برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء السادس

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة السادسة – الجزء السادس

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

جزء في سورة النساء والجزء الأكبر منه في سورة المائدة.

معظم الجزء السادس في سورة المائدة وثُمنه فقط في سورة النساء. سورة المائدة التي استغرقت الجزء السادس سماها بعض أهل العلم بسورة العقود، هي سورة العقود وهي سورة المائدة وإنما سميت العقود لأن محورها الذي تدور موضوعاتها عليه موضوع العقد، العقد بين هذا الإنسان المكلّف الذي جعله الله عز وجلّ في هذه الأرض يعيش زمنًا ثم يرحل منها، هو في هذه الحياة بينه وبين الله عز وجل عقود ومواثيق وبينه وبين خلق الله عز وجلّ عهود ومواثيق، أما الأول فضرورة أنه مخلوق لله عز وجل فبينه وبين خالقه عقود، وأما الثاني فضرورة كونه كائن بشري اجتماعي يعيش بين الناس وله علاقات معهم فهو حينئذ محتاج إلى أن يتعامل معهم وفق منظومة كاملة هي منظومة العقد، والعقد في الأصل هو الربط والشد، تقول عقدت الحبل أي ربطته.

فهي سورة العقود وهي سورة المائدة، سورة العقود لأنها ابتُدئت بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)[المائدة:1]، وسورة المائدة لأن بني إسرائيل سألوا عيسى عليه االسلام أن ينزل الله عز وجل عليهم مائدة من السماء (تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ)[المائدة:114]، وفي الحقيقة أن المائدة هي عقد لأنه حينما طلبوها لأجل أن يزدادوا إيمانًا ولأجل أن يزدادوا يقينًا برسالة عيسى وأنه من الله عز وجل لهذا قال الله عز وجل: (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ)[المائدة:115] والسبب أنه نقض العهد حينما طلب هذه الآية العظيمة لأجل أن يزداد إيمانه ويقينه فكيف به يرتد بعد هذا الأمر؟!

محور السورة الرئيس هو قضية العقود وتوسيع دائرة العقد فليس العقد هو مجرد عقود مالية بحتة كما ينصرف ذهن الناس إليه والسورة قد تحدثت عن هذا ولا شك، لكنها تشمل العقد بين الإنسان وبين ربه سبحانه وتعالى ثم التطبيقات التي في نهاية السورة وسيأتي الحديث عنها هي أيضاً عقد، وطلب إنزال هذه المائدة وأن الله سبحانه وتعالى ربط إنزال هذه المائدة بعقد أنهم يؤمنون فهو عقد. وهذا ربط متميز لمحور السورة والآيات المتعلقة بها.

تجليات مقصد السورة على آياتها بداية من مطلعها وما ورد في أثنائها من دلالات تدل على موضوع العقود في الشريعة الإسلامية.

حينما نقول هذه  سورة العقود نجد أن هذا واضح في السورة في مقامين:

·        المقام الأول: في المفردات التي استعملت في آيات هذه السورة "الألفاظ" .

·        المقام الثاني: في الأحكام التي تضمنتها هذه السورة.

في مطلع السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)[بالمائدة:1] وهنا ملمح مهم جدًا وهو أن هذا العقد خوطب به المؤمن لأن من مقتضى إيمانه أن يفي بهذا العقد فالإيمان في حد ذاته هو عقد بينه وبين الله عز وجلّ والأحكام إنما هي شرائع وتفاصيل لهذا الإيمان، فكأن الخطاب: يا أيها الذي التزم بعقد وفِّ بهذا العقد الذي هو بينك وبين الله أو بينك وبين الخلق. وكأنه من مقتضيات الإيمان الوفاء بالعقود.

جاء التعبير بألفاظ أخرى، بلفظ الميثاق مثلاً قول الله عز وجل: (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(7) المائدة)، (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ (12) المائدة).

نقف عند قوله تعالى (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ)[المائدة:7] فكأن الإنسان حينما يُطلب منه أن يفي بالعقود فإن هذا الوفاء هو ثمرة أمرين اثنين:

أما الأمر الأول: فهو بالنظر إلى كثرة النعم التي أنعمها الله عز وجلّ على هذا العبد: (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)[المائدة:7] ومن المعهود في حياتنا أن الإنعام يقابل بالاعتراف بهذا الإنعام والإحسان، وأن الإنسان إذا كان يُنعَم عليه ولا يقابل ذلك بأي موقف إيجابي فهو كنود وهو جحد وهو سوء في الخلق (اذكروا نعمة الله عليكم) فإذن نعم الله عز وجل توجب عليك الانقياد والطاعة لله عز وجل، وكم بالله عز وجلّ عليك من نعمة (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [النحل:18]

الأمر الثاني: ميثاقه الذي واثقكم به، أي العهد الذي هو بينكم وبينه، سواء العهد الأول في ظهر آدم أو العهد الثاني الذي حدث الآن بسبب قولك: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فأنت أيها العبد عليك أن تساق إلى الإمتثال وأن تساق إلى الطاعة لله عز وجلّ بهذين السائقين الجميلين: سائق النعمة، وسائق العقد، ولا ينبغي مع نعمة الله عز وجلّ السابغة عليك أن تعصي، كما لا ينبغي مع العقد الذي ربط في عنقك والتزمت به طائعا مختاراً أن تنقضه وأن تدع ما أمَرك الله عز وجلّ به من الأوامر والنواهي.

هذا من حيث الدلالة اللفظية على موضوع العقود.

فإذا نظرنا إلى السورة وجدنا أن لفظ العقد جاء في السورة إما بلفظه المباشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)[المائدة:1] أو بالدلالات المُماثِلة (الميثاق) أو بالدلالات المعنوية كما في آخر السورة في آية المائدة.

بيان العقود المتصلة بتوحيد الله عز وجلّ في السورة ودلالاتها والآيات الدالة عليها:

العقود التي جاءت في هذه السورة يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسين:

المجموعة الأولى: هي عقد الإيمان بين الله عز وجلّ وبين العبد الذي يتضمن الاعتراف لله عز وجلّ بالوحدانية، بالربوبية، بالألوهية، بأسمائه وصفاته، بالطاعة له سبحانه وتعالى، بعدم الشرك معه وتنزيهه سبحانه وتعالى عن كل مثيل أو شبيه، هذا عقد التوحيد وهو العقد الأكبر وهو العقد الذي تنبثق منه كل العقود، ولهذا الإيمان هو بوابة الإسلام فمن لم يؤمن بالله عز وجلّ ويعترف به ويقرّ به ما دخل في بوابة العقد عقد هذا الدين.

الآيات في سورة المائدة قد جاءت في هذا العقد الأول طرقته من بابين:

الباب الأول: الأمر به وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)[المائدة:1] العقود هنا لفظ عام فـ(أل) هنا للجنس أي: بكل عقد وأول هذه العقود هو العقد مع الله عز وجلّ.

والمسلك الثاني في السورة في معالجة هذا الأمر وهو أن الله عز وجلّ قصّ علينا قصص قوم نقضوا العهد الذي بينهم وبين الله عز وجلّ، وعُقّب على كل نقض فعلوه بذكر الجزاء والعقوبة التي جعلها الله عز وجل على من نقض هذا العقد.

السورة حفلت بطائفتين وهم بنو اسرائيل: طائفة اليهود وطائفة النصارى، وإذا تأملت في السورة وجدت أن أكثر من خمسين في المائة، أكثر من نصف السورة كان حديثًا عن بني إسرائيل وكان حديثاً عن نقضهم للعهود والمواثيق التي بينهم وبين الله عز وجلّ، ولهذا من أراد أن يعرف شأن بني إسرائيل في العقد والميثاق والوفاء والصدق والبر في العقود فعليه أن يقرأ سورة المائدة، سورة المائدة هي  كشف وتجلية لأخلاق هؤلاء الأقوام. نأخذ أمثلة مما يتعلق باليهود وما يتعلق بالنصارى:

مثلاً في اليهود: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)[المائدة:12-13] كيف لك أن تنقض العهد وأنت ترى هؤلاء لعنهم الله عز وجلّ وجعل قلوبهم قاسية؟! وهاتان عقوباتان بليغتان جدًا. الأمر الأول: اللعنة والأمر الثاني: تدمير جهاز الاستقبال عند الإنسان "جعلنا قلوبهم قاسية" والقلب أهم صفة فيه الرقّة لأجل أن تدخله أنوار الوحي والحق فإذا قسى هذا القلب ردّ كل خير وكل حق، ولم يبق يعلم إلا ما أُشرب من هواه.

الموضع الثاني: قصة بني إسرائيل مع موسى حينما أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة فقال: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) المائدة) ماذا كان؟ (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)[المائدة:24] هذا الأمر الذي فعلوه الله عز وجلّ حرّم عليهم وجعلهم في التيه أربعين عاماً حتى ينقرض ذلك الجيل العاصي النافر من العقد، ويأتي جيل يحس بقيمة الوفاء ويحس بقيمة العهد والميثاق الذي بينه وبين الله عز وجلّ فيدخل تلك الأرض المقدسة لأنه ما كان لتلك الأرض المقدسة أن تطأها تلك الأقدام التي رَبت وأصرّت وبقيت على هذا العناد والجحود والإستكبار.

هنا يستحضر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموقف والمشهد، ويستحضره عبد الله بن مسعود يرويه لنا هذا المشهد في بدر، بدر كان موقف فيه خوف شبيه بالخوف الذي كان عند بني إسرائيل، وبني اسرائيل طبعاً خُوِفوا فقالوا: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِين)[المائدة:21] ناس عظام وأشداء (وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ)[المائدة:22] وكانت موعظة الرجلين ولكنهم لم يستمعوا إلى ذلك. في بدر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرجوا إلى القتال كانوا أقل عددًا وأقل عُدّة، ولم يكن العهد بينهم وبين النبي أن يحموه إذا خرج من المدينة فأخذ يشاورهم مرة وثانية وثالثة يريد أن يستوثق منهم فأحسّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر يقول عبد الله بن مسعود:شهدت من المقداد ابن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عُدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال لا نقول كما قال قوم موسى (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)[المائدة:24] ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، قال فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسُرّ. إذ سمع قول المقداد رضي الله عنه.

هذا على الطائفة الأولى من بني إسرائيل وهم اليهود هذا تمثيل حقيقة وقد ذكرنا أن أكثر من خمسين بالمائة من السورة هي عن بني إسرائيل، ونقض العهود متجذر عند بني اسرائيل وغيرها كثير، وهذه مجرد نماذج.

مواضع النقض عند النصارى قال الله عز وجلّ:(وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14) المائدة) النسيان هنا بمعنى ترك العمل فهنا الآية تقرر ليس حدثاً بعينه وإنما تقرر ترك كبير جداً، أن الله عز وجلَ أخذ ميثاقهم فتركوا العمل بكثير من أحكام هذا الميثاق. نحن نحذّر أن نصير إلى هذا المصير ونخوّف بأمرين اثنين:

الأمر الأول: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[المائدة:14]

والثاني: (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)[المائدة:14]

نقض العهود والمواثيق هو بوابة العداوة والبغضاء، وهذا واضح جداً. لماذا تسري بين الناس العداوة والبغضاء؟ لأن بيني وبينك عقد وما وفيت، بيني وبينك عقد وكذبت عليّ، بيني وبينك عقد فلم تفِ اشتريت مني ولم توفني، عاهدتني ولم تفِ لي إءتمنتك فخنتني، العداوة والبغضاء إنما تمتلئ المحاكم بالذين نقضوا العقود والمواثيق فيما بينهم. إذن العداوة والبغضاء لا تنتشر في المجتمع إلا من خلال نقض هذه العقود وهذه عقوبة عاجلة.

والعقوبة المخيفة جدا (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)[المائدة:14] الذي ينقض العهد في الدنيا قد يسْلم من العقوبة، قد يسْلم من المؤاخذة في الدنيا، قد يتسامح صاحبه عنه لأنه لا يقدر عليه لكن سينبؤه الله عز وجلَ بما كان قد صنع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ينصب لكل غادر يوم القيامة لواء يقال هذه غَدرةُ فلان" فضيحة أمام الملأ.

الموضع الثاني قصة المائدة: هي أنهم أرادوا من عيسى أن يسأل الله عز وجل أن ينزل عليهم مائدة طعام يأتي من السماء مطبوخ وجاهز يأكلوا منه، فقال لهم: اتقوا لأنه إذا أجيب هذا فوراءه عقوبة إذا لم تؤمنوا، فأصرّوا، فنزلت المائدة فمنهم من آمن ومنهم من كفر. وهذا جزء من العهد الذي بين العبد وبين ربه.

وهناك جزء آخر في السورة وهو العهد والعقد الذي بين الإنسان وبقية الناس فمثلاً:

القرطبي يقول: في هذه السورة 19 فريضة ليست في غيرها، فهو يشير إلى الفرائض التي انفردت بها وإن كان فيها فرائض أخرى موجوده فيها وفي غيرها من السور مثلًا: تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام هذه محرّمات، ما علّمتم من الجوارح حِلّ ما صادته هذه المعَلَمة، طعام الذين أوتوا الكتاب، حلّ نكاح المحصنات من أهل الكتاب، تمام الطهور(إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ)[المائدة:6]، تحريم السرقة، تحريم قتل الصيد للمحرِم، تحريم الاعتداء في تحريم ما أحلّ الله عز وجلّ كما كان شأن المشركين حينما كانوا يحرّمون أنواعاً لم يرد تحريمها في الشرع، الشهادة على الوصية حين الموت. هذه السورة امتلأت بأنواع من الأحكام وذكرت هذه الأحكام من أجل الوفاء بها.

الأحكام في الشريعة ومنها الأحكام التي وردت في سورة المائدة هي تحقق المقاصد العظمى في الشريعة، المقاصد العظيمة مثلاً:

أولاً: مقصد حفظ الدين، وذلك بالأمر بالتوحيد والتشريع على من خالف التوحيد من بني إسرائيل.

الأمر الثاني: مقصد حفظ العقل ولذلك جاء تحريم الخمر في هذه السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)[المائدة:90]

المقصد الثالث: مقصد حفظ المال ولهذا جاء حد السرقة (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ)[المائدة:38] وتحريم الميسر أيضاً.

المقصد الرابع: مقصد حفظ الأعراض والأنساب: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ)[المائدة:5]

المقصد الخامس: حفظ الدماء وقصة ابني آدم بسطت في هذه السورة، وكيف أن المقتول كان ورعًا حتى عن أن يقابل القاتل باعتداء مثل اعتدائه لأجل أنه يخاف الله عز وجلّ، فكان هذا القتل وهو أول ذنب عصيَ الله عز وجلّ به، وحرمة الدماء من أعظم الحرمات ولهذا جاء في هذه السورة: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة:32]

لا أعظم من هذه الآية في قضية حرمة الدماء وخاصة في هذا العصر هناك تأولات فاسدة وفي قول الله تعالى في المحاربين (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(33) المائدة)

فالأحكام في الشريعة أصلاً كلها تؤدي إلى حفظ هذه المقاصد من الدين والعقل والنفس والمال والعرض والدماء.

السؤال:

لسورة المائدة اسم آخر فما هو؟ ولماذا سميت بذلك؟

 

https://t.co/WsHwUtorsv



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل