وقفات وتأملات في (مالك يوم الدين)

تفسير وتدبر سورة الفاتحة

وقفات وتأملات في الآية (مالك يوم الدين)

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

(مالك يوم الدين) آية مرتبطة ارتباطا وثيقا بما قبلها (الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم* مالك يوم الدين) هي داخلة في التعريف المطلق بالله سبحانه وتعالى الذي استعذت به من الشيطان الرجيم وافتتحت تلاوتك باسمه (بسم الله) وهو الرحمن الرحيم، صفته الرحمة سبحانه رحم العالمين جميعا ومن آثار رحمانيته أنه رحيم بعباده المؤمنين رحمة خاصة وهو رب العالمين سبحانه وهو المالك والملك ليس للدنيا وما فيها فحسب وإنما هو مالك يوم الدين وملك يوم الدين، فالحمد لله حمدا مطلقا على سائر صفاته وأسمائه وإنعامه...

(مالك يوم الدين) آية تبعث في القلب تعظيم الله تعالى على عظيم ملكه وتفرّده بالملك ومجازاة العباد كلهم أجمعين. وتبعث في القلب يقينًا راسخًا باليوم الآخر وأنه حق متحقق وأن البعث حق وأن الحساب حق لأن الله جلّ جلاله العظيم الإله الرب الرحمن العدل الملك المالك لا يمكن أن يترك خلقه هملًا بل هو سبحانه يجازي كل إنسان بعمله. وهي آية فاصلة تفرق بين المؤمن والكافر في الدنيا فإما أن يؤمن الإنسان باليوم الآخر وينضم لقافلة المؤمنين وإما أن يختار الكفر باليوم الآخر فينضم لزمرة الكافرين يصحبهم في الدنيا ويحشر معهم في جهنم وبئس المصير.. احسم موقفك أيها الإنسان من هذه الآية وأنت ما زلت في الدنيا...

(مالك يوم الدين) آية تشرح صدر المؤمن الطائع ويسعد بها لأنه كلما كررها يزداد إيمانه باليوم الآخر وأن الله تعالى سيجزيه على ما قدّم من عمل صالح (جزاء من ربك عطاء حسابا) فتكون الآية دافعًا له ليسعى ويجتهد للتزود من الخير والاستكثار من الطاعات لأنه مؤمن أن الله تعالى الذي يمجّده ويعظمه، الله الرحمن الرحيم رب العالمين هو الديّان المجازي بفضله وإحسانه الجواد الكريم يعطي الكثير على القليل ويعفو عن كثير ويعطي على الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ويزيد...

(مالك يوم الدين) مالك وملك يوم الجزاء والحساب للخلق أجمعين لا يفرّ من الحساب أحد ولو كان ملكا من ملوك الدنيا الذين كانوا يظنون أنفسهم في الدنيا ملوكًا جبابرة يتنازعون ملك الدنيا والسلطان غرورا واستكبارا وظلما للعباد إلا من رحم ربي..وإذا كان هذا حال ملوك الدنيا فما بال من هم دونهم ممن استبد بهم الكبر والغرور؟!! يومئذ الملك لله سبحانه وتعالى هو المتفرّد بالملك وحده.. يوم الدين لا مالك إلا الله ولا ملك إلا لله وحده سبحانه (لمن الملك اليوم)؟ (لله الواحد القهار) وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا الملك فأين المتكبرون؟!

(مالك يوم الدين) الله عز وجلّ هو ملك يوم الدين والكل في ذلك اليوم في صمت مطبق رهيب ينتظرون حكم العدل الحكيم وينتظرون الفصل بين الخلائق فلا حكم إلا حكمه سبحانه وتعالى يفصل بين الخلق بالحق والعدل ولا يتكلم أحد ولا حتى الملائكة المقربون ولا الأنبياء إلا بإذنه (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا)..

(مالك يوم الدين) آية ترسّخ في قلب المؤمن وهو يكررها 17 مرة في اليوم والليلة أن هذه الدنيا إنما هي رحلة محطتها الأخيرة في الآخرة موسم الحصاد فمن أحسن الحرث في الدنيا حسُن وطاب حصاده يوم الدين..

(مالك يوم الدين) آية لو استقرت في النفس لأقامتها على عتبة الإستعداد للرحيل إلى مملكة يوم الدين.. فاستحضر أيها العبد الذي تكرر هذه الآية 17 مرة على الأقل كل يوم استحضر أنك ستجازى وتحاسب على مثقال الذرّة فراقب حركاتك وأفعالك وأقوالك وخطواتك وانظر في أي كفّة من ميزان الحساب ستوضع؟

(مالك يوم الدين) آية تطمئن قلب المظلوم عندما يرددها كل يوم 17 مرة على الأقل لأنها تسكب في قلبه يقينًا أن الله تعالى العدل الحكم الذي يملك يوم الدين ويحكم يوم الدين ويفصل بين الخلق سيقتص له ممن ظلمه في الدنيا وسيفصل بينه وبين من طغى عليه وهضم حقوقه وسفك دمه وسرق ماله واستكبر عليه وأذلّه وهجّره وطرده من أرضه وحاربه في دينه وممن طفف الميزان وممن أساء إليه ولو بكلمة وممن أعان على قتله وأذاه ولو بشق كلمة لأن الله جل في علاه مالك يوم الدين وملك يوم الدين ولا يظلم أحد فتيلا ولا قطميرا ولا نقيرا.. فاطمئن أيها المظلوم لهذه الآية واجعلها بلسمًا لقلبك المقهور المظلوم ودواء يسكن آلآمك حتى يحين يوم الدين وكن على يقين أن الله جلّ جلاله الذي يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء لن يضيّعك ولن يبخسك حقًا هو لك عند أحد من خلقه...

(مالك يوم الدين) آية ينبغي للظالم أن يحفرها في قلبه وبين عينيه ويذكرها ويُذكَّر بها لتكون رادعًا له كلما همّت نفسه وغلبت عليها شهواتها أن تظلم أحدًا من خلق الله..آية ينبغي للظالم أن يوقن بها أنه كما يدين يُدان وأنه ما من ظلم يوقعه على أحد من خلق الله حتى البهائم إلا وهو محاسب عليه يوم القيامة فإذا كانت امرأة دخلت النار بقطة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض أفلا يحاسب ملك الملوك العدل الحكم سبحانه إنسانًا ظلم أخاه الإنسان سواء كان في بيته من زوج أو أولاد أو والدين أو كان في عمله من عمال وخدم أو في تجارته أو مؤسسته أو مدرسته أو تحت سلطته؟!! آية عظيمة رادعة زاجرة مذكّرة لكل ظالم فهل يرتدعون؟!!

(مالك يوم الدين) استحضر وأنت تكررها أيها العبد 17 مرة على الأقل أن الله تعالى الذي وصف نفسه بأنه مالك يوم الدين وملك يوم الدين يجيبك فقد جاء في الحديث القدسي: فإذا قال العبد: مالك يوم الدين، قال الله: مجّدني عبدي، وقال مرة: فوّضني عبدي... أنت تمجّد الله العظيم رب العالمين تمجده في ملكه وملكوته وتمجّده بصفاته وأفعاله وتمجّده بقضاه وعدله وتفوض له أمرك كله فهو حسبك ونعم الوكيل وهو ناصرك ومولاك نعم المولى ونعم النصير.. (مالك يوم الدين) دعاء منك لله، فإذا أجاب تمجيدك له وتفويضك له سبحانه أيبقى في نفسك أدنى ريب أنه لن ينصرك ولن يرحمك ولن يتفضل عليك بشتى أنواع النعم؟! وهل يبقى في نفسك ريب من أنك والخلق أجمعين تحت ملك الله تعالى المجيد الولي النصير الملك المالك؟! إذن اجعل تكرارك لهذه الآية (مالك يوم الدين) يزيدك إيمانًا راسخًا ويقينًا أنك وسائر الخلق تحت ملك الله في الدنيا وفي الآخرة فاستقم في أمورك كلها في بيعك وشرائك، في سلوكك ومعاملاتك، مع الكبير والصغير والقوي والضعيف ومع الخلق جميعا حتى البهائم والشجر والبحار والأنهار وحذار من أن تفسد في الأرض لأنك إنما تفسد في ملك الله وسيحاسبك عليه الله الملك الذي يملك السموات والأرض ومن فيهن وما فيهن جميعًا..إنك لن تخرج عن ملكه فالتزم الأدب ودرّب نفسك أن تمجّد الله الملك في خلقه فلا تطغى ولا تظلم ولا تفسد ولا تؤذي ولا تتعدى لأنك ستحاسب رغمًا عنك يوم الدين...

(مالك يوم الدين) سبحانه مالك اليوم الذي يجازي فيه بالعدل (يومذ يوفيهم الله دينهم الحق) جزاء أعمالهم بالحق والعدل لا يضيع عنده مثقال الذرة من العمل خيرا كان أو شرّا.. قال البخاري: الدين الجزاء من الخير والشر وكما تدين تُدان.

(مالك يوم الدين) هذا اليوم يوم عظيم وصفه الله تعالى في القرآن في مواضع عديدة (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين) (وما أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله) لن تحتاج لتعريفات ليوم الدين فالآيات واضحة مبيّنة له ولا أبلغ ولا أعظم من توصيف الله تعالى له فهو مالكه وملكه!...

(مالك يوم الدين) آية إذا استقرت في قلب العبد الذي يكررها ليل نهار فهل سنرى الظلم المنتشر بيننا اليوم؟! وهل سيعاني كثيرون من بخس الحقوق والتسلط والطغيان والقتل والغش والتحايل والكذب والخيانة والرياء والفسق والفجور واستباحة الأعراض والأموال والتخبط في الشهوات والانغماس في الملذات وقسوة القلوب وجفاف الأعين وقحط المشاعر وعدم الاتعاظ بالموت؟!!

(مالك يوم الدين) آية ينبغي لنا كل يوم أن نستحضرها في قلوبنا ونضعها نصب أعيننا لنتخذ القرار الحاسم في أمور كثيرة ما زلنا نعلقها في الهواء ونسوّف في تنفيذها متذرعين بشتى أنواع الحجج...فيا أيها المسلم المتردد في الصلاة إلى متى تتردد وأنت تقرأ (مالك يوم الدين) الذي ستُسأل فيه أول ما تُسأل عن الصلاة؟! ويا أيها الخائض في أعراض الخلق المسارع في اتهامهم بشتى أنواع الاتهامات إفكًا وزورًا وعدوانًا إلى متى تؤجل توبتك عن الغيبة والنميمة وسوء الظن وأنت تقرأ هذه الآية وتعلم أن يوم الحساب ستحبط كل أعمالك بسبب الغيبة؟! ويا أيتها المسلمة التي ما زلت تفكرين في الالتزام بحجابك الشرعي فتارة تقولي عندما أكبر وتارة عندما أتزوج وتارة حتى أنجب وتارة زوجي لا يرضى وتارة أنتظر حتى يهديني ربي! حاشا لله تعالى أن يحجب هدايته عن أحد من خلقه وهو الذي قال (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) كفاك حججًا تخفي وراءها اتباعًا لهوى نفسك بأن جمالك في شعرك!!! ماذا ستفعلين يوم الدين عندما تجدين أن هذه الشعيرات التي بعت بها دينك ستصبح هباء بلفحة من لفحات النار!!! ويا آكل الربا استحضر يوم الدين ويا أيها العاقّ لوالديك استحضر يوم الدين ويا أيها العاصي استحضر يوم الدين وتب إلى ربك قبل أن تبلغ الروح الحلقوم... هذه الحجج التي تتخذونها ذريعة في الدنيا تخدعون بها أنفسكم والخلق لن تقدروا يوم الدين على الإتيان بكلمة منها لأنه يومئذ لن يُسمح لأحد بالكلام إلا لمن أذن له الرحمن وقال صوابا...فلا حجج يوم الدين ولا تبريرات ولا تسويف!!!

(مالك يوم الدين) لما استحضرها عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل عندما شتمه رجل قال: لولا القيامة لأجبتك! وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنها: لولا القيامة لكان غير ما ترون، لكان بطش القوي بالضعيف أشد وظلم الظالم أعظم وهذا نراه للأسف في بلاد المسلمين ذلك لأن كثيرين إلا من رحم ربي ما عاد يستحضر يوم الدين وأعمت الدنيا بزخرفها وأضوائها الزائفة وشهواتها وشبهاتها، وأنفسهم أعمت بصائرهم وأبصارهم بكبريائها وغرورها وجحودها...

(مالك يوم الدين) آية عظيمة عزاء للمظلومين وبلسم للمجروحين وأمل للمحرومين لأنه عند الله الديّان سبحانه يجتمع الخصوم ويجزى كل إنسان بما قدّم ولن تطوى الصحف وينتهي الحساب قبل أن يشفي الله تعالى صدور قوم مؤمنين ويجازي كل مظلوم مستكبر جاحد طاغية لأن الله الملك مالك يوم الدين العدل لا يرضى لعباده الظلم لا في الدنيا ولا في الآخرة..

(مالك يوم الدين) كررها أيها المؤمن من صميم قلبك واستشعر معانيها من أعماق أعماقك تبعث فيك الأمل وعدم الياس والقنوط مهما ادلهمت عليك الخطوب ومهما وقع عليك من المظالم اطمئن فملك الملوك هو العدل الحكم الديّان فاصبر وارضَ وسلّم أن قضيتك عند من لا تضيع عنده الحقوق.. وامسح دمع عينيك وقلبك وداوِ أحزان فؤادك وضيق صدرك مرددًا كل يوم (الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين) احمد الله حمدًا مطلقًا لأنه أهل الحمد والمجد والثناء الحسن واحمد الله على هذه التذكرة اليومية لك (مالك يوم الدين) لتحاسب نفسك وتزن أعمالك وأنت في الدنيا فتخرج من الدنيا وليس لأحد عندك حق فتطيش كفة حسناتك فيدخلك الله تعالى برحمته وإحسانه وفضله جنات النعيم دون حساب ولا سابقة عذاب...

 (مالك يوم الدين) هي صرخة لضمائرنا وطرقة إيقاظ لقلوبنا كل يوم أن تذكّروا يوم الدين واخشوا من مالك يوم الدين وملك يوم الدين وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا...فتخيل وأنت تقرؤها كل يوم وفي كل صلاة أنك مسجّى في كفنك والناس تصلي عليك صلاة الجنازة واتّعظ أنك صائر إلى يوم الدين وأنك محاسب على الصغيرة والكبيرة وعلى الظاهر وعلى الخفيّ فاتق الله واستقم كما أمِرت...

قرآءة (مالك يوم الدين) بالألف الممدودة تدل على كمال التصرف ويوحي صوت الألف الممدودة بسعة ملك الله سبحانه وتعالى وقرآءة (ملك يوم الدين) بحذف الألف تدل على كمال سلطانه سبحانه وتعالى وتوحي كلمة (ملك) بدون الألف الممودة أنه مع عظيم سعة ملكه الله تعالى إلا أن ملكه كله تحت تصرفه فالأرض قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه جل في علاه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل