تفسير سورة الأحزاب - 2 - د. محمد بن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة الأحزاب - 2

د. محمد بن عبد الله الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٥﴾) .

لا يزال الحديث متصلاً وموصولاً بما انقطع حول هذه السورة سورة الأحزاب وقلنا سورة "وحدة التلقي أو سورة ما للنبي وما على النبي صلى الله عليه وسلم". كان الحديث فيما مضى حول قول الله عز وجل (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) ثم قال الله عز وجل في ثناياها (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) وهذا في قوله سبحانه وتعالى بدأت الآيات تبين شيئاً أو مقدمات لما سيكون منه وفيه شغب الكافرين والمنافقين وخاصة المنافقين فجاء بمسألة الظِهار ومسألة الظِهار وإن كانت جاءت في هذه الآية (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ) هذا أمر مستقر كانت هذه المسألة محرّمة وشُرِعت وجاءت كما في سورة المجادلة فانتهى هذا الموضوع أُبطِل في المجادلة وقبل نزول الأحزاب، ولكن المقصود هنا عند مجيء هذا المثال التمثيل به لما سيأتي في مسألة الأدعياء والأبناء وزوجات الأدعياء. أولاً هؤلاء الأدعياء ليسوا أبناءً، المتبنين، وكذلك ما يصدر من الأحكام عند حسبهم أو اعتبارهم من الأبناء. فإذاً جاءت مسألة الظهار أورِدت هنا أو جاءت كمثال ولكنها سبق تحريمها في سورة المجادلة. إذاً المقصود إبطال التبني قياساً بما سبق وكأن الآية تشير إلى أن ظِهار الأم ظهار وجعل الزوجة كأنها الأم فيقول قائلهم "أنت عليّ كظهر أمي" فكأنه قلبها من زوجة إلى أم وهذا ما يمكن وهذا صنيع وهذا قول بأفواهكم لا أصل له وهو من صنيع أيديكم. ومما يؤكد ذلك الإسهاب والإطالة في حكم زوجة المتبنّى وعدم الإطالة في الظِهار، يؤكد مسألة أن حكم الظهار قد جاء إنما جيء به كمثال إلى أنه كان عندكم أحكام وكان عندكم تشريعات وأمور لا أساس لها من الصحة فمن ضمنها ذاك ثم يأتي بعد ذلك التبني.

وزيد رضي الله عنه طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم إشترى زيد من مكة اشتراه حكيم بن حزام ثم أهداه لخديجة وخديجة أهدته للنبي صلى الله عليه وسلم وبقي عند النبي صلى الله عليه وسلم. طبعاً هو أصلاً زيد كان من قبيلة بني كلب ولكن حصلت إغارة على هذه القبيلة وكان والده متوفّى وكان عند جدّه كان زيد وجَبَلة أخوان وكانوا صغاراً فحصلت إغارة فأغير فأُخِذ وبيع في مكة ولذلك كان جدّه يبحث عنه إلى أت علم أنه في مكة كان يقول:

بكيتُ على زيد وما أدري ما فعل

أحيٌّ فيُرجى أم قد جاء دونه الأجل

إلى أن جاءه الخبر أنه في مكة ثم جاء إلى مكة وعلم أنه عند النبي e ثم لما أرادوا أن يعطوا الفداء مقابل فكِّه من الرقّ فقال النبي e: دونكم إياه إن اختاركم، فاختار النبي e فنادى النبي e أن زيداً هو ابن محمد، وهذه العادة كانت معروفة عند العرب في الجاهلية فصاروا يسمونه زيد ابن محمد وهو t عاش وتوفي وعمره 55 سنة وهو الذي سترد عليه القصة في هذه السورة.

قال الله U (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ) أي في (ما جعل أدعياءكم أبناءكم) وكذلك الظِهار (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ) وعندما يقول الله (قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ) أنه قول مصنوع وليس قولاً حقيقاً (قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ) يعني أنه ليس له حقيقة ورصيد في الواقع. وهذا يدل على تأكيد بطلانه، تأكيد بطلان هذا القول مثل ما قال الله سبحانه وتعالى (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) وأن يفاد (بِأَفْوَاهِكُمْ) أنه قول لا يتجاوز الأفواه وليس له وجود في الواقع. هنا قال الله U أنتم تقولون (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ) تقولون (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) I، إذاً تقولون ويقول الله فأيهم نقدِّم؟ وقولكم لا يهدي السبيل وقولكم عار عن الصحة بل هو مجرد قول بالأفواه. إذاً تقولون بأفواهكم ثم قال (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ) أي قوله هو الحق والصدق وليس حقاً فحسب بل ويهدي السبيل يهدي للتي هي أقوم، فأيهما يقدَّم؟ قولكم أم قول الله U؟. وهكذا ينبغي أن تكون حال المؤمن، حال المؤمن إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون قول الله وأمر الله ومراد الله مقدَّم على قوله ومراده ومحبوبه فلا أمر ولا قول بعد قول الله U.

ثم قال I بعد ذلك (ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ) والإطالة كما قلت أطال في حكم الابن المتبنّى (ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) إذاً استثناء أو هذه بداية واستئناف للشروع في المقصود من الآية يعني هذه المقدمات هنا بدأ الشروع في هذا لإبطال التبني.

قال الله U (هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) كأن سائلاً يسأل فيقول: لماذا ندعوهم لآبائهم؟ فيقول: (أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) أقسط لأن عدم نداؤهم بآبائهم قد يكون فيه تضييع لأنسابهم أو نسبتهم لغيرهم أيضاً يضيع نسبهم، (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا) قد يقول قائل لا نعلم آباءهم فقال الله عز وجل: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) وهذا معنى دقيق جمع بين تأكيد التشريع لتحريم هذا الأمر وعدم التساهل فيه مهما كانت الحال وبيّن الطريق الصحيح فيه. طبعاً يخرج من النهي في هذا إذا قلت للشخص من باب التعظيم أنت والد أو أنت كوالد أو أنا ابنك هذا لا يدخل معنا في هذا. (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ) يعني الله عز وجل لأن الألسنة اعتادت على التسمية هذه فقد تُخطئ لأن الذين كان غير النبي صلى الله عليه وسلم كثير من العرب أيضاً كان لهم متبنين فكانوا ينادون باسمهم فيخطئ مثل سالم مولى حذيفة كان يقال سالم بن حذيفة وغيرهم، فجاءت هذه الرخصة لمن أخطأ واعتاد اللسان لكن المشكلة في تعمّد القلب، وهذا يدلكم على خطورة مسألة القلب وتعمّده وأن القلب له فعل وأخطر شيء أن الإنسان يتعمّد هذا الشيء بفعله وبقلبه. جاء في الحديث: "من انتسب إلى غير أبيه - وهذه خطيرة - من انتسب إلى غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً" ولذلك خطورة يعني بعض الأحيان الإنسان أن ينتسب إلى غير أبيه أو يدّعي إلى غير مواليه.

قال الله عز وجل (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) هنا النبي e في الآية (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) يعني هنا في الآية يقول أهل العلم: طبعاً إذا لم يكن هو أبٌ لزيد فما علاقة أهل الإيمان بالنبي e؟ فجاءت الآية لتبين مكانة النبي e هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم هو أقرب بل هو أحبّ إليهم من أنفسهم. إذاً العلاقة ما انقطعت بالنبي e، العلاقة حبّ بل تفاني في هذا الحب، بل هو أولى بنا من أنفسنا، لماذا؟ لأن أنفسنا تدعونا إلى الهلاك وهو e يدعونا إلى النجاة كما في الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إني آخذ بحُجَزِكُم عن النار وأنتم تتقحّمون فيها" وهو عليه الصلاة والسلام بالمؤمنين رؤوف رحيم.

إذاً ما سبق جعل الأدعياء وهذا باطل وقد يثير سؤالاً في نفوس المسلمين أو المؤمنين ما صلتهم بالنبي e فجاءت هذه الآية أولى بالمؤمنين. ولذلك عمر رضي الله عنه لما قال: إنك أحب يا رسول الله لي من كل شيء إلا من نفسي، قال: لا يا عمر،لا، فقال: والله إنك بعدها أحب إليّ حتى من نفسي، قال: الآن يا عمر، الآن يا عمر.

ولذلك قلنا الله عز وجل قال (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ) ذكر الأصناف كلها الأموال والأبناء والعشيرة (وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا) فينبغي أن يكون حب الله وحب الرسول أحب لك حتى من نفسك وولدك والناس أجمعين. ينبغي أن تكون هذه عقيدة يعتقدها المؤمن فعلاقته بالنبي e أشد العلاقة وهو e نفديه بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا e. وأزواجه عليه الصلاة والسلام هم أمهات لنا أيضاً ليس النبي e بل حتى أزواجه لهنّ حقوق فجاء في هذه الآيات في بيان هذه الحقوق.

ثم قال سبحانه وتعالى أيضاً بيّن حكماً آخر فقال سبحانه (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) انتبهوا للآية، أرجو أن تلتفتوا للآية وأنا أنظر فيها الآن في المصحف الآية السادسة، (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) هنا في قوله (وَأُولُو الْأَرْحَامِ) هذه أيضاً جاءت لتنسخ حكماً كان أيضاً أُبطِل حكم التبني وكذلك أُبطِل حكم المؤاخاة، كانوا في أول الإسلام لما هاجر من هاجر من مكة إلى المدينة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار وكانت هذه الأخوة فيها التوارث فجاءت هذه الآية لتنسخ هذا الحكم وكما قلت لكم في السنة الخامسة فنسخ هذا الحكم فقال الله عز وجل (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) والمراد بكتاب الله وأولو الأرحام يعني الذين يرثون، الوارثين (فِي كِتَابِ اللَّهِ) في آيات المواريث لأن آيات المواريث نزل فيها (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) ونزلت أيضاً من آيات الفروض المقدرة في كتاب الله عز وجل. لكن هناك إشكال في الآية تأملوا أتمنى أحدكم منكم أن يُخرِج شيئاً غامضاً عليه في الآية (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) أين ذهب الأنصار؟ داخلين في المؤمنين، نعم، هم اعتُبروا بل الوصف قال بعض أهل العلم قال المراد بالمؤمنين هنا خصوص الأنصار ولعل السرّ فيه سماهم مؤمنين يعني قال هنا (فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعني من الأنصار والمهاجرين، يعني هؤلاء أهل الرحم والقرابة أولى في كتاب الله من المؤمنين يعني الأنصار ومن المهاجرين، وقلنا أن السر في ذلك قيل: أصحاب الإيمان الكُمّل، لأنهم آمنوا دفعة واحدة، سبقوا بإيمانهم كثير من المهاجرين. هنا في الآية جاء استثناء (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) والاستثناء هنا (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا) يعني الآن إذا كانت الآية ناسخة لما بين الأنصاري والمهاجري من التوارث، هل انقطعت الصلة؟! لا، (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا) يعني المعروف غير الإرث، الإرث انتهى نُسِخ ورجع الإرث فيما بين الأرحام، أصبحت في الوصية يعني يمكن أن يجعل الانتفاع بالإرث يعني يعطيه مالاً في الحياة أو يوصي له بشيء. (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) هذه الخاتمة مؤذنة بقوتها، مؤذنة بانتهاء الفرض (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) يعني خلاص، يعني الإنسان كما قلنا إذا قال (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ) ولماذا؟ (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)، (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا)، (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا)، (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) يعني ينبغي للمؤمن أن يؤمن بهذا وأن هذا سُطِّر في الكتاب فلا اعتراض عليه.

قلت لكم إن هذه السورة سورة الإتّباع وسورة وحدة التلقي ولذلك أيضاً جاءت الآية الشديدة في السورة عندما قال الله U (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7)) يعني هنا مثل ما ذكرنا (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)، (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ) وأيضاً سبق أن أُخِذَ هذا الميثاق وهذا العهد على أنه لا مجاملة في دين الله وأن أمر الله نافذ وحُكْم الله هو الأساس وقد أُخِذ عليكم أيها الأنبياء أَخَذَ الله على النبيين (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ) إذاً (أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ) هنا كما قلت في الآية السابقة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) ثم لا زالت الآية متسلسلة في قضية الشدة في أن هذا الأمر من الله وإلى الله I. تأملوا في المنطوق والشدّة في الآية بعد أن ذكر الله U ثلاثة أحكام وهي: الظهار، المتبنى، ونسخ إرث الأرحام، ذكر ثلاثاً من الأحكام التي كانت بعضها في الجاهلية وبعضها في أول الإسلام ونُسِخ، جاء هذا الأمر بالميثاق والميثاق هنا ما هو الميثاق؟ الأول كان عدم إطاعة الكافرين وجِماع الأمر أن الأنبياء يقولون الحق ويبلّغون، كأن الآية تشير إلى أن الأنبياء يبلّغون الحق أُخِذ عليهم الميثاق لبيان الحق وعدم ملاينة الكافرين ولا المشاطرة، يعني المشاطرة نصف أو شيء، لا، (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)) لا، ليس هناك إدهان معالم ضلال.

قال الله عز وجل (وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) قلت لكم قبل قليل في الدرس السابق أن الأنبياء أكثر من ورد ذكره من الأنبياء موسى حيث ذكر 130 مرة وبعده إبراهيم في 60 موضعاً ونوح في 40 موضعاً وعيسى في 25 لكن العجيب عيسى أكثر الآيات تقول ابن مريم وبعض الأحيان بل قال: وابن مريم بدون اسمه حتى، تأكيداً على الرد على النصارى في تأليههم لعيسى والرد على أيضاً اليهود في وصفهم ذاك. قال الله عز وجل في منطوق الآية (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ) جعلها ميثاق لهم على معنى الاختصاص بهم كأن الميثاق مخصوص بهم (وَمِنْكَ) يعني جاء الأنبياء بالجملة ثم قال (وَمِنْكَ) وأضافه وجعل الضمير له بهذا التعظيم ثم قدّمه على بقية الأنبياء، فهذا أيضاً من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم يعني ذكره وهذا يدل على التفضيل للنبي صلى الله عليه وسلم في التقديم. (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) كل ميثاق الأصل في الميثاق أنه غليظ، وهنا في الأصل في الميثاق بدون وصفه بالغِلَظ، الأصل في الميثاق الغلظ ولكن لما يوصف هذا الميثاق وأنه غليظ، ولذلك في قوله سبحانه وتعالى (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)) عقد الزوجية ليس بسهل، تجدون بعض الناس يدقق ويحقق في العقود العادية، اشترى سيارة، اشترى شقة، اشترى شيئاً، يدقق ويحقق ولا يدقق ويحقق في عقد الزوجية، مع أن عقد الزوجية أخذ منا ميثاقاً غليظاً. ثم قال سبحانه وتعالى (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ) كناية عن المؤاخذة، ثم قال (وَأَعَدَّ) تأملوا في الآية (وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) كأن المسألة جاهزة وفي الماضي (وأعدّ) كأنه مُعَدّ ومستعد عياذاً بالله، حتى لا يتوهم هؤلاء الكافرين أنهم سيسألوا لأنه يسأل الصادقين، يمكن يُسألون هم؟ لا يُسألون، مُعَدّ لهم سلفاً العقاب.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) بعد أن سارت الآيات كما قلت في وجه ونصف منها جاء التذكير بنعمة أنعم الله عز وجل بها على أمة الإسلام وعلى الرسول e والصحابة وهو ذاك اليوم يوم الأحزاب، ذاك اليوم الذي اجتمعت فيه تلك القبائل قريش وغطفان وتآلبوا مع النضير ومع اليهود وأيضاً خانت قريظة كل هؤلاء تألبوا واجتمعوا في أكثر من 12 ألف و13 ألف حول المدينة، ولذلك (جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) والنبي حفر الخندق وبقوا بضعاً وعشرين ليلة وكاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاطرهم أو أنه عليه الصلاة والسلام كاد من شدة خوفه على أصحابه أن يُسالِم أولئك الكفار ويفاوضهم ولكنه لما استشار سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وسألوه هل هو الرأي أو الأمر؟ فقال: الرأي، فأشاروا بعدم قبول التنازل منهم وقد حوصرت المدينة ما يقارب بضع وعشرين ليلة إلى أن جاءت تلك الريح ولعلّ التأمل عندما قال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)) هنا قال الله عز وجل وصف هذه المعركة، هذه منّة من الله I كيف أن الله عز وجل أنتم الآن في بداية السورة كما قلت لكم يذكرهم، وطبعاً هذه السورة قد وقعت، ذكّرهم بهذه النعمة التي مضت فقال لما نزلت هذه الآيات في تحريم زوجة الابن المتبنى وبأن الابن المتبنى ليس ابناً فقد يشغب من يشغب فذكّرهم الله U أيضاً بهذه المعركة. إذاً (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) وقلت لكم في (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) هنا جاءت كثيراً لأنها تذكير بالنعمة جاءت من أكثر السور بعد سورة المائدة هذه أيضاً السورة في نداء أهل الإيمان بهذه الصفة.

وعند عقد المقارنة بين هذه السورة سورة الأحزاب وما شابهها من السور المدنية فأقرب سورة تشابهها -نجد أن هذه المقاربة وخاصة بين سورة النور وسورة النساء- وعند عقد المقارنة بين هذه السورة في (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) وما شابهها من السور المدنية فأقرب سورة مدنية لها من حيث ترتيب المصحف سورة الحج ثم النور، الحج لم يُذكر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) إلا مرة واحدة، والنور رغم طولها ذكرت مرتان، ومحمد مرتان، والفتح لم يرد فيها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) وكذا الرحمن، وقلت في سبب نداء أهل الإيمان وتوجيههم وهذه السورة كما قلنا أنها سورة مدنية بخلاف السورتين السابقتين سورة لقمان والسجدة. (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ) لماذا يذكرون بالذات؟ لأن في تذكيرهم بهذه الغزوة تشديد للاعتزاز بدينهم والثقة بربهم والتصديق لنبيهم e. ومناسبة هذا الأمر بعدم طاعة الكافرين، يعني الله U وحده هو الذي نصركم ذاك اليوم فلا تلتفتوا لطاعة وليكن عندكم منهج ووحدة تلقي كما قلنا في أول السورة. فذكّر أهل الإيمان بما سبق من كيد المنافقين، ولاحظوا أن هذا النداء في السورة شبيهٌ بهذه السورة التي أُنزل فيها العديد من الأحكام التي لم تكن معهودة وهي سورة كما قلنا قلت لكم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) افتتحت أي سورة؟ سورة المائدة وأكثر سورة ورد فيها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) تلك السورة وفيها أحكام غريبة أيضاً، فيها أحكام جديدة ولذلك جيء بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) وإن كانت هي من أواخر ما نزل وهذه أيضاً جاءت من أواخر ما نزل فكان هذا التشابه الموضوعي بين هاتين السورتين. وحتى في سورة المائدة جاءت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) وكما قلنا في السورة أن سببها عندما أجلى النبي e بني النضير ظَهَرَ كيدَهم وازداد شرُّهم وحقدهم فتألبوا وذهبوا إلى قريش واستثاروها واستثاروا غطفان وهوازن واجتمعوا بعسكرهم حول المدينة، وأمّر النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ابن أم مكتوم ودام الحال كما ذكرنا بضعاً وعشرين ليلة وجاءت تلك الريح الشديدة على الجيش فأزالت خيامهم وقلعت تلك الخيام وأكفأت القدور وهلك الكِراع ودعا النبي عليهم بريح الصبا والدبور وكان للملائكة التي جاءت أيضاً بإرسال هذه الريح وما كان من أمرها. والمؤمن وإن كان يثق بوعد الله عز وجل لكنه أيضاً هنا عندما زُلزِل أهل الإيمان خافوا عندما قال الله عز وجل (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ) وحصل هذا الزلزال الشديد، لأن المؤمن يثق بنصر الله وبوعده، لكنه لا يأمن غضب الله عز وجل من جراء تقصيره ويخشى أن يكون النصر مرجأً إلى زمن آخر فإنه في علم الله وحكمته لا يحيط بذلك محيط.

يقول الله عز وجل وهنا تبدأ آيات النفاق والخطاب في المنافقين هنا في هذه الآيات أشد، التشديد على النفاق وعلى المنافقين في هذه السورة جاءت بعد ذلك تسع آيات شدّدت النكير على النفاق وعلى المنافقين ولو تأملنا آيات النفاق نجد من أقواها آيات هذه السورة لأنها من أواخر من نزل. (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) المنافقون هنا من لا يوجد عندهم إيمان، طبعاً هنا إشكال، هنا بعض المفسرين في قوله سبحانه وتعالى (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) هل المنافقين هم الذين في قلوبهم مرض؟ قيل وقيل، يعني قال بعض المفسرين: أنهم صنفين: صنف ليس عنده إيمان بالكلية، ليس في قلبه إيمان، وصنف مريض القلب، متى قالوا هذا؟ متى قالوه؟ احتمال أنهم قالوه علناً بين المسلمين لإدخال الشكّ واحتمال أنهم قالوه بين أصحابهم تهكماً وقالوا (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) وقلنا الغرور كما في الحياة ذكرته قبل قليل ظهور الشيء المكروه في صورة المحبوب فكأنهم يقولون نحن غُرِرنا بذلك.

قال الله U (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا) يعني يحتجون بهذه العورة، أن هذه البيوت عورة والمراد بالطائفة المستأذنة هنا هم عبد الله بن أبيّ وأصحابه لما رأى هذا الفريق بزعمهم قلّة جدوى وجودهم وهم ينوون التخذيل كما فعلوا في أحد (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) هنا قالوا (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ) ويثرب هذا اسم نهى النبي e عن تسميته بالمدينة وسماها طابة، وأصل هذه التسمية جاءت من العمالقة وهذا يُعتَبر الحديث الخامس لأرم بن سام اسمه يثرب وسميت به وسمّاها النبي طابة أو طيبة ولذلك روى البراء وابن عباس أن النبي نهى عن تسميتها يثرب وسماها طابة، أما ما ورد أن من سماها يثرب فليستغفر الله هذا الحديث ضعيف ضعفاً شديداً. لم يذكر أهل التفسير أن النبي e أذن لهم يعني (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ) هذا الاستئذان هل أذن لهم النبي e؟ لا، لم يأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان أهل السير ذكروا أن ثمانين منهم رجعوا، ولاحظوا أنهم (يستأذن) بالمضارع وكأن الاستئذان تكرر منهم، يستأذن وتكرر هذا الاستئذان للإشارة إلى أنهم يلحّون ويقولون بأن بيوتهم عورة. قال الله U (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا) لو دخلت باستقراء حالهم أو حتى باستقراء مادة الدخول في القرآن نجد أنه يظهر أن معنى الدخول دخول الجيش أو المغيرين لو دخلوا هؤلاء المدينة أو جاؤوا من جميع جوانبها وهذا أشد أنواع الهجوم لكان حال أولئك المنافقين أسرع في الفتنة يفعلون ذلك مسرعين إما لخوفهم من الكفار أو لكراهتهم للإسلام. (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ) كأن مقتضى الظاهر أن يُعطَف بالواو فعَدَل عن التنبيه بـ(ثمّ) دلالة على أنهم أشد إسراعاً في ذلك. والفتنة هو الكيد والتخذيل للمسلمين والمعنى لو دُخِلت عليهم المدينة وهم قاطنون فيها لأسرعوا (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا) والمراد بالفتنة هنا الرِّدة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين. (لَآَتَوْهَا) أي وفعلوها وقرئ (لَأَتَوْهَا) قرئ بالقصر (لَأَتَوْهَا) وقرئ (لَآَتَوْهَا). (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا) يعني هذا اليسير الذي تلبثوه ريثما يكون السؤال والجواب يعني هناك يتثاقلون وهنا يسرعون ولا يتلبثون إلا قليلاً.

وقال الله U عنهم في فضحهم (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) وهذا العهد الذي عاهدوا الله عز وجل عندما غابوا عن بدر بعضهم غاب عن بدر فعاهد الله ثم نكث هذا العهد وقيل أنهم بنو حارثة عندما عاهدوا في يوم أُحُد.

قال الله عز وجل (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ) حتى لو فررتم وسلمتم والفرق بين الموت والقتل يعني تموت من نفسك أو تُقتَل، فحتى لو فررت من قتلٍ أو موت لو بقيت فالتمتع قليل وقلنا دائماً الآيات تذكر في الحديث عن التمتع أنه قليل فيه تهديد يعني أن من حضر أجَلُه مات أو قُتِل، قال ابن كثير رحمه الله: ثم أخبر أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطيل أعمارهم، بل ربما كان ذلك سبباً في تعجيل أخذهم غِرّة; ولذلك قال (وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا). وعلى كلٍ كما قال الله عز وجل (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) وعلى فرض أنكم فررتم ومُتِّعتم لم يكن ذلك إلا زماناً قليلاً.

وهنا الحقيقة فائدة عامة في مسألة الترابط بين المتعة والقلة يعني الله عز وجل يقول (مَتَاعٌ قَلِيلٌ)، (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)، (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)، (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا)، (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا)، (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا)، (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ) ولذلك يقول الراغب رحمه الله في المفردات: كل موضع ذكر فيه تمتعوا في الدنيا فعلى طريق التهديد. ولذلك كما يقول السعدي: متاعاً، لا يساوي فراركم، وترككم لأمر اللّه عز وجل وذهاب كما يقول رحمه الله وذهاب التمتع الأبدي.

 

ثم قال I (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) الفرار من الموت في الآية السابقة وهنا بيان أسباب الفرار لا تغني عن العبد شيئاً، وهذا تهديد في هذا التمتع القليل، هل من عاصم؟ لا عاصم (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) إذا جاء أمر الله حال المنافق تقصُر وتعجز لأنه ينظر بعقله الفاسد، لا يجدون ولياً ينفعهم ولا نصيراً ينتصر لهم ويدفع عنهم ولذلك قال الله عز وجل (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا)، (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا) يعلمهم الله عز وجل وهنا لاحظوا قال الله (قَدْ يَعْلَمُ) دخلت (قَدْ) على المضارع للتهديد والتهكّم بهم أيضاً ولذلك يكفي من له أدنى عقل من الخوف والسطوة أن يعرف أن هذا وهمٌ.



التعليقات

  1. سمر الأرناؤوط علق :

    جزاك الله خيرا أختي الكريمة على تواصلك ومتابعتك واهتمامك.
    حلقات في رحاب آية قد رفعت كل ما قمت بتفريغه ولله الحمد وباقي ثلاث حلقات ليست متوفرة لدي وأنتظر رفعها على اليوتيوب لتفريغها إن شاء الله وسترفع أول ما تجهز.

    بالنسبة للرابط الصوتي إن شاء الله أرفعه لاحقًا مع النص وشكر الله لك هذه الملاحظة.

  2. فتحية محمد علق :

    هل ممكن المزيد من تفريغات برنامج -في رحاب سورة-
    شكرا جزيلا

  3. فتحية محمد علق :

    جزاكي الله خير وتقبل منك ومنا صالح الاعمال
    ملاحظة اذاممكن لو التفريغ النصي يرفق بالتحميل الصوتي تكون المتابعة بالصوت و القراة فالمشروع يحصر و يثبت في الاذهان هذه ملاحظتي لترقيةو جربت فكرة (قراءة و الصورة)
    تقبلي مني كل الاحترمات و التقدير

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل