تفسير وتدبر (مالك يوم الدين)

تفسير وتدبر (مالك يوم الدين)

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 ذكر الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية:

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى, ويثيب ويعاقب, ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات, وأضاف الملك ليوم الدين, وهو يوم القيامة, يوم يدان الناس فيه بأعمالهم, خيرها وشرها, لأن في ذلك اليوم, يظهر للخلق تمام الظهور, كمال ملكه وعدله وحكمته, وانقطاع أملاك الخلائق.

حتى إنه يستوي في ذلك اليوم, الملوك والرعايا والعبيد والأحرار، كلهم مذعنون لعظمته, خاضعون لعزته, منتظرون لمجازاته, راجون ثوابه, خائفون من عقابه, فلذلك خصه بالذكر, وإلا, فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام.

وذكر د. محمد الربيعة في تفسير الآية من محاضرات دورة الأترجة القرآنية:

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) هذه الآية تُفيد أنّ الله سبحانه وتعالى له الملك وحده يوم القيامة، يوم الجزاء على الأعمال، في قراءة المسلم لهذه الآيات في كل ركعة من صلواته تذكير له باليوم الآخر، وحثّ له على الاستعداد للعمل الصالح والكفّ عن المعاصي والسيئات، لأنّك إذا قلت: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) تذكرت مُلك الله في ذلك اليوم وأنّه لا سبيل لك إلا الله – عز وجل - (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)

غرض هذه الآية هو بيان كماله سبحانه وتعالى مجداً وسلطاناً وقدرةً وتصرفاً للدلالة على كماله المطلق سبحانه وتعالى، ولهذا قال في الحديث: « فإذا قال العبد مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله تعالى: مجّدني عبدي » أي: عظّمني، إذا قلت: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فإنّك تُعظِمه في ملكه سبحانه وتعالى وقدرته وتصرفِه سبحانه وتعالى، وذكر وصف الملك بعد الربوبية والرحمة هو من باب المثاني، فإنّ الربوبية والرحمة دالّة على كمال لطفه ورعايته وإصلاحه للخلق، وصفة الملك دالّة على كمال تصرفه وقدرته وأمره ونهيه سبحانه وتعالى، وأيضاً فإنّ صفة الربوبية والرحمة داعية للرجاء والترغيب والتشويق للعبد، فأتبعها سبحانه وتعالى بصفة الملك الداعية إلى الترغيب والخوف، ليجتمع في قلب العبد الخوف والرجاء، وهذه كمال العبودية إذا اجتمع في قلبك الخوف والرجاء وبينهم المحبة فذلك هي كمال العبودية.

وذكر د. فاضل السامرائي بعض اللمسات البيانية في هذه الآية:

مالك يوم الدين:

هناك قراءة متواترة (ملك يوم الدين) بعض المفسرين يحاولون تحديد أيّ القراءتين أولى وتحديد صفة كل منهما لكن في الحقيقة ليس هناك قراءة أولى من قراءة فكلتا القراءتين متواترة نزل بهما الروح الامين ليجمع بين معنى المالك والملك.

المالك من التملك والملِك بكسر الميم (بمعنى الذي يملك الملك) .

وملِك بكسر اللام من المُلك بضم الميم والحكم (أليس لي ملك مصر). الملك هنا بمعنى الحكم والحاكم الأعلى هو الله تعالى.

المالك قد يكون ملكًا وقد لا يكون والملِك قد يكون مالكًا وقد لا يكون. المالك يتصرف في ملكه كما لا يتصرف الملِك (بكسر اللام) والمالِك عليه أن يتولى أمر مملوكه من الكسوة والطعام والملِك ينظر للحكم والعدل والانصاف. المالك أوسع لشموله العقلاء وغيرهم والملِك هو المتصرف الأكبر وله الأمر والإدارة العامة في المصلحة العامة فنزلت القراءتين لتجمع بين معنى المالك والملِك وتدل على أنه سبحانه هو المالك وهو الملِك (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) المُلك ملكه سبحانه وتعالى فجمع بين معنى الملكية والملك

*مالك يوم الدين، ولم يذكر الدنيا

سواء كان مالكًا أو ملِكا فلماذا لم يقل مالك يوم الدين والدنيا؟

أولا قال (الحمد لله رب العالمين) فهو مالكهم وملكهم في الدنيا وهذا شمل الدنيا.

(مالك يوم الدين) هو مالك يوم الجزاء يعني ملك ما قبله من أيام العمل والعمل يكون في الدنيا فقد جمع في التعبير يوم الدين والدنيا وبقوله يوم الدين شمل فيه الدنيا أيضا. 

*قال يوم الدين ولم يقل يوم القيامة

الدين بمعنى الجزاء وهو يشمل جميع أنواع القيامة من أولها إلى آخرها ويشمل الجزاء والحساب والطاعة والقهر وكلها من معاني الدين وكلمة الدين أنسب للفظ رب العالمين وأنسب للمكلّفين (الدين يكون لهؤلاء المكلفين) فهو أنسب من يوم القيامة لأن القيامة فيها أشياء لا تتعلق بالجزاء أما الدين فمعناه الجزاء وكل معانيه تتعلق بالمكلّفين لان الكلام من أوله لآخره عن المكلفين لذا ناسب اختيار كلمة الدين عن القيامة.

*قال مالك (يوم)

واليوم لا يُملك إنما ما فيه يملك والسبب لقصد العموم ومالك اليوم هو ملك لكل ما فيه وكل من فيه فهو أوسع وهو ملكية كل ما يجري وما يحدث في اليوم وكل ما فيه ومن فيه فهي إضافة عامة شاملة جمع فيها ما في ذلك اليوم ومن فيه وأحداثه وكل ما فيه من باب المِلكية (بكسر الميم) والمُلكية (بضم الميم) .

اقتران الحمد بهذه الصفات (الله، رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين) أحسن وأجمل اقتران.

(الحمد لله) فالله محمود بذاته وصفاته على العموم والله هو الاسم العلم.

ثم محمود بكل معاني الربوبية (رب العالمين) لأن من الأرباب من لا تُحمد عبوديته

وهو محمود في كونه رحمن رحيم، محمود في رحمته لان الرحمة لو وضعت في غير موضعها تكون غير محمودة فالرحمة إذا لم توضع في موضعها لم تكن مدحًا لصاحبها، محمود في رحمته يضعها حيث يجب أن توضع

وهو محمود يوم الدين محمود في تملكه وفي مالكيته (مالك يوم الدين) محمود في ملكه ذلك اليوم (في قراءة ملك يوم الدين)

فاستغرق الحمد كل الأزمنة لم يترك سبحانه زمنًا لم يدخل فيه الحمد أبدًا من الأزل إلى الأبد

فهو حمده قبل الخلق (الحمد لله) حين كان تعالى ولم يكن معه شيء قبل حمد الحامدين وقبل وجود الخلق والكائنات استغرق الحمد هنا الزمن الاول

وعند خلق العالم (رب العالمين)

واستغرق الحمد وقت كانت الرحمة تنزل ولا تنقطع (الرحمن الرحيم)

واستغرق الحمد يوم الجزاء كله ويوم الجزاء لا ينتهي لأن الجزاء لا ينتهي فأهل النار خالدين فيها وأهل الجنة خالدين فيها لا ينقضي جزاؤهم فاستغرق الحمد كل الأزمنة من الأزل إلى الأبد كقوله تعالى (له الحمد في الاولى والآخرة) فهذه الآيات جمعت أعجب الوصف.

ومما ذكره د. حسام النعيمي في برنامج لمسات بيانية عن هذه الآية:

الدين من الألفاظ المشتركة في القرآن الكريم فهي تأتي بمعنى الطاعة والإسلام والحساب والجزاء فما اللمسة ‏البيانية في إختيار الدين؟

اختيار كلمة (مالك يوم الدين) لم يقل القيامة أو الجزاء. هذه اللفظة لها معاني كثيرة كلها مرادة لو قال مالك ‏يوم القيامة يكون التصور هو قيام الناس من قبورهم لا يكون فيه معنى المحاسبة، معنى الجزاء، معنى إدخال ‏الجنة، معنى إدخال النار ولا يكون فيه معنى الطاعة والإلتزام ولا يكون فيه معنى الإعتقاد أن الدين الذي هو ‏الإعتقاد ويعني هذا يوم الإعتقاد السليم. هذا يومكم هذا يوم الدين الذي يبرز فيه الدين ويتعالى فيه الدين. كل ‏هذه المعاني مرادة ولو ذكر أي لفظ منها تغيب معاني الألفاظ الأخرى.‏

كلمة الدين:قد يقول قائل لماذا لم يقل مالك يوم القيامة؟ أو يوم الحساب أو يوم الحشر؟ قلنا إن كلمة الدين تضم كل هذه المعاني فالدين الحساب، الدين الجزاء، الدين المِلك ومنه سُميت المدينة أي المملوكة لأن عموم الأرض عادة غير مملوكة فلما تملك هذه الأرض وتبني ويصير فيها ملك فسميت مدينته أي القطعة المملوكة التي يملكها الناس. ومنه الدين الإعتقاد أو العقيدة لو وضع أي كلمة أخرى لا تسد مسد كلمة الدين لأن الدين شاملة لكل هذه الأمور فهو يوم الحساب وهو يوم الجزاء وهو يوم الدين نفسه يوم العقيدة يوم بروز وظهور وانتصار الإعتقاد وكل هذه المعاني. لذلك نقول ليس هناك شيء يسد مسد لفظة الدين. وهو العادة والشأن (يقولون دينه وديدنه) كل هذه المعاني تجمع في هذا اليوم.

تبقى كلمة يوم:في التطور الدلالي الآن صار عندنا اليوم يمثل 24 ساعة وهذا ليس من كلام العرب. الأصل في كلام العرب أن اليوم هو النهار فإذا قالوا ثلاثة أيام يعني ثلاثة نهارات ومنه قوله تعالى (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما). هذا معناه أن الحساب سيكون في ظرف ليس كظرف حياتنا الآن لأن نحن الآن إلفنا دوران الأرض فيكون ليل ونهار وهذا ينظر في قوله تعالى (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات) فالحساب في يوم يعني قياسها وكم يطول هذا النهار؟ في الآية الكريمة في سورة المعارج يقول تعالى (تعرج الملائكة والروح إليه في سوم كان مقداره خمسين ألف سنة) فذلك اليوم في طوله بعض المفسرين يقول: هذا طوله على الكافرين هكذا يكون وممكن يكون طوله يحسب ما نعدّ نحن عاماً للناس جميعاً لأن الإنتظار يطول حتى أن بعض الواقفين في هذا الموقف يقولون: ربنا أنقذنا من هذا ولو إلى النار لشدة الكرب وفي هذا الوقت يكون هناك أصناف من الناس في ظل ظليل كما حدّث الرسول r لا يشهدون هذا العنت " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق، اخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه" رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين يذكرنا بقصة يوسف u الذي رأى برهان ربه يعني معرفته بالشريعة. هؤلاء السبعة يكونون منعمين في ظل ظليل. فاليوم إذن نهار، كيف يكون هذا النهار؟ ما طوله؟ لا يكون هناك ليل يسكنون فيه ليس هناك سكون. هذا موجز.

 

خصّ تعالى يوم الدين بالذكر مع كونه مالكاً للأيام كلها فلماذا لم يقل مالك يوم الدين والدنيا؟ الذي يملك هذا اليوم  في يوم الجزاء، يوم المحشر هو يملك كل شيء ويملك كل ما في ذلك اليوم. لما يقول ملك اليوم يعني ملك اليوم وما فيه. الزمن هذا بذاته لا فائدة من مِلكه. أن نملك زمناً وكيف نملك الزمن؟ لكن هذا أمر الله تعالى يملك الزمان والمكان وما في الزمان وما في المكان فملكه سبحانه وتعالى عام. لا حاجة لذكر الدنيا لأنه من باب أولى إذا ملك يوم الدين وملك الحساب فهو يملك كل شيء.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل