاء بها اسمان مقترنان، والموضع العاشر هو قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الشعراء: 220]. ومما يَسوغُ افتراضًا أنَّ أكثر الأسماء ورودًا في آيات الأحكام ما دلَّ على الحكمة وما دلَّ على المغفرة؛ كأسماء: الحكيم والغفور والرحيم. ومن خلال الدراسة الموضوعية يمكن تأكيد صحَّة هذا الافتراض أو تفنيدها. ومن خلال الدراسة الموضوعية - كذلك - يمكن تحليل المواضع التي تبدو متشابهة موضوعيًا وقد خُتِمتْ بأسماءٍ مختلفة، وتهتمُّ الدراسة الموضوعية - كذلك - بالإجابة على مُشكل الفواصلِ المختومة بأسماءٍ حسنى وتوجيهها، كما في قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الممتحنة: 5]، وعلى لسان عيسى عليه السلام: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 118]، وفي قوله تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 44]، ونحو ذلك[6].

 

(3) الدراسة البلاغية: وتهتمُّ بإبرازِ أساليب البيان والبلاغة والبديعِ في ختم الآيات بالأسماء الحسنى، وهي - في تقدير الباحث - لم تحظَ بما تستحقُّه بعدُ.

 

(4) ربط الأسماء الحسنى بالجوانب التربوية والسلوكية: وذلك مبنيٌّ على الدراسةِ الموضوعيَّةِ. وهذا الجانب السلوكيُّ هو أفضل ما يُحقَّق به توحيد الأسماء والصفات. ومن أمثلة الموضوعات المقترحة في هذا الشأن: أثر الإيمان بالأسماء والصفاتِ في غرس خُلُقِ العفاف من خلال سورة النور– تحقيق توحيد الأسماء والصفات من خلال خُلُقِ الإنفاقِ: الحزب الأخير من سورة البقرة نموذجًا.... ونحو ذلك.

 

ولا شكَّ أن كثيرًا من الدراسات اهتمَّتْ ببعض هذه الأمورِ على تفاوُتٍ، وتحكُّمٍ في نطاق الدراسة وحدودها، غير أنَّ الدراسةَ التي تهتمُّ بكلِّ تلك الجوانبِ في نطاق القرآن الكريم كلِّه لم تكتبْ بعدُ. والله أعلم.

•••

 

(3)

يتبوَّأُ اللفُّ والنشرُ مكانةً واضحةً بين ضروب البديعِ في ختام الآيات الكريمة بالأسماء الحسنى المقترنة. ولابدَّ من الإشارة إلى أنَّ تطبيق مُصطلح اللفِّ والنشر يتفاوت فيه المفسِّرون؛ ولا يطَّردُ للمتوسِّعين في إيراده منهجٌ يدلُّ على حدود واضحةٍ لعبارة اللفِّ والنشر، ويلاحظ أنَّ بعض الأمثلة التي يُمثَّل له بها قد لا يتحقق فيها الإسنادُ أو التعلُّق بين الملفوف والمنشور بوضوحٍ؛ بل يمكن أن يستغني الكلام الأوَّل عن الآخر، ألا ترى أنَّ أكثر الآياتِ التي مثَّلوا بها لهذا النوع هي قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [القصص: 73]. والنشر قائمٌ فيها مقام المفعول له؟ وهذا منسجمٌ كلَّ الانسجام مع ما مثَّل به البلاغيُّون والبديعيُّون.

 

ثمَّ ترى البقاعيَّ يتوسَّع في إطلاق اللف والنشر؛ فيقول عند حديثه عن التناسب بين سورتي يوسف والرعد: «لما ختم التي قبلها [سورة يوسف] بالدليل على حقيقة القرآن، وأنه هدى ورحمة لقوم يؤمنون بعد أن أشار إلى كثرة ما يُحسُّونه من آياته في السماوات والأرض مع الإعراض، ابتدأ هذه بذلك على طريق اللف والنشر المشوش لأنَّه أفصح للبداءة في نشره بالأقرب فالأقرب»[7].

 

فيشير البقاعيُّ إلى أنَّ قوله تعالى ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الرعد: 1] راجعٌ إلى قوله تعالى في خاتمة سورة يوسف: ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111]، وتفصيله لبعض الآيات الكونية في الأرض والسماء في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد: 2 - 4] يرجعُ إلى قوله تعالى قبل خاتمة سورة يوسف بستِّ آيات: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [يوسف: 105].

 

وفي تقديري أنَّ العبارة عن هذا التناسبِ باللفِّ والنشر هي نوعٌ من التوسُّع.

 

ثمَّ ترى أنَّ العلّامة ابن عاشور وَصَف مثل هذا النوع من التناسب بـ( شِبْه اللفِّ والنشر)؛ إذ يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ [الزمر: 19] «وكلمة العذاب: كلام وعيد الله إياهم بالعذاب في الآخرة، ومعنى (حَقَّ) تحقَّقت في الواقع، أي كانت كلمة العذاب المتوعد بها حقًا غير كذب، فمعنى (حَقَّ) هنا: تحقَّق، وحقّ كلمة العذاب عليهم ضدّ هُدى الله الآخرين، وكونهم في النار ضد كون الآخرين لهم البشرى، وترتيب المتضادين جرى على طريقة شبه اللف والنشر المعكوس؛ نظير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 6، 7]؛ بعد قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 4، 5]؛ فإن قوله: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ [البقرة: 7] ضدٌّ لقوله: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 7] ضد قوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ »[8].

 

وقوله (شبه اللّفّ والنشر)؛ وإن لم يكن من قبيل الاصطلاح؛ فإنَّه يدلُّ على ما يُحسُّه ابن عاشورٍ من أنَّ هذا النوع من التناسبِ منشورٌ وَفْقَ ترتيبٍ معيَّنٍ يشبهُ ما هو موجودٌ في اللَّف والنشر، وإن لم يكن هو هو اللفّ والنشر الذي عَنوه، ومثَّلوا له بما مثَّلوا من القرآن والشعر.

 

ثم طبَّقَ ابن عاشور هذا المسلك عند تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم: 31]؛ فقال: «وجاء ترتيب التفصيل لجزاء المسيئين والمحسنين على وَفْقِ ترتيب إجماله الذي في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ﴾ [النجم: 30]؛ على طريقة اللفِّ والنشرِ المرتَّبِ»[9].

 

وهذه المناسبةُ المرتَّبةُ دعتْه عند تفسير قول الله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد: 27، 28]؛ ليقول: «والجمعُ بين الإخبار عنهم باتِّباعهم ما أسخط اللهَ، وكراهتِهم رضوانَه؛ مع إمكان الاجتزاء بأحدهما عن الآخر؛ للإيماء إلى أنَّ ضرب الملائكة وجوه هؤلاء مناسبٌ لإقبالهم على ما أسخط الله، وأنَّ ضربهم أدبارهم مناسبٌ لكراهتهم رضوانه؛ لأنَّ الكراهة تستلزم الإعراض والإدبار، ففي الكلام أيضًا محسن اللف والنشر المرتب»[10].

 

فاللفُّ والنشرُ إذًا ضربٌ من التقسيمِ؛ يتناسب فيه أجزاء الكلام الملفوف مع أجزاء الكلام المنشور؛ فتتشابَهُ الأطراف؛ قال القزويني: «ومن مراعاة النظير ما يُسمِّيه بعضهم تشابه الأطراف، وهو: أن يتمّم الكلام بما يناسب أولَّه في المعنى، كقوله تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103]؛ فإنَّ اللُّطف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبرة تناسب مَن يُدرك شيئًا؛ فإنَّ مَن يُدرك شيئًا يكون خبيرًا به»[11].

 

وقد جعل النسفيُّ هذه الآية من قبيل اللّفِّ والنشر[12]، فالمعنى: لا تدركه الأبصار لِلُطفه، وهو الخبير الذي يُدركُ الأبصار.

 

ثمَّ إنَّ عبارة (اللّف والنشر) قد توحي بأنَّ في الأطراف الأولى اختصارًا، وفي نسيباتها الأخرى إطنابًا، وليس بلازم؛ إذ إنَّ المقصودَ أنَّ الكلام في أوَّله ينقسم على معنينِ أو أكثر، ثمَّ يُختمُ الكلامُ بما يُناسب أوَّله؛ بحيث يعودُ كلُّ طرفٍ منه إلى نسيبه من المعاني المذكورة أوَّلًا؛ بغضِّ النظرِ عن: ما المختصرُ، وما المُطنَبُ؟

 

ألا ترى في المثال السابق أنَّ قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ قد جاء كالإجمال بعد التفصيل في قوله تعالى ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾؟

 

فلا يغبْ عن ذُكْركَ هذا التقريرُ فتبادرَ إلى القول بأنَّ بعض ما هو منسوبٌ لهذا الـمُحسِّن البديعيِّ ليس منه، فالمقصودُ مراعاةُ النظير وتشابهُ الأطرافِ.

•••


(4)

عَوْدٌ إلى علاقة الأسماء الحسنى المقترنة في ختام الآياتِ بمُحسّن اللفِّ والنشرِ؛ نقول: إنَّ هذه العلاقة تأتي على درجتينِ من الوضوحِ، أولاهما: أن يكون المعنى واضحًا، وتشابه الأطرافِ جليًّا؛ بحيثُ لا يتردَّد المتأمِّلُ في إسنادِ العلائق، وعَزْوِ النسائب. والثانية: أن يكون في الكلام دقائقُ لا تُدركُ إلا بمزيدٍ من التأمُّل، وإعمال الفكرِ في السياقِ.

 

فمن الأوَّل قولُ الله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1] وأخفى منه اللفُّ والنشرُ في قوله تعالى ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: 147] فقوله تعالى: ﴿ شَاكِرًا ﴾ يعود إلى قوله ﴿ شَكَرْتُمْ ﴾، وقوله تعالى ﴿ عَلِيمًا ﴾ يعود إلى قوله ﴿ وَآمَنْتُمْ ﴾؛ لأنَّ الإيمان الباطنَ لا يعلمه إلا الله، وقد يُظهر المرء عكس ما يبُطن، ويُفيد النَّظر في السياق ملاحظةَ أنَّ الآياتِ جاءت في سياق الحديث عن المنافقين، ثم في فَتْحِ باب التوبة لهم، وتلك التوبةُ لا تتحقَّق للمنافق إلا إذا تاب من نفاقه بتيقُّنِه أنَّ الله مُطَّلِعٌ على سريرته عليمٌ بذات صدره.

•••


ومن اللفِّ والنشر قوله تعالى ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 247].

 

ففي الكلام لفٌّ ونشرٌ من جهتين؛ الأولى: من جهة ردِّ نبيهم عليهم بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾، ثمَّ يُحتمل أن يكون تذييل الكلام من الله عزَّ وجلَّ بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾.

 

فمن جهة جواب نبيِّهم؛ فإن قوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ ﴾ ردٌّ على قولهم ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا ﴾ فإنهم استندوا إلى اصطفاء الجمهور إيَّاهم، فأجابهم بأنَّ طالوت أرجح منهم لأنَّ الله اصطفاه للمُلكِ، وقوله ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ ردٌّ على قولهم: ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ﴾، فأعلمهم نبيُّهم أنَّ الصفات المحتاج إليها في سياسة أمر الأمة ترجع إلى أصالة الرأي، وقوة البدن؛ لأنَّه بالرأي يهتدي لمصالح الأمة، لا سيما في وقت المضائق، وعند تعذُّر الاستشارة، أو عند خلاف أهل الشورى، وبالقوة يستطيع الثبات في مواقع القتال، فيكون بثباته ثباتُ نفوس الجيش، فالمراد بالعلم هنا علمُ تدبير الحرب وسياسة الأمة، ولم يأتِ على ذكر المال؛ لأنَّ الملك المظفَّر بالعلم والقوة يتوافر له المال بالنصر، ولأنَّ الملك ولو كان ذا ثروة، فثروته لا تكفي لإقامة أمور المملكة، ولهذا لم يكن من شرط ولاة الأمور من الخليفة فما دونه أن يكون ذا سعة، وقد ولي على الأمة أبو بكر وعمر وعلي ولم يكونوا ذوي يسار. وغنى الأمة في بيت مالها ومنه تقوم مصالحها، وأرزاق ولاة أمورها[13].

 

ثمَّ جاء تذييل الآية بقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾.

 

وفيه أيضًا لفٌّ ونشر ولكنَّه غير مرتب؛ فقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ كالتعليل لقولهم ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ ﴾ أي واسع الفضل والعطاء يوسِّع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر[14]، وفيه ردٌّ على قولهم ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ﴾ فكأنَّ المعنى: إنَّ الله واسعُ العطيَّة يبسط الرزق لمن يشاء إذا شاء، وما ترون عليه أنفسَكم من السَّعة التي تتطاولون بها على مَن اصطفاه الله ليست في سعة مُلك الله في شيءٍ، ثمَّ إنَّ المال الخاصَّ ليس من المقوِّمات الأساسية للمَلِكِ البشريِّ؛ فالناس تُساسُ بالعلمِ والعدل والحكمة أسلسَ مما تُساس بالمالِ، على أنَّ المال العامَّ هو الداخل في مقومات الملك والسياسة، وليس المال الخاصَّ بالمَلِكِ أو الوالي، وهم إنَّما قالوا هذا لقصورهم في معرفة سياسة الأمم ونظام الملك؛ فإنهم رأوا الملوك المجاورين لهم في بذخة وسَعةٍ فظنوا أن ذلك من شروط الملك[15]. وقوله تعالى: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ أي بمن يصطفيه للمُلك، وفيه ردٌّ على قولهم: ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ﴾ [البقرة: 247] فإنَّ الله أعلم حيث يجعل ملكه ورسالته. فجاء على طريقة اللفِّ والنشر غير المرتَّب. والله أعلم.

 

وأمَّا الحكمة من مجيء النشر على هذا الترتيب أنَّهم سألوا سؤالًا على سبيل الاعتراض ثمَّ شفعوه بمُسوِّغين لهذا الاعتراض: الأوَّل دعوى استقرَّت في أذهانهم حتى غدت من قبيل المُسلَّمات (ونحن أحقُّ بالملك منه)، والثاني تقريرٌ قام مقام الحجَّة والبينة (ولم يؤت سعة من المال)، وإن كان في حقيقة أمره شبهةً لا تثبت للنَّقد، ولـمَّا كان دحضُ هذا التقرير - بإثبات أهلية طالوت للمُلكِ - مُسقطًا دعواهم بأنَّهم أحقُّ بالملك منه؛ كان ردُّها أولى. وهم لو أصابوا لذكروا التقرير أوَّلًا: أنَّه لم يُؤتَ سَعةً من المال؛ لأنَّهم بصددِ نفي استحقاقه للملكِ بعد أن راجعوا نبيَّهم في طلبهم مَلِكًا يقاتلون معه، ثمَّ يأتي بعدُ إثباتُهم أنَّهم أحقُّ بالملك منه على سبيل الاقتراح، فلو كانوا نفوا استحقاقه للملكِ أوَلًا لساغَ أن يثبتوا لأنفسهم من مقوِّمات الملك ما ليس عنده، ويكون قولهم: ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ﴾ واقعًا من صَنعةِ الجَدَل موقعًا سليمًا، ولكنَّ تشوُّفهم إلى الملكِ جعلَ دعواهم استحقاقَه سابقةً لذكر مسوِّغات هذا الاستحقاق، فجاءت مشوَّشةً. وفي ردِّ الله - سبحانه وتعالى - عليهم إجابة عامَّةٌ لسؤالهم وهي كافيةٌ لدحضِ كلِّ ما جاءوا به، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى لم يترك لهم شبهةً فثنَّى بإبطال ما ظاهره الحجة التقريرية؛ بأنَّ طالوت ليس لديه من المال ما يؤهله للملكِ، ثمَّ عرَّض بجهلهم بذكر عِلمه مَن أحقُّ بالملك، وفيه اجتثاث لدعواهم، فأجابهم على منطقٍ مستقيم في صنعة الجدل.

 

وعليه؛ فلا يُقال: إنها جاءت هكذا لمجرَّد مراعاة الفواصل؛ إذ لو قال: (والله عليم واسعٌ) لـما تشاكلتِ الفواصل على نسقها، وقد اتَّضح أنَّه لو فُرِضَ استقرارها على رَصْف النَّظم ما استقامتْ على مواقعِ البيانِ إلا كما جاءت ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾. فتأمَّلْه فإنَّه نفيسٌ.

•••


ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 247].

 

ففي الآية الكريمة حثٌّ على التصدُّق من طيب الكسب وجيِّده، ونهيٌّ

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل