تفسير سورة الأحزاب - المجلس الأخير - د. محمد بن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة الأحزاب - المجلس الأخير

د. محمد بن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

 لا زال الحديث موصولاً عن الآيات الكريمات من سورة الأحزاب و عند قول الله I (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45)) وهذا النداء الثالث للنبي e من النداءات في هذه السورة وكما سبق أن بيّنا أن هذه السورة افتتحت بالنداء للنبي e ولا زالت أيضاً يتكرر هذا النداء. فهذا النداء كان النداء الأول متعلقاً بذاته e والنداء الثاني متعلقاً بأزواجه وهذا النداء الثالث أوصافه للتنويه بشأنه e فقال الله عز وجل ناداه بهذا النداء ولم ينادي النبي e باسمه نودي بقية الأنبياء بأسمائهم وإن كان النبي أُخبر عنه إخباراً باسمه لكن لم ينادي e باسمه إنما نودي بـ(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) و(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ). قال الله عز وجل في هذه السورة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46))، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا) ومعلومٌ أن النبي e شاهد قال الله عز وجل (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42))[النساء] ولذلك لما قرأ ابن مسعود على النبي e افتتح سورة النساء ثم قرأ فوصل إلى هذه الآية قال النبي e «حسبُك، حسبُك» فنظرتُ إلى النبي e فإذا عيناه تذرفان من الدموع لأنه استشعر هذه الشهادة على هذه الأمة (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ). وأيضاً قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45)) ولاحظوا أنه أيضاً مبشِّر عليه الصلاة والسلام وقُدِّمت البشارة في دعوته e على النذارة وهذا الكثير من حاله e والأكثر وإن كان الأنبياء يختلفون فبعض الأنبياء كنوح عليه السلام الأكثر من حاله النذارة والأكثر من حال نبينا e البشارة ولذلك ينبغي أن نتأسى بذلك فأن نبشِّر قبل أن نُنذر وإن كان الأمر مطلوباً يعني حتى للدعاة الذين يأتون يبشرون أيضاً وينذرون لكن تقديم البشارة على النذارة ذكر أهل العلم في التفسير أنها دلالة على أن التبشير مقدّم وأنه الأكثر من حاله e. أيضا نأتي إلى قوله سبحانه وتعالى (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ) ولاحظوا أن هذه الدعوة وُصِفت بأنها إلى الله وأيضاً وُصِفت (بِإِذْنِهِ) فهي دعوة إلى الله يعني خالصة لله عز وجل لا يدعو لأشخاص ولا لأحزاب ولا لأمر يخصه في خاصة نفسه إنما يدعو إلى الله (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ) فالله عز وجل يُثني عليه بذلك (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ). أيضاً وليس هذا الدعاء من نفسه لم ينطلق مخلصاً من نفسه إنما كان بإذن الله وبأمر الله وهذا يشير أيضاً أن كل ما يأتي من عند النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو من عند الله وبإذن الله ومنها هذا الأمر وغيره من الأحكام التي جاءت. ولذلك ينبغي للداعي إلى الله U أن يتمثل هذه الشهادة وكذلك البشارة والنذارة والدعوة الخالصة لله عز وجل والتي تكون على طريقة الله وطريقة رسول الله e أن يسير ولذلك العلماء نصوا دائماً ونكرر ذلك في كل أحوالنا في دعوتنا وفي عباداتنا وسائر أحوالنا أن العمل المقبول لا بد له من الشرطان الرئيسان: شرط الإخلاص وشرط المتابعة للنبي e. ثم قال I (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ) والوصف الخامس (وَسِرَاجًا مُنِيرًا) أن النبي e سراج وليس أيُّ سراج بل سراج يتوهج ويضيء وهذا من الثناء على النبي e لأن الإنارة لا بد من الإضاءة ولذلك يقول بعض المفسرين ووصفه بالإنارة لأن من السُرُج ما لا يضيء إذا قل وقوده وزيته ودقّ فتيله وأما النبي e فالله U أخبر أنه "سراجاً منيراً".

ثم قال سبحانه وتعالى أيضاً في حال النبي صلى الله عليه وسلم وأمره (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) قال وهذا من بشارته بعد أن وصفه بهذه الأوصاف الخمس (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ)، وبشِّر المؤمنين ثناء على المؤمنين قبل أن يبدأ بالأمر بعدم إطاعة الكفار والتحذير من المنافقين فأمر بتبشير المؤمنين. (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47)) وثواب الأعمال يعني ليس فقط العمل إنما الأجر في الآخرة هو زائد على ما عملوه فضلاً من الله فقال الله عز وجل (بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا) الفضل الزيادة ثم وُصِف هذا الفضل بأنه كبير فهو تفضلٌ من الله زائدٌ على ما عملوه وأيضاً كان بالكبير ولذلك أيضاً بيّن في آيات أخرى عندما قال الله عز وجل (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22))[الشورى].

ثم جاءت الآية شبيهة هذه الآية الثامنة والأربعين شبيهة بالآيات الأول في صدر السورة عندما قال الله عز وجل في أول السورة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3)) كرّر أيضاً في هذه السورة في ثناياها وفي منتصفها قال الله عز وجل (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48)). كما قال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) قال في الآية الثانية (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48)) وقال هنا في آية واحدة تأكيداً على هذا الأمر (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ) مشكلة -وأرجو أن نلتفت إلى ذلك- مشكلة كثير من الذين قد ينحرفون في باب إطاعة الكافرين والمنافقين أنهم يتأوّلون فقيل للنبي e وهو يعالج هذا الأمر الخطير وهو يعالج هذه الأمور التي اعتاد عليها أبناء وقته فقيل لهم (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48)) فتكررت هذه مع تلك بهذه الصراحة وهذه الشدة فقال الله U (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ) والمراد بـ"دع أذاهم" قال أهل العلم أي لا تعاقبهم وهذا قول وإن كان الأقل من قول المفسرين وقيل أيضاً يعني عدم الاكتراث وعدم الاهتمام وهذا قول الكثير من المفسرين ولذلك قال الله (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ) [الصافات].

ثم قال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ) ولعل مناسبة مجيء هذه الآية التاسعة والأربعين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)) ما جاء من قصة وتطليق زيد. وعموماً هذه الآية في سورة الأحزاب جاء قبلها أيضاً ما جاء في سورة البقرة عندما قال الله عز وجل (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)) وقال أيضاً في الآية التي بعدها بآيات قال (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)) وقال في هذه الآية وهي أصلح وأدل على من قال بالوجوب في مسألة متاع المطلّقة التي لم يُدخَل بها لأن المطلقات إما أن تكون مطلّقة مدخول بها مفروض لها أو مطلّقة لم يدخل بها وفُرِض لها أو مطلقة لم يُدخل بها ولم يُفرض لها فهذه أنواع المطلقات فقال الله عز وجل في المطلّقة التي دُخل بها وفُرض لها قال (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)[البقرة:229] ثم قال أيضاً في المطلّقة (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ)[البقرة:237] لم تمسوا وفرضتم فهذه (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) عليك النصف أما لو طلّقت لكنك لم تدخل ولم يُفرض فهذا عليك على قول بعض أهل العلم الوجوب وعلى قول بعضهم بالندب من خلال هذه الآية وهذه الآية قوية في مسألة وجوب المتعة. وقال ابن عباس: المتعة أعلاها كأن يمتعها بخادم وأقلّها كأن يمتّع بثلاثة أثواب والله عز وجل قال (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) يعني حسب حال الإنسان من الغنى والتوسط والفقر في مسألة المتعة وإن كانت لا يُحكَم بها قضاءً إن كانت كما يقول شريح يقول: كنت أقول بالوجوب لولا أني لم أرى أحداً قال بالوجوب في ذلك لم يحكم بذلك حكماً. إذاً هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ) ويفاد من قول الله I (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ) يفاد من الآية أن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ) أن معنى نكحتم انتبهوا لهذه المسألة مسألة النكاح في الشرع يطلق على مجرد العقد ولذلك قال الله سبحانه وتعالى (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ)[البقرة:221] مجرد العقد لا يجوز العقد على المشركة ليس المراد الوطء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ) دليل أنه لا يراد بها الوطء لأن الله عز وجل قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) فكونه قال لنا (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) يدل على أنها لم تُمس ولم يُدخل بها ومع ذلك تم النكاح هنا في العقد ولذلك في مصطلح الشرع نعم، في مصطلح اللغة الوطء، لكن في مصطلح الشرع المراد بالنكاح (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ). إذا نكحتم المؤمنات وغير المؤمنات؟ هذا خرج مخرج الغالب حتى لو نُكحت غير من أهل الكتاب فحكمها نفس الحكم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ) يدل على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، الصحيح من ظاهر الآية أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح ولذلك لو قال واحد إن تزوجت بفلانة فهي طالق نقول ما وقع لأن الله عز وجل يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ) ثم طلقتم فما يُعدّ طلاقاً إلا أن يسبقه نكاح. وقال (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) ولماذا لم يصرِّح؟ القرآن هنا يكني حتى يعلم الناس الأدب الآيات في هذا الباب وأنه المسيس ولذلك جاء المسّ في قول مريم (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)[آل عمران:47] والمسّ المراد به هنا وفي كثير من الآيات المراد به الجماع. (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ) (فما لكم) إضافة لكم يعني أنه حقكم لأنه حقكم لأنه حقك تراجعها في هذه الفترة أنت ليس لك حق في هذا وحقك في حفظ النسب (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) يعني هي لا تعتدّ لأنها طُلِّقت ولم تُمَسّ، إذن ما المطلوب منا في هذه الحال لم يفرض لها ولم يدخل بها؟ قال (فَمَتِّعُوهُنَّ) لماذا نمتعهن ما دام لم يحدث شيء؟ نقول جبراً لخواطرهن لما تعلّقن به فإذا أهديت لها هدية ومتعتها بحسب قدرتك وسعتك وتوسطك قال الناس إنما استخار الله ولم يسمع عنها شيئاً أما إذا تركتها بدون هذه المتعة من الله عز وجل ولذلك ينبغي كما قال الله عز وجل (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236))[البقرة]، (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241))[البقرة] ينبغي أن نكون من المحسنين ومن المتقين ولذلك قيل للإمام أحمد جاءه شخص أمره بأن يُمتِّع فقال كن المحسنين فأبى قال كن المتقين فأبى قال لا خير فيك لا من المحسنين ولا من المتقين!. فينبغي حتى على كل المطلقات إلا كما قيل أنه إلا المطلّقة التي فُرِض لها النصف وإلا ينبغي أن يكون هذا ديدن المطلقين ولذلك حتى في السراح (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)) إذاً قال الله عز وجل فطلقوهن وأيضاً في التسريح ينبغي أن يكون هذا التسريح تسريح جميل بكلمات طيبة وبعدم الاضرار بهن أو النطق بأمر يسوؤهن إنما يكون هذا التسريح كما قال الله (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)[البقرة:229] بل سمى هذا التسريح (سَرَاحًا جَمِيلًا (49)).

ثم عاد في الآيات مرة أخرى لبيان بعض أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله U (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) إلى آخر الآية. إذاً هذه الآية تشير أن النبي e أُحِلّ له هذه الأنواع وذكر أن أوتين الأجور وكان النبي e يعطي كل زوجة من زوجاته اثنا عشر ونصف أوقية يعني مجموعهم خمس مئة درهم إلا زينب فإنه أصدقها عنه النجاشي بأربع مئة دينار وإلا كان هكذا زوجات النبي e وكان النبي لا يدخل عليهنّ حتى يؤتيهن الأجر وقال العلماء هذا في الدلالة على فضل إيتاء الأجر كاملاً (اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) وأيضاً (وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) وكان النبي e حتى بالنسبة للنساء كجويرية وصفية اللآتي أخذهن بالسبي إنما كانت من الفيء ولم يكن يشتري e وهذا يدل على أنها فعلاً لا شبهة في مُلك اليمين فيها. ثم أيضاً أباح له، الله عز وجل خصص هذه كان النبي مفتوحاً له الزواج ثم جاء الخصوص بأن أباح له النبي e تلك النساء التي عنده اللآتي آتى أجورهن وكذلك بنات العم وبنات الخال ومما أفاء الله عليه ومن وهبت نفسها للنبي e مع أن الواهبات للنبي كثير ذُكِر أكثر من أربع واهبات أنفسهن للنبي e وكان رخصة للنبي e أن يتزوجهن ولكن النبي e لم يأخذ ذلك.

ثم قال I بعد ذلك (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) وهنا الآية نحب أن نقف معها وقفة يسيرة عندما قال الله U (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) والإرجاء هنا اختُلف في هذه الآية بكُلِّها عندما قال الله عز وجل (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) إذاً (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) يعني هذه رخصة للنبي e كما يقول القرطبي: اختلف العلماء وأصحُّ ما قيل فيها التوسعة على النبي e التوسعة في ترك القَسْم يعني وُسِّعَ على النبي e وهذا هو القول المناسب لما مضى وهو الثابت في الصحيح عن عائشة تقول: كنت أغار على اللآتي وهبن أنفسهن ولذلك تقول: ما أرى ربك إلا يُسارع في هواك. وقيل أن القَسْم كان واجباً عليه e ثم نُسِخ بقول الله (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) يعني تؤخّر وتؤوي، وهذا هو الصحيح في معنى الآية ولكن قد يُشكل في الآية (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ) فما الذي قرّت أعينهن زوجات النبي؟ قرّت إذا علمنا أنهن لن يطلّق لأن الآيات تأتي أنه لا يطلق إذا علمنا أنه e لن يطلق وأنه لن يتزوج عليهن إلا بهذا المسموح به وأن هذا حكم الله U أنه لم يُلزَم النبي e بالقَسْم فيقتنعنَ أن هذا أمر الله U أنه أمر الله وكذلك أنه من اعتزلها يمكن له أن يردّها إلى فراشها.

ثم قال I بعد ذلك (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ) يعني هنا أيضاً حُصِر النبي e في هذه الأنواع ومُنِع كذلك أن يبدّل لو رغب عليه الصلاة والسلام أن يبدّل زوجة يطلقها أو يبدّلها فمُنِع النبي e ولو حتى كانت المراد أخذها حسنة (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ) وفي هذه الآية أشار بعض أهل العلم إلى جواز النظر للمخطوبة لأنه لا يتبين حسنها من عدم الحسن إلا بالنظر. وقيل أن الله I لما قال (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) هذا تكرمة للنبي e وتكرمة لزوجاته لأنهن امتثلن في الاختيار، اختاروا الله ورسوله والدار الآخرة لما خيّرهن النبي e.

نأتي بعد ذلك سريعاً إلى الآية وهي الأدب في بيت النبي e عندما قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ)، (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) هذه الآية الحقيقة نحب وأرجو أن نلتفت إليها ونتأمل فيها لأن فيها من الفوائد واللفتات سواء ما يخص النبي صلى الله عليه وسلم أو ما يخص الأمة من بعده فقال الله U في هذا النداء لأهل الإيمان (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) وهذه تسمى آية الحجاب (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) ويدل على أنه لا بد أن يؤذن لكم يعني الإذن الدعوة ثم أيضاً الإذن. (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ) يقول ابن كثير: لما بيّن أدب النبي e وبُيّن أدبه مع أزواجه ذكر أدب الأمة معهنّ. وكما يقول في سبب نزول هذه الآية أنس كما في صحيح البخاري يقول: لما تزوج النبي e زينب بنت جحش، تزوجها عليه الصلاة والسلام ووضع وليمة لذلك دخل الناس يأكلون ثم تأخر البعض منهم ثم ذهب النبي لبعض حجراته وبعض أزواجه يسلم عليهم ثم رجع يحسب أنهم بقوا ومكث بعضهم قيل ثلاثة من الصحابة لم يخرجوا ثم رجع مرة أخرى ثم ذهبوا وانصرفوا فنزلت آية الحجاب. والنهي يشمل من دخل بغير دعوة وبمن دخل بعد الدعوة ولكنه منتظر للطعام لأنكم تأملوا في الآية يقول الله I (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). إذاً الآية هنا وأرجو أن نلتفت إليها عندما قال الله عز وجل (لَا تَدْخُلُوا)، (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ) منتظرين لهذا الطعام أي أنتم غير ناظرين في هذا الطعام منتظرين أن يجهز هذا الطعام. (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا) ويقول بعض أهل العلم أن هذه الآية هي آية أو كما قيل الحجاب وقال بعضهم هذه آية أدّب فيها الله عز وجل أدّب فيها الثقلاء أو يسمون الفضوليين أو الطفيليين وقد ألّف بعض أهل العلم مؤلفات في بيانهم ويقول ابن أبي عائشة: حسبُك من الثقلاء أن الشرع لم يتحملهم. يعني هذه الآية (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا) لاحظوا (إِذَا دُعِيتُمْ) لا تنتظر حتى، يعني الأصل أن تُدعى وأن تأتي في وقت مناسب لأن هذا كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم (فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا) هنا أيضاً بعد أن بيّن الأدب في مسألة الطعام وهذا ينبغي أن نلتفت إليه أننا في الطعام أن يأتي المدعو ولا ينتظر إلا إذا رغب المضيف أن يأتي في وقت أو قريب بعد أن يُدعى قريب من وقت جاهزية هذا الطعام ثم إذا طعِم أن ينتشر ولذلك قال الله (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) حتى ما بيّن حال صاحب الحديث ليبين أنك تستأنس بالحديث لكن قد هذا يُثقل على المضيِّف ولذلك (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ) والاستئناس هنا قد يستأنس الإنسان بالحديث مع الغير وينسى أن صاحب الدار له حق وكذلك النبي e. ثم قال بالنسبة لأزواج النبي بعد أن نزلت آية الحجاب (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) حتى أن بعض المفسرين قال مُنِع أن يُرى كَسْم أمهات المؤمنين يعني لا يرى ليس فقط الحجاب المعروف حتى يكون هذا أيضاً ممنوع من هذا وهنا ننتبه لمسألة (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ) انتبهوا لمعنى (أَطْهَرُ) يعني المراد به هو قلوبهم طاهرة القلوب طاهرة لكنها تزداد طهارة، قلوبهم طاهرة (أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) هم قلوبهم طاهرة لكن هذا الامتثال لهذا الأمر يزيد من طهارة هذه القلوب انتبهوا إلى قضية ليس معناها أن في قلوبهم شيء إنما قال ولذلك إذا أُمر هؤلاء الفضلاء من الصحابة ومع تلك الفاضلات الأمهات الفاضلات أن يقال يُمنع الاختلاط معهنّ وينادين ويتحدث معهن من وراء حجاب وهذا أطهر فهذا أيضاً كلما كانت المرأة أبعد عن الرجال كلما كان أطهر ولذلك النبي e في قصة فاطمة عندما عقد لها على عليّ ما كان منها إلا أن بعد أن تعرّض لها علي وكان زوجها لكنها (كلام غير واضح) وكان يسأل فاطمة من خير النساء يا فاطمة؟ تقول فاطمة ثم يسألها مرة أخرى ثم لما تعرض لها عليّ كانت تقول خير النساء من لا ترى الرجال ولا يراها الرجال ولذلك كلما زادت المرأة احتجاباً كلما كان أقوى وأطهر لقلبها.

ثم قال I (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ) يعني أنكم ما يقع من الالتزام بهذه الأوامر في الظاهر والباطن (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54)).

ثم قال بعد ذلك (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ) بعد أن منعهن من الحديث مع الرجال إلا من وراء حجاب يعني أشكل عليهن فنزلت (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ) يعني أن هؤلاء لا يحتجب منهم. وأيضاً قال في أثناء الآية (وَاتَّقِينَ اللَّهَ) أيضاً لا تتجاوزن في الحدود الشرعية يعني لا تتساهلن في مسألة التقوى مع هؤلاء المحارم يعني أيضاً ينبغي للمرأة أن تراعي مثل هذا الأمر.

ثم بعد أن بيّن ما حقوق النبي e وحقوق أزواجه جاءت الآية (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) تبين أيضاً هذه الآية أنه لا تكتفوا فقط لا تكتفوا أنكم لا تؤذون النبي e في نفسه أو في أزواجه، لا، إنما يكون عندكم مرتبة أعلى من ذلك من الإكرام والتوقير الدائمين فقال الله U آمراً عباده وقدّم بهذه المقدمة وبالثناء وبالتأكيد (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) المقصود (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) والنبي e قال «من صلّى عليّ صلاة واحدة e بها عشرا» وقال عليه الصلاة والسلام «أبخل الناس من ذُكِرت عنده فلم يصلي عليّ» وفي رواية «البخيل من ذُكِرت عنده فلم يصلي علي» ولذلك العلماء قالوا بعضهم قال أنه كل ما ذُكِر النبي e يجب وجوباً الصلاة عليه قيل بعضهم قالوا في المجلس الواحد وبعضهم قال أن هذا على الوجوب ولو مرة. فينبغي لأهل الإيمان أن يحرصوا على هذه الصلاة فإن الله U (وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ) والصحابة رضوان الله عليهم قالوا للنبي e: عرفنا كيف نسلِّم عليك فكيف نصلّي عليك؟ قال «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد».

ثم بعد ذلك قال الله I (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) هذا تعريض بالمنافقين الذين كان منهم من الأذى كما وقع في قصة الإفك وكما وقع أيضاً في هذه القصة (لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)) فوقعت منهم الإهانة فالجزاء من جنس العمل فأهانهم الله.

ثم قال سبحانه وتعالى ليس فقط إيذاء النبي e إيذاء الله وإيذاء الرسول حتى إيذاء الله كيف يقع؟ (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ) إيذاء الله كما جاء في الحديث «يسبني ابن آدم ويؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر وأنا الدهر» يعني تجد بعض الناس يا تعاسة هذا اليوم! يسبّ الأيام، يسبّ الدهر وهذا من الإيذاء لله عز وجل والإيذاء للرسول e كذلك في صوره من البقاء والإثقال عليه - عليه الصلاة والسلام - وغير ذلك من الأمور التي نهت الآيات عنها. وكذلك أيضاً حرّم الله U إيذاء المؤمنين (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)) أيضاً يؤذون أهل الإيمان وكما قال بعض أهل العلم عند هذه الآية عندما قالوا إن هذه الآية يعني إذا كان هذا سبّ آحاد المؤمنين عندما قال الله I (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا) طبعاً في (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) لم يرد مسألة الاكتساب لأنها معلومة إنما جاءت هنا (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ) يعني له شبهة أنه لو وقع شيء من الإيذاء من المؤمن فآذيته قد يكون لك لكن (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا) قال الله عز وجل (فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)) كما قال في آية أخرى (فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20))[النساء] والبهتان هو أن تقول الشيء وهو لم يقع والإثم المبين هو أن تبالغ في السبّ والأذية لهذا المؤمن وهذا إذا كان سب آحاد المؤمنين يوجِب التعذيب فكيف بسبّ حال من تعلو مكانته؟ فكيف بحال من يسب أصحاب النبي e؟!.

ثم قال I (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)) وهنا أيضاً نداء للنبي e ومن آخر النداءات له e (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) يعني ابدأ بنفسك (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ) ثم عمّم ذلك ولذلك الداعية ينبغي أن يحرص على نفسه ثم يحرص على من تحت يده ثم يحرص أيضاً على عموم أهل الإيمان. قال (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ) تقريب والجلباب هو زائد على الخمار هو ملحفة توضع على الخمار ولذلك يقول ابن سيرين وابن عباس يقول كانت المرأة تخرج وقد أبدت عيناً واحدة ملتحفة بعد نزول هذه الآية ملتحفة بهذا الغطاء ولم يبدو منها إلا عين واحدة ولما نزلت الآية خرجت نساء الأنصار كأنهن الغربان بعد نزول (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) لماذا؟ (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) إذاً كأن الآية تشير إلى أن في الغالب أن من أوذيت إنما هو بسبب قلة إدنائها فلم تدني جلبابها كما أمر الله U ولذلك أوذيت. وكلما ازدادت امتثالاً لهذه الآية كلما ابتعدت عن الإيذاء فيا من أردت ألا تؤذي أدني وبالغي في الإدناء من هذا الجلباب فيعرفك أولئك الفُساق أنك لست منهم فيبتعدون عنك أما الذي تتبرج وتكون سافرة تعرِّض نفسها لهذا الإيذاء.

ثم قال I (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) هنا جاء التهديد للمنافقين بالعذاب الدنيوي مع العذاب الأخروي لأنهم جاءت الشدة عليهم وكما قلت أن عشرين آية ثلث هذه السورة كانت في المنافقين لما لهم من التحريض والارجاف وهنا أيضاً جاءت مسألة هل (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) هل هم سواء؟ نقول هم جميعاً المنافقون لكن بعض الناس قد يكون نفاقه مبطن بدون أن يظهره وبعضهم يكون في قلبه مرض وبعضهم يكون أشدُّ ذلك يُرجف (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) فهم أحوال منافق أو في قلبه مرض أو مرجف. قال الله (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) هذا العذاب الدنيوي أن نسلِّطنك يا رسول الله e (ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60)) يعني من بلاغ هذا الأمر حتى يخرجوا وإن لم يفعل النبي e لأنه أراد استصلاحهم u كما وقع منه عندما قال «لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله».

ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ) وإنما سألوا عن الساعة لأنهم كأن هؤلاء المنافقين والكافرين قالوا إن كان العذاب أخروي فمتى الساعة؟ (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63)) وقال الله U (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1))[القمر].

ثم بيّن الله عز وجل أنه بعد أن بيّن حال المنافقين (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65)). ثم قال (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) وفي قراءة "تتقلب وجوههم في النار" كما يقول بعض المفسرين أنها كما تتقلب البيضة في الماء الساخن (تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ). (يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا) قيل السادة هم العلماء وأصحاب الرأي فيهم والكُبراء هم أهل الثراء وأهل المال (أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)).

ثم ختم الآية بأن لا نكون يعني نهى عن إيذاء الرسول ثم أيضاً جاءت مسألة (لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) فالذين آذوا موسى كانوا أيضاً آذوه بأنهم عندما قالوا (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا)[المائدة:24] وآذوه عندما قالوا (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا)[البقرة:67] في البقرة وآذوه كذلك عندما قالوا هو أذر وأن فيه بَرَص حتى وقعت القصة المشهورة.

ثم نختم الآيات بقول الله U (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)) هنا أمر الله U أهل الإيمان أن يقولوا القول السديد ويتركوا أقوال المنافقين والكافرين ولا يعتدّون بمقولتهم (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)) ماذا يصنع القول السديد؟ (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ). والقول السديد هو القول الموافق المُسدَّد كل ما كان القول مسدداً ومقصود به الصلاح والإصلاح سواء في نطقه أو في هيأته كل ما كان هذا القول هو الذي يشمله الترغيب (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا). ماذا يعمل القول السديد؟ (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) هذا يدل على أن الفعل إن الدعوة إلى الله U والأمر بالمعروف سبب في إصلاحك وإصلاح ذريتك (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) ما هو يصلح فقط (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71))

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل