تفسير سورة الأحزاب - 3 - د. محمد بن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة الأحزاب - 3

د. محمد بن عبد الله الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

 (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٦﴾ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿١٧﴾ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٨﴾ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿١٩﴾) .

المعوّقين هم المثبّطين تثبيط تكريه وعَوّق كأنه قلل السرعة وعوّق غيره والقائلين ليس التعويق فقط بل (وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ) يعني فهم ضعفوا وجبنوا وأضعفوا غيرهم (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ) والمراد بالبأس هنا الحرب أو مكان الحرب. (إِلَّا قَلِيلًا) ما معنى هذا القليل الذي يأتونه؟ يعني أنه يأتون رياء وسمعة.

(أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) يصفهم الله U في أبلغ وصف في هذه الآية قال الله U (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) إذاً لهم حال أشحّة على الخير حال الأمن، إذا جاء الخوف واشتد الخوف نظروا هذه النظرة فإذا جاء الأمن مرة أخرى انقلبت حالهم، لهم ثلاث حالات، لأنهم أمرهم مريج، أمرهم مضطرب، كما قلنا في المثل الذي ذكرت لكم قال الله U (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ) فهم لهم قلوب، ولذلك تدور أعينهم حسب دوران هذا القلب. (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) في حال الأمن، بُخلاء، في حال الأمن قبل أن تأتي المعركة (أَشِحَّةً) بخلاء بالمعونة بخلاء وأشحاء بالنفقة، أشحاء بالمودة، بالمال، أشحة بالأبدان، في كل شيء، فإذا اقترب الخوف (رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ) لاحظوا أيضاً في قول الله U (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) وكأنهم وهم ينظرون للنبي e يقولون أنت السبب الذي ورطتنا في هذه المعركة، قلوبهم جزعة ما عندهم إيمان (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ) يقول يعني يا ليتنا ما أطعناك لأنهم منافقين!. (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ) جاءنا هنا إذاً (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) لأن كما قلت وجهتهم غير واحدة وجهة لهم غير واحدة، تدور أعينهم هنا وهناك، بل تدور سريعاً في تشتت الأعين تدور في النبي وحول النبي وهنا وهناك لأنهم عندهم ذلك الخوف. (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) ذهب الخوف العظيم، وتنفسوا الصعداء، خاطبوكم مخاطبة بليغة ،

في قراءة (سَلَقُوكُمْ) وفي قراءة (صلقوكم) بالصاد، ووصف الألسنة (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) الحدة لشدة فري هذه الألسنة، وقيل: أن السلق أنهم يخادعونكم يقولون كلامًا يرضيكم بعد أن يأتي الأمن وقلت لكم خص النظر للنبي e لتكرر هذا النظر إليه e ولذلك قال الله U في ختام الآية (أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ) ذهبت كل أعمالهم وهذا عند الله يسير (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا).

وأيضاً لا زلنا في وصف المنافقين (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ) المنافقين (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ) وإن يأت مرة أخرى هؤلاء الأحزاب (يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ) يعني يكونون خارج المدينة ويتصيدون أخباركم، استؤصلوا؟ ذهبوا؟ ما ذهبوا؟ ولو كانوا معكم أيضاً (مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا)، (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ) هم الآن عندما سلقوكم بألسنة حداد (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ) الشيخ السعدي ذهب رحمه الله لمعنى الآية معنى جميلاً قال: يعني (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا) يعني كأنهم هم الآن لماذا سلقوكم بألسنة حداد؟ لأنهم كانوا يظنون أن الأحزاب لن يذهبوا، فافتروا عليكم بهذه الألسنة الطويلة. (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ) يأتون مرة أخرى أيضاً حتى لو وقعت مرة ثانية فحال المنافقين يودون لو أنهم بادون في الأعراب يكونون في الأعراب ولا يكونون فيكم ولو كانوا معكم أيضاً فيكم ما قاتلوا إلا قليلا، إذاً الكلام هنا خبر ولكنه اقترن بحرف التوكيد في (لقد) يومئ إلى تعريف بالتوبيخ إلى الذين لم ينتفعوا بالأسوة. بعد ذلك قال الله عز وجل في ذلك توبيخاً (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) في أي شيء؟ أسوة عامة وخاصة، عامة في كل أفعاله وتقريراته وأحواله e، وخاصة في معركة الخندق لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الخندق عليه الصلاة والسلام يحفر معهم ويحمل التراب ويواسيهم ومعهم عليه الصلاة والسلام في كل أحوالهم ولذلك يقول ابن كثير: وهذه الآية أصل كبير في التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله. والذي يقرأ السيرة يجد أنه هذه الغزوة خاصة وبسائر حاله قدوة لكن في هذه خاصة أيضاً، لأنه شاركهم في الخندق وفي الضرب وفي نقل التراب وغيرها من الأمور عليه الصلاة والسلام. (حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) جاء هنا التأكيد أمر بالذكر وجاء مؤكداً أيضاً، سبحان الله هذه السورة أيضاً ورد فيها مما ورد واختصت به كثرة الأمر بذكر الله عز وجل (يَرْجُو اللَّهَ)، وأيضاً الذاكرات الله كثيراً، فجاء في أكثر من موطن مسألة الذكر بل والإكثار من الذكر حتى لا ينشغلوا بشغب المنافقين وبِقَالَة المنافقين وما يقوله هؤلاء أهل النفاق. إذاً هنا جاء الأمر بالذكر ولذلك قال الله عز وجل بعد ذلك (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا) وهذه الآية عظيمة وتأملوا فيها وأرجو أن نقف معها وقفة تبقى في الأذهان، قال الله عز وجل انظروا لأهل الإيمان في أحرج المواقف وأصعب المواقف والموقف الذي بلغت فيه القلوب الحناجر (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ) خافوا؟ (قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) يعني أن هذا أخذاً من ماذا؟ من سورة البقرة (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) إذاً النصر يأتي في وقت اشتداد، يعني في الوقت الذي تتصور أنه أُغلِق، ولذلك النبي حتى كان متفائلاً وهو يضرب على الصخرة وتضيء الصخرة يقول عليه الصلاة والسلام: رأيت قصور كسرى وقيصر، ثم في الثانية قيصر، ثم اليمن، من تفاؤله صلى الله عليه وسلم في أشد الحالات (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) ولذلك أهل الإيمان (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا) يعني اشتدت الأمور إذاً هناك فرج وقالوا (وَصَدَقَ اللَّهُ) وصدق رسوله أيضاً وما زادهم هذا التصديق لله وللرسول إلا إيماناً وتسليماً. ولذلك يقول شيخ الإسلام عند هذه الآية: قال العلماء لقد أنزل الله في سورة البقرة (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) فبيّن أنهم لا يدخلون الجنة إلا أن يُبتلوا كما ابتلوا من قبلهم مستهم الحاجة والفاقة والضراء وزلزلوا ولما جاء الأحزاب عام الخندق فرأوهم قالوا لما رأوا هذا رأوا يوم الأحزاب (قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ). مثل ما قال الله سبحانه وتعالى (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) في هذه الحالة ماذا كانت حالهم؟ (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) إذاً رأى المؤمنون ماذا قالوا؟ (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ) فقط؟ بل وزادهم، زادهم ماذا؟ أيقنوا بأن هذا وعد الله وهذه الشِّدة زادتهم عليهم من الله رضوان زادتهم إيماناً وتسليماً.

ثم قال الله U (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)، (رِجَالٌ) سماهم رجال، وهذا في المدح والثناء لأنه مشتق من الرِجْل والرِجْل يقوم عليها الجسد، هؤلاء رجال (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ) وكما قلنا أيضاً (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ) يعني الرجل ما له قلبين، الرجل له منهج واحد، له وجهة واحدة، أما أصحاب الوجهات فلهم، ولذلك هؤلاء (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) والمراد بالنحب هنا الصحيح ليس الموت، الصحيح أن المراد بالنحب هنا العهد، قضوا النحب وهو النذر الذي نذروه على أنفسهم. وهذه الآية بالمناسبة (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ) هذه الآية التي قال عنها زيد بن ثابت يقول: كنت أسمعها كثيراً يقرأها النبي e لما جاء ينسخ المصحف ما وجدها مكتوبة وإلا هو يسمعها محفوظة لكن لأنه أُلزِم في جمع المصحف أن يكون كل شيء مكتوباً لم يجدها إلا عند خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل النبي e شهادته بشهادة رجلين. وقال أَنَس: يقول كنا نحسب أن هذه الآية نزلت في أنس بن النضر (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ). (وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) وإنما ذكر هنا للتعريض بالمنافقين، لأن المنافقين بدّلوا وحرّفوا. (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ)، (لِيَجْزِيَ اللَّهُ) لاحظوا الجزاء هو إظهار لفظ الجلالة، الجازي هو الله، وهذا إظهارٌ مقامُ إضمار. قال الله U (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ) في الآية الثامنة قال الله U (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) وصدقهم هو وفاؤهم بالعهد. ثم قال سبحانه وتعالى (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ) وتعليق التعذيب على المشيئة -انتبهوا له هنا- تنبيهٌ بسعة رحمة الله U وأنه لا يقطع رجاءهم في التوبة من النفاق، سبحان الله! يعني مع أنهم حتى الآية ختمت بقول الله U (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) مع أني قلت لكم هذه من أشد الآيات على المنافقين، لكنها تشدد وتفتح الباب، تشدد وتفتح لهم الباب، فالله عز وجل (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ) ثم أيضاً ختمها بأن الله لعلهم وفعلاً تاب من تاب منهم كما تاب معتب بن قشير وغيره ممن تاب. وجملة (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) ختام يناسب حال المنافقين.

فائدة كثيراً ما يأتي في صفات الله اقتران الغفور بالرحيم، وطبعاً الغفور جاء في 90 موضعاً والرحيم جاء في 114 موضعاً، يعني أسماء الله الحسنى أكثر ما ورد طبعاً على الإطلاق صفة لفظ (الله) عز وجل الجلالة الله هذا أكثر من ما يقارب ثلاثة آلآف، ثم لفظ الربوبية، ثم بعده ماذا قلنا؟ العليم جاء في 152 موضعاً العليم، وبعده مباشرةً الرحيم بعده في الصفات جاء الرحيم في 114 موضعاً وبعده الغفور، والمؤكّد هنا أنها جاءت في ثلاث آيات (إِنَّ اللَّهَ كَانَ) يعني في مسألة اقتران الغفران بالرحمة يأتي (غفورٌ رحيم)، (والله غفور رحيم)، (وهو الغفور الرحيم)، أما أن تأتي مؤكدة اقترنت كثيراً في القرآن، أما أن تأتي مؤكَّدة في ثلاث مواضع ومنها هذا الموضع دلالة على سعة رحمة الله عز وجل وأنه يفتح الباب لهؤلاء.

ثم قال الله U أيضاً في وصف هذه المعركة (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ) لاحظوا ما أرجع يعني هنا الردّ أبلغ من الهزيمة، فرُدّوا إلى مكان خروجهم (وَرَدَّ اللَّهُ) ولاحظوا لفظة الجلالة هنا لاحظوا في الآية (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ)، (وَكَانَ اللَّهُ) كلها في آية واحدة ثلاث مرات يُظهر لفظ الجلالة (الله) لأن الله I سبحانه تولى هذه المعركة فهو الذي ردّ، وهو الذي كفى، وهو القوي سبحانه العزيز، (وَرَدَّ اللَّهُ)، (وَكَفَى اللَّهُ)، (وَكَانَ اللَّهُ) إظهار في مقام إضمار، إظهار لتأكيد هذا الأمر حتى لفظ الردّ لأن الردّ الإرجاع إلى المكان الذي صدر منه، لأن رجوعهم إلى بلادهم أعمل، رجوعهم إلى البلاد، بلادهم هؤلاء الكفار من هوازن وغطفان وقريش أكثر اطمئناناً لأهل الإيمان. وقال (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ما قال الأحزاب، مع أنهم الأحزاب لتأكيد الكفر عليهم، أن الخيبة خيبتهم هذه كانت بسبب كفرهم، لم يرجعوا هكذا إنما رجعوا بغيظهم، ردّ معهم الغيظ وهذا أشد يعني ما استفادوا! ردّ معهم الغيظ وبقي الغيظ يُحرِق قلوبهم لم يتنفسوه. وإظهار لفظ الجلالة هنا (وَرَدَّ اللَّهُ)، (وَكَفَى اللَّهُ) للدلالة على عظيم هذا الردّ لأن الكافي الله وعلى عِظَم هذا الردّ وعِظَم هذه الكفاية. (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ) والغيظ هو الحنق والغضب، ردّهم بهذا الغيظ كان غضبهم في أنهم تحملوا كلفة الاجتماع والإنفاق وطول المكث كل هذا بلا طائل.

ثم قال سبحانه وتعالى (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ) والمراد بهؤلاء الذين أُنزِلوا من هم؟ يهود، كلهم يهود لكن هؤلاء قريظة الذين تمالأوا وعادوا النبي ثم تمالأوا في المعركة على النبي e ولذلك النبي تعرفون القصة لما النبي e انصرف هذا الجيش قبيل الظهر ثم النبي e وصل الضحى ثم النبي e انصرف إلى المدينة الظهر ثم لما أراد أن يدخل المدينة أو أراد أن يتخفف بعد هذا العناء جاء الأمر من الله عز وجل وقد صلّوا الظهر أن لا يصل!وا العصر إلا في بني قريظة الذين خانوا، وكانوا يقعون في الجهة الجنوبية الشرقية من المدينة فالنبي e أمر الصحابة بأن لا يصلينّ أحدٌ منكم العصر إلا في بني قريظة، ثم ذهب النبي e لهم، وقال الله U في ذلك (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا) لما عاد ظهراً وكان بصدد أن يغتسل ويستقر جاءه الوحي فذهب وحاصرهم u عشرين ليلة ثم نزلوا على حكمه e. ثم أيضاً امتنّ الله U عليه بقوله (وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا) يقول قتادة: ما المراد بالأرض التي لم يطأوها؟ قيل: مكة، وقيل: فارس والروم، وقيل: خيبر، لكن الأقرب والله أعلم أنها خيبر لأنها كانت أقرب الغزوات.

ثم قال الله U بعد ذلك (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) هنا سرّ، ما سرّ التخيير هنا في الآية؟ ما سرّه؟ لكن لماذا لم يطلبن إلا في هذا الوقت؟ لما فُتِح على النبي بنو قريظة وقبلهم بنو النضير والنبي e كان يعطيهم للحاجة كفايتهم فقط، جاءت هذه الآيات فنزل قول الله U (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) هذه الآية يخيّر النبي e أزواجه بين أن يعيشوا معه u عيشة الكَفاف أو أنهم يسرحهنّ السراح الجميل. وهذه لأنهم يعني كأنهم وجد منهم شيئاً عندما سألوه شيئاً من عَرَض الدنيا وسألوه زيادة النفقة، ولذلك كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جابر قال: دخل أبو بكر يستأذن وكان النبي e قد اجتمع عليه النساء والنبي e يعني زوجاته اجتمعوا عليه فحصل عنده شيء من الغضب e فما أدخل أحداً، فجاءوا الصحابة فاستأذن أبو بكر فأذن له ثم دخل فوجد هذا الوجوم على وجه النبي e، ثم استأذن عمر ودخل فلما رأى الوضع عمر t وأرضاه الوضع شديد فقال: لأقولنّ شيئاً يضحك منه الرسول e، يريد أن يُضحِك الرسول e ، فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت زيد - يقصد زوجته - لو رأيت بنت زيد سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك النبي e وقال النبي e : هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة، هن حوليّ انظر الآن عمر قال نفس المشكلة هي أيضاً عندي فقام أبو بكر إلى ابنته عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، وكل واحد منهم يقول لها: تسألون الرسول e يقول لها: تسألونه ما ليس عنده؟ فقلن رضي الله عنهن وأرضاهن: والله لا نسأله بعد ذلك شيئاً. ثم نزلت آية التخيير هذه الآية وقال النبي e لكل زوجة بدأ بعائشة وقال: يا عائشة إني أخيرك بين البقاء وبين التبديل والسراح، فقالت: أفيك أختار؟! لا تعجلي حتى تشاوري أبوك، إستشيري أبوك، قالت: أنا أشاور فيك أبي؟! فقالت: لا أختار عليك يا رسول الله أحداً، لكن لا تخبر أحداً، لا تُعلِم إني اخترتك، يعني لعل الأخريات تختار الانفصال، والنبي e كان له تسع من النسوة لما نزلت عليه آية التخيير u تسع نسوة خمس من قريش وهي: عائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة وزينب وأربعة من غير قريش: صفية وميمونة وغيرهم والمعنى: يا أيها النبي قل لأزواجك اللاتي في عصمتك إن كنتن تردن سعة الدنيا فتعالين. وأسرحكنّ أيضاً هنا في قوله (وَأُسَرِّحْكُنَّ) المراد بالتسريح هنا يعني مشتقّ من الإرسال، ومنه تسريح الشعر تخليص بعضه عن بعض، وقال (وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) وأيضاً هنا السَرَاح للجمال.

ثم قال I (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) والفاحشة ترى إذا جاءت معرّفة في القرآن فالمراد بها الزنا وإذا جاءت منكرة فالمراد بها الذنوب، الذنوب اليسيرة لا تخلطون بين هذا وهذا. (مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) ما مناسبة (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)؟ يعني ولو أنكم زوجات للنبي e فمن تأتي فإنها تُعاقَب. إذاً جاء هذا في شأنهنّ لأنهنّ القدوة فالله عز وجل أمرهنّ بهذا، لأن المعصية من رفيع الشأن تكون أشدُّ قبحاً وأعظم جرماً، ولذلك يقول بعض المفسرين: ولذلك كان ذمّ العقلاء للعاصي العالِم أشد منه للعاصي الجاهل، لأن المعصية من العالِم أقبح. ثم ختم الله U الآية ببيان أن منزلتهنّ أن الله رضي عنهن وبيّن بعد ذلك الختام الذي ذكرته.

قال الله U بعد ذلك بطاعتهن بيّن (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ)، (وَمَنْ يَقْنُتْ) المراد بالقنوت هنا الطاعة التامة (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) والقنوت هو الملازَمة للطاعة. قال الله U (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ).

ثم بعد ذلك وجّه الله I نساء النبي قال الله U (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) يعني متى تكنّ أيها النساء لستن كأحد؟ إن اتقيتن، وتجدون في المصحف عندكم مكتوب (ج) يعني جائز الوقف، مع أن الأوْلى الوقف هنا (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) وانتهى المعنى. ثم جاء الأدب أيضاً (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) واضح، يعني يا نساء النبي لستن كأحد إن اتقيتن، لستن كأحد يعني مختلفات أنتنّ بهذا وهذا حثٌّ لهنّ وهذا فضل لكن إذا اتقين الله U، يعني كأنهن إن اتقيتن يعني حصر الفضيلة في تقواهنّ. والمراد هنا (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) جاءت تلك الآداب والدقائق في مسائل الآداب فلا ترققن الكلام ولا تنطقن بطريقة لينة، ولذلك مخاطبة المرأة لغير زوجها من الرجال بطريقة لينة مثيرة تؤدي إلى فساد كبير، فإذا كان ذاك العصر الفاضل والفُضليات أمهاتنا أُمِرن بألا يخضعن بالقول لأنه ربما يتأثر ذاك صاحب القلب المريض وقد لا تتأثر هي لكن هو يتأثر وربما بعض النساء الصالحات الآن تخضع بالقول ما تدقق في هذا فتمرِض الآخر وقد لا تكون هي مريضة لكنها أفسدته وقد تُفسده وتَفسد هي، ولذلك ينبغي للمرأة أن تكون في حديثها مع الرجال غير خاضعة وأن تقول القول المعروف. غير خاضعة بالتودد ولا بالتعطف لأنه قال (فَلَا تَخْضَعْنَ) الخضوع فيه شيء من الصوت المنكسِر والذِلّة (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) الرجل يسمع هذا الخضوع من كثرة الرجاء والتودد والتذلل وكذلك أيضاً لا تخضعن بالقول سواء منطوقاً أو مكتوباً بعد أيضاً يعني بعض النساء قد تكتب رسائل للرجال إما في تفسير حلم أو في استفتاء وفي غير ذلك، فتخضع بالقول، وقد تكون ما في نفسها شيء، لكن لا، ينبغي أن تتقي الله U ، وتتأدبّ في هذا وتلاحظ الأدب. ثم أرشدهن إلى القول المعروف يعني ما قال لا تقلن، ولا تتكلمن، لكن قلن قولاً معروفاً.

(وَقَرْنَ) قرن من القرار، قرن في بيوتكن المراد بالقرار هنا ملازمة البيت وأيضاً هنا سماه لاحظوا (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) والبيوت هنا إنما هي بيوت النبي e لكن أضافها لهن ترغيباً هي بيوتكم. وحقيقة البيت تراه بيت المرأة لأن المرأة تمكث فيه أكثر من الرجل، ولذلك ينبغي للرجل أيضاً ما دام المرأة هو مملكتها وهو بيتها فينبغي للرجل أن يراعي ذلك، وأن يكون للمرأة شيء من الرأي في البيت، ما يصير كل شيء له، هو بيتها وكلما ارتاحت وانسجمت مع هذا البيت كلما قرّت أكثر في هذا البيت. ولذلك يقول في قوله سبحانه وتعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ) هنا القرار يعني ينبغي أن يكون هذا هو الأصل في المرأة أنها تقرّ في البيت، بل حتى صلاتها والعبادة، صلاتها في بيتها - وإن كنا لا نمنعها- لكن صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد. ولذلك المرأة يعني حقيقة وظيفتها هي القرار في البيت وأداء هذه المهمة العظيمة وأشرف مهمة هي أن يُربّى هذا النسل. ولذلك الحقيقة إن المرأة التي لا تقر وتذهب وتشتغل خاصة المرأة غير المحتاجة، الأم المكدودة الحقيقة بالعمل وبمقتضيات العمل وبمواعيد العمل، لا يمكن هذه المرأة المكدودة أن تهيئ للبيت جوّ البيت، وعطر البيت ولا يمكن تهيئ للطفولة أيضاً الناشئة حقها وتعطيها حقها. خروج المرأة حقيقة بدون حاجة كارثة، إلا ما كان في حال الضرورة. ولذلك البيت هو الأصل في دين الله عز وجل (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) أما لو احتاجت لذلك الأمر وبضوابطه لكن أن لا تكون محتاجة وتخرج وأيضاً تتبرج تبرجّ الجاهلية الأولى، والجاهلية الأولى المُراد بهذه الأولى لأنها سابقة للإسلام، وليس هناك جاهلية أولى وأخرى هذا هو الصحيح، يعني أن الأولى بمعنى المتقدّمة، إذ يقال لكل متقدم ومتقدمة أول شيء، وكانت كذا يقول مجاهد: المرأة تخرج فتمشي بين يدي الرجال، فذلك التبرجّ، وكانت المرأة تمشي مشية التكسّرُ وغير ذلك مما أو أنها تلقي عنها الخمار. ثم أتبع ذلك بقوله I (وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ) وخصّ سبحانه وتعالى يعني هنا (وَقَرْنَ)، (وَأَقِمْنَ) قد تقول المرأة أنا قاعدة في البيت ما عندي شغل نقول: إن الله يقول :

(وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ) ما دام أنك فاضية وفارغة فأقيمي الصلاة وأقيمها حقّ إقامتها ما عندك شيء إحمدي الله U، فرّغك الله U، ولو قارنت المسلمة نفسها وخاصة في بلادنا هذه بغيرها من النساء التي تخرج من الصباح الباكر ولا تعود إلا في المساء المتأخر لوجدت أنها ملكة، لكن يعني مثل ما قال (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) بعض الناس يدعو على نفسه، بدل ما كان مرتاحاً (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) كما سيأتيكم في قصة سبأ ملّوا من الراحة، - قوم سبأ سيأتيكم غداً - قوم سبأ ملّوا (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) كانت أسفارهم قريبة وجميلة وقرى ظاهرة لكن ملوا من الراحة، بعض النساء تقع في ذلك والله U خصّ الصلاة والزكاة لأهميتها. (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) في الأصل الرجس أهل البيت يعني يطلق على كل شيء مستقذَر وأريد بذلك الذنوب. ويُطلَق أهل البيت طبعاً الآيات هنا لاحظوا (أَهْلَ الْبَيْتِ) ما المراد؟ الزوجات، في السورة هذه لم يرد ذكر لأهل بيت النبي الذين هم فاطمة والحسن والحسين وعليّ، ما ورد لهم ذكر، ليسوا هنا الآيات سباقها ولحاقها، كل ما ورد في القرآن عن الأهل أن المراد بالأهل من هم؟ الزوجات وإن كان جاء في حديث صحيح مسلم كما سيأتي إن شاء الله.

يقول ابن كثير رحمه الله -ولأهمية المسألة أذكرها لكم وانتبهوا لها- لأن الشيعة يجعلون هذه الآية عُمدة (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) ويُخرِجون الزوجات مع أن كل الآيات سباقها ولحاقها كلها في زوجات النبي e. لكن كما قال ابن تيمية رحمه الله عن الشيعة قال: هم لا عقل ولا نقل. كذبٌ في النقل وجهلٌ في العقل أي إذا وُجِد الجهل في العقل وكذب، ويستدلون بالأحاديث نحن نقول الأحاديث لكن دخول الأولوية على الأقل لا تُخرجون الزوجة هي داخلة بنصّ القرآن الزوجات في ذلك. يقول ابن كثير رحمه الله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) هذا نصٌ في دخول أزواج النبي e في أهل بيته هاهنا; لأنهن سبب نزول هذه الآيات ، وقد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعمّ من ذلك فقد روى الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك قال: إن رسول الله e كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى الصلاة يقول: الصلاة يا أهل البيت، ثم يتلو هذه الآية. وقال بعض أهل العلم -وإن كان في الحديث مقال- قال بعض العلماء: والتحقيق إن شاء الله أنهن داخلات في الآية بسبب السياق، نحن نقول ما نخرجهم لكن هم داخلين والأزواج داخلين ونظير ذلك دخول الزوجات باسم البيت في زوجة إبراهيم (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) زوجة إبراهيم (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ). وأما الدليل على دخول غيرهن فحديث جاء عن النبي e عليّ وفاطمة والحسن والحسين y أنهم أهل البيت ودعا الله أن يُذهِب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً. وبما ذكرنا تعلم أن كان يقول ابن كثير: أن الصواب شمول الآية لأزواج النبي e ولعليّ ولفاطمة والحسن والحسين. فإن قيل: الضمير في قوله (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) وفي قوله (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) الضمير ذكور، فلو كان المراد أزواج النبي، يعني لكن لا أطيل في هذه المسألة. حتى في قصة موسى (قَالَ لِأَهْلِهِ) سماهم أهل، إذاً حتى القرآن في قصة موسى.

ثم ختم الله U ذلك بقوله (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ) فقال الله عز وجل يذكّرهم بهذا المتلو في البيوت من آيات الله والحكمة، يعني اذكرن ما يُتلى سواء تذكُّر لكم في أنفسكم أو ذِكره للناس وتبليغه، يعني تبليغ هذا، يعني اذكرنه أنتنّ أو أيضاً والمعنى الثاني اذكرنه للغير، (إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) لا يخفى عنه من حالكم شيء.

 ثم ساق سبحانه وتعالى توجيهاً بعد ذلك في قوله (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ورد في سبب نزول هذه الآية كما جاء عن أم عمارة الأنصارية أنها قالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يُذكَرن، فنزلت هذه الآية. وإن كان الأقرب في معناها والله أعلم أيضاً لارتباطها أن ذاك كان الفضل لنساء النبي e وهذا عامٌ في كل من كانت مسلمة، والمراد بالمسلمات هنا المنقادات المستسلمات لله، والمؤمنات المصدِّقات بقلوبهنّ، والقانتات الطويلات القانتات هنّ اللاتي يواظبن على طول القنوت، والصابرات أيضاً، القانتات (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ) إلى قوله I (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) الذِكر هنا ذُكر كثيراً (والذاكرات)، وهنا نجد القرآن يذكر هذه الصفات. عموماً لعلي أختم بمسألة الذكر هنا، فقال الله عز وجل (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا) الذِكْر في القرآن كل عبادة كما يقول ابن عباس: كل عبادة حُدّت بحَدّ ليست كثيرة لها مواصفات إلا الذكر، إلا الذكر ذكراً كثيراً، وكل عبادة عُذِر فيها إذا عجز إلا الذكر، لأن الإنسان ما يعجز عن الذكر، والنبي e لما قدِم إليه u ذاك كبير السنّ الذي قال في حديث عبد الله بن بسر قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثُرت علي فأخبرني بعمل أتشبث به ولا تكثر عليّ - وفي رواية قال رقّ عظمي وضعف فأخبرني بعمل أتشبث به ولا تكثر عليّ- قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل