تفسير سورة الروم - 3- د. محمد الربيعة - دورة الأترجة

تفسير سورة الروم - المجلس الأخير

د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٤٠﴾ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٤١﴾) .

هذه الآية (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ) هي الآية الثانية في السورة التي افتتحت بلفظ الجلالة وهي أربع آيات كلها في إظهار الدلائل أن التصرف لله وحده لا شريك له وأن تصريف الكون كله بأمره I وأحوال الخلق كلها بحكمه وقدرته ومشيئته، قال الله هنا (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) هذا التحول كله والتصرف والاختلاف كله بأمر الله عز وجل ولذلك افتتحها بلفظ الدلالة ليدل على أنه هو صاحب الأمر في ذلك وأنه صاحب القدرة وأن المرجع إليه I. قال (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) كلا، ليس من شركائهم من يُحيي ولا يزعمون ذلك وليس من شركائهم من يرزق وليس من شركائهم من يميت وليس من شركائهم من يحيي بعد الموت، إذن ما بقي لشركائهم؟! لم يبق لهم شيء فالأمر كله لله عز وجل في تصريف الأمر. (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) إذن يتنزّه الله عن أن يكون له شريك في ذلك ما دمتم أقررتم بأنه ليس للشركاء شيء من هذه الأمور الأربعة التي أصول الخلق فماذا بقي لهم بعد ذلك؟!. قال الله بعد ذلك (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) هذه الآية تبين لنا عاقبة شركهم وأن إشراكهم بالله عز وجل كان سبباً في ظهور الفساد في الأرض بسبب إشراكهم فقال (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الفساد هنا يحتمل معنيين: المعنى الأول الفساد الكوني بفساد الزروع والثمار والحوادث والأحوال التي يقدّرها الله U. (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ) بموت الزروع وانقطاع المياه أو نحو ذلك وفي البحر أيضاً بموت الحيتان وجفاف الأنهار ونحو ذلك. هذا الفساد الذي يحصل، التغير الذي يكون سببه (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) أي بسبب ما كسبوه من الشرك بالله ومعصيته ومخالفة أمره فمن كَدّر كُدّر عليه (لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) أي جزاء عملهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فإن الإنسان المؤمن المتبصر إذا أصيب بمصيبة رجع إلى الله وتأمل (إنا لله وإنا إليه راجعون) إذا ابتلي ببلاء رأى أن ذلك من ذنوبه فرجع إلى الله، كأن ذلك إشارات تحذير له فيما يصيبه، هذا المؤمن، أما الكافر فلا يبعثه ذلك على رجوع ولا إيمان ولا عقل ولا إدراك، هذا المعنى الأول.

المعنى الثاني ظهر الفساد الذي هو الشرك والمعاصي وانتشرت إنما انتشرت وظهرت في الأرض بما كسبت أيدي الناس أي بفعلهم وسعيهم ونشرهم للشرك والفاحشة والبدعة والضلالة والمعصية. الانتشار هذا إنما هو بسبب كسبهم وسعيهم، هذا المعنى الثاني وإن كان المعنى الأول أظهر. قال (لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) من الجزاء لعلهم يرجعون إلى الله عز وجل. في الآية في المعنى الثاني إشكال وهو قوله (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لكن الذي عليه عامة السلف هو المعنى الأول وهو أن الفساد هنا هو الفساد الكوني بما يحدثه الله U في الأرض.

قال الله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) الله I هنا يأمرهم بأن يسيروا في الأرض لينظروا كيف كانت عاقبة المفسدين وأنهم أهلكهم الله U بسبب إشراكهم لعل ذلك يكون سبباً في رجوعهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فكأن الله U ذكر لهم سبيلاً إلى الرجوع وهو مسيرهم في الأرض لينظروا هنا وهناك في الأمم السابقة التي أهلكها الله تعالى بسبب إشراكهم.

قال الله تعالى عوداً للسياق إلى النبي e وإلى المؤمنين (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) هناك قال (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30)) ثم وصفه الله تعالى هنا بالقيّم للتأكيد على أن القيام بهذا الأمر هو سبب قيام الناس وصلاح معاشهم واستقامة أمورهم. قال الله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ) كأن الله تعالى يبين أن قيام هذا الدين سبب أيضاً لقيام أمر وصلاح الناس في الآخرة فإن قيامهم بأمر الله U هو سبب لنجاتهم في الآخرة وتأكيد بأنه لا نجاة في ذلك اليوم الذي لا مردّ له من الله إلا بإقامة دين الله U والاستقامة على طاعته.

قال الله تعالى (مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ) هذه الآية تحتمل معنيين:

·       المعنى الأول أن اليوم الذي لا مرد له من الله هو يوم في الآخرة وهذا ظاهر في الآية.

·       المعنى الثاني هو يوم إهلاكهم وفي هذه الآية ما يشير إلى غزوة بدر، هذه الآية الخامسة. قال (مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ) إذا جاء هلاكهم وأخذهم فلن يردهم عن ذلك رادّ فهو إشارة إلى أخذ الله لهم.

(يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) وهذا في الآخرة في الظاهر لأنه قال (يَوْمَئِذٍ) فهو أقرب إلى الآخرة (يَصَّدَّعُونَ) يتصدعون يعني يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير ويتفرق أمرهم، هذا تفرقهم وتصدعهم من تصدِّع الجدار وتفرّقه. (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) أي أن من كفر في الدنيا فإن في الآخرة كفره عليه وهذا معنى جامع، فعليه كفره في جزائه وعقابه (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) ما معنى (فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)؟ يُهيئون يعني من عمل صالحاً فلأنفسهم يهيئون استقرارهم في الآخرة في الجنة، يهيئون مكانهم بأنفسهم بعملهم الصالح وأيضاً يدخل في ذلك حال الدنيا وجزائها فإن من عمل صالحاً فإنه يهيئ لنفسه الحياة المستقيمة والراحة التي يمهد لها براحة واستقرار. فهذه الآية من الآيات التي تدل على أن الإيمان والعمل الصالح سبب للراحة والاستقرار وأن الإنسان بعمله الصالح يبعث ذلك على مهده وراحته واستقراره في الدنيا وفي الآخرة. قال الله تعالى (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أكّد مرة أخرى بجزاء المؤمنين مع أنه ذكره قبل ذلك لكنه من باب إكرام أهل الإيمان وتشويقهم إلى ذلك وبعثهم عليه بيّن فضلهم وجزاءهم، قدّمهم في الجزاء هنا قال (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ) وأي شيء يريدونه إلا فضل الله الواسع I وفضل الله عظيم إذا أتاك فضل الله فليس لك بعد ذلك من أمر تريده فإن فضل الله عظيم كريم I واسع الفضل والعطاء. ثم قال في حال الكافرين (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) وإذا كان الله لا يُحبّ الإنسان فأيّ سعادة سيسعدها وأيّ حياة سيعيشها وأيّ جزاء سيلقاه عند الله إلا الشقاء والغضب من ربه واللعنة والطرد من رحمة الله U عياذاً بالله!!. فكفى جزاءً للكافرين أن الله لا يحبهم وكفى المؤمنين أن الله يعطيهم من فضله ويوسّع لهم I. ما أعظم هذه الآية وأوجزها في بيان جزاء الفريقين!!.

قال الله تعالى بعد ذلك عوداً على بيان تصريف الله للأمور التي هي سياق السورة وقيامها قال (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ) يرسل الرياح I للناس تبشرهم بالرزق الذي تحمله هذه الرياح بسوقها للسحاب (وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ) وهو المطر والماء (وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ) التي فيها أرزاقكم وتحمل لكم الأرزاق (وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) بالبيع والشراء وطلب الرزق (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي هذه الأمور التي سخّرها لكم كلها من أجل شكر الله عز وجل على نعمته واستغلالها وصرفها في طاعته. قال الله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) كأن في ذلك تذكير وتخويف، تذكير للنبي e بأن الله معك وناصِرك كما نصر عباده المرسلين من قبل وفيه تخويف وتهديد للكافرين المكذبين بأن الله مهلكهم كما أهلك المجرمين من قبل (فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا). ثم قال (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) وهذه هي الآية السادسة من الآيات التي فيها دلالة على نصرة الله لعباده ومنها نصرته في بدر فإن الله U ذكّر بها رسوله ثم وعده بالنصر قال (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) ففيها تهديد للكافرين بالانتقام وتطمين للمؤمنين بالنصر المبين. قال الله U في الآية الثالثة التي افتتحت بلفظ الجلالة وفيها دلائل على قدرته وتصرفه في الأحوال والخلق قال (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) يرسل الرياح لماذا؟ قال (فَتُثِيرُ سَحَابًا) والإثارة ليست هي التحريك وإنما تقليبها وتفريقها فهي بمثل تفرّق الشيء بعد أن يصطدم به أمر أو شيء يثيره قال الله (فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء) هذا السحاب المتراكم المتجمد بعد أن يرسل الرياح عليه فتثيره فيبسطه سبحانه وتعالى في السماء سحابة واحدة مبسوطة كيف يشاء سبحانه وتعالى. (وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا) كيف يجعله كسفاً؟ يعني قطعاً بعد أن يبسط في السماء يعود قطعاً، هو قطعة واحدة، سبحان الله أمر عجيب قطعة واحدة يبسطه الله في السماء ثم يكون قطعاً متفرقة (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) الودق هو المطر، المطر يخرج من خلال الكسف أو القطع أو الغمام (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) يبين الله U حالة البَشَر مع المطر كيف أنهم يتعطشون له ويفرحون به ويستبشرون بنزوله، هذه حالة البشر التي تدل على حاجتهم إلى هذا الرزق وحاجتهم إلى الله U. قال (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) المُبْلِس هو اليائس المنكسِر ليس عنده شيء وإنما هو قد أفلس فهو منكسر الحال (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) يائسين منكسرين (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) انظر الى آثار هذه الرحمة التي نزلت فغيّرت أحوال الناس وهذا فيه إشارة إلى تصريف الله لأحوال الناس بهذه الأرزاق وهذه الأحوال. انظر تغير الأحوال في الكون سبب في تغير أحوال البشر في طبائعهم ونفوسهم، هذا يدل على أن الله U هو الذي يغيّر الأحوال ويصرّف الأمور وبيده سبحانه وتعالى قلوب البشر وأحوالهم. قال الله تعالى (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) ومن آثار رحمة الله قال (كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) كيف يحيي الأرض بعد موتها تموت فتتغير إلى حياة، كيف أن هذا التراب اليابس الجامد الذي ليس فيه حراك إذا به يتحرك من بينه يخرج ثمراً ونبتاً وزرعاً إن هذا لمن أعظم آثار رحمة الله ومن أعظم تصريف الله وتحويله الشيء الجامد إلى متحرك فهو سبحانه وتعالى هو الذي يصرّف الأمور كيف يشاء القاسي يجعله ليناً (إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى) انظر إلى تكرر إعادة التأكيد على البعث بعد النشور بكل ما يمكن أن يأتي له شاهد يورده في موضعه (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). ثم قال الله تعالى (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا) ما هو المصفر؟ الزرع بعد أن رأوه خضراً يانعاً مثمراً رأوه بالريح التي سُلطت عليه مصفراً (لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) يائسون لا يلجأون إلى الله U ويستغفرون الله ويتوبون ويرجعون إليه قال الله تعالى لمحمد e أن هؤلاء لا ينفع معهم أي نقاش ولا بينة ولا حجة قال (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) الموتى المقصود بهم الذين لا تحركهم أيّ آية من آيات الله (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ) المتكلمون (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء) أنت لا تُسمِع من كان ميتاً منهم ولا الصم الذين لا ينطقون فأيّاً كان حالهم فإنهم مدبرين عنك غير مبالين بدعوتك وتذكيرك وتوعدك وتحذيرك. (وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ) أحوال ثلاثة في أحوال مختلفة (إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ) فالذي يتفكر في هذه الآيات ويجد آثارها ويعرف سبب القحط وسبب الرحمة ويتفكر فيها ويزيده إيماناً ورجوعاً إلى الله واستغفاراً هؤلاء هم المسلمون (إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ).

ثم جاءت الآية الرابعة من الآيات التي افتتحت بلفظ الجلالة الدالة على قدرته في تصريف الأمور سبحانه وتعالى وتغيّرها انظروا إلى هذه الآية التي ختمت بالآيات الأربع كيف يكون فيها تصريف البشر الإنسان نفسه قال الله (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ) كيف يكون الإنسان أول ما يُخلَق من ضعف، والمقصود (من ضعف) من خروجه ماء إلى كونه جنيناً إلى كونه طفلاً كل ذلك ضعف، (ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) وهو بناؤهم تكوينهم إلى أن يشبوا ويبلغوا سن الرشد والأشد إلى سن الأربعين كل ذلك تغير من ضعف إلى قوة. ما الذي غيّر هذا الكائن من كونه ضعيفاً إلى أن يكون له شأن في الأرض إلا الله U ؟!. ثم قال (ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) انتهى أمره ضعفاً في جسده وشيباً في علاماته وجسده. قال الله (يَخْلُقُ مَا يَشَاء) أي يصرّف ما يشاء سبحانه وتعالى ويخلق الإنسان حيث شاء وكيف شاء I وفي أي حال يريد. قال الله (وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) العليم بأحوال البشر والخلق والقدير عليهم بتصريفهم حيث شاء سبحانه وتعالى، ما أعظم هذه الآيات في إيماننا بأن الأمر كله لله ولذلك كل هذه الايات كلها عِقْد في حلقة واحدة هي لله الأمر من قبل ومن بعد، إيمان صادق جازم أن الأمر كله لله فلا يحرك في نفوسنا أي أمر في طلب الشيء من غيره ولا أمر في اعتقاد أن غيره يحرّك شيئاً في الكون إلا بإذنه. إذا بلغنا هذه المرتبة بأننا نوقن يقيناً بأنه لا لأحد أن يصرِّف في الكون حركة إلا بإذن الله فقد بلغنا مرتبة الإيمان واليقين بالله عز وجل في وذلك أمر الرزق وتصريف الناس فيه وأن الناس ليس لهم في أيّ شأن أو قدرة إلا بإذن الله عز وجل والنفع والضر وغير ذلك. قال الله سبحانه وتعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) هنا عاد السياق إلى التذكير بمآل الناس وكيف سيكون حال هؤلاء المشركين ومآلهم وكيف سيكون خطابهم في الآخرة، ماذا سيكون خطابهم في الآخرة؟ قال (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) عجيب حال هؤلاء المشركين!! كأنهم في الآخرة يظنون أن لهم شأن فيعذِّرون لأنفسهم بأعذار واهية يضحك منها ويسخر منها أدنى عاقل! كيف يقولون؟ يقولون نحن صادقون في أننا لن نُبعث لأننا ما بقينا إلا ساعة من نهار، هذا ليس موتاً وإنما هو كمثل الراحة يرتاحها الإنسان. قال (يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) وأننا لم نكذب بالبعث يزعمون يريدون أن يلبِّسوا بأنهم لم يكذبوا بالبعث لأن ما هم فيه ما هو إلا ساعة في ظنّهم، لأن الإنسان يظن أنه لم يمكث إلا ساعة من نهار كما قال الله عز وجل، قال (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ) والإفك هو الإفتراء الباطل والاختلاق المقصود فهو إنما يريدون أن يعذِّروا لأنفسهم فهل يُقبل هذا العذر منهم؟ كلا، ويشهد المؤمنون على كلامهم ويسخرون منهم ويقرّونهم بالحق فيقولوا (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ) ما هو العلم الذي أوتوه؟ العلم الذي بيّنه الله في هذه السورة من الآيات البينات والدلائل القاطعات التي ملأت قلوب هؤلاء إيماناً علماً ويقيناً بما أخبر الله به.

قال الله (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فهذا يوم البعث لقد لبثتم في قبوركم عد موتكم إلى أن بعثكم الله عز وجل بما أخبر الله تعالى وهم بخبره يقين واقع (فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ) كأنهم يقرّونهم هذا يوم جزائكم (وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أي لا تعلمون حقائق الأمور لم تقفوا على حقائقها ولم تتبصروا بها فتؤمنوا وفي هذه الآية دليل على أن كمال الإنسان في أمرين هما: العلم والإيمان. كمال الإنسان الذي يورثه معرفة الحق والتبصر به والعمل به واليقين هو العلم والإيمان. لاحظوا أنه قال (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ) قدّم العلم ليدل على أنه أورثهم الإيمان فالعلم الحقّ هو الذي يورثك الإيمان هو الذي يورثك العبادة ويورثك معرفة الله حقّ معرفته واليقين بما أخبر الله تعالى به والتبصّر بحقيقة الحياة والسعي لما يرضي الله عز وجل والنجاة يوم القيامة. قال الله تعالى في حال هؤلاء الكفار وأن هذا التعذّر الذي تعذّروه لن ينفعهم قال الله عز وجل (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) لا يقبل منهم عتاباً وإن استعتبوا لا يستعتبون لا يقبل منهم العتاب لا يقبل منهم أن يقدموا أعذاراً لأنه لو قُبِل منهم أن يقدّموا أعذاراً كان ذلك قبولاً للعذر (لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ) يتعذرون لكن من غير إذن (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) لا يُطلب منهم العتاب فيقرّوا ويبينوا أعذراهم في ذلك لئلا يكون لهم في ذلك سبيل أو مطمع لأنه في الأصل الإنسان لا يقبل منه العذر والاستعتاب إلا حينما يكون له مجال في النجاة والعذر.

قال الله عز وجل بعد نهاية الأمر وختام السورة واقرار الحق قال لنبيه (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ) قد انتهى الأمر، قد بُيّن لهم الأمر في القرآن الكريم فهذا القرآن لم يدع شيئاً في البيان، أرأيتم في هذه السورة كيف أمحض لهم النصح في الدعوة وتحقيق الحق وإقرارهم والزامهم ليس بعد هذا إلزام وليس بعد هذا بيان أن يبيّن لهم الحق كالشمس في رابعة النهار لكنهم عُمي لا يبصرون ولا يعلمون.

قال الله (وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ) يعني مهما أتيت به من آية زيادة على ما في القرآن آية مبصرة لا ينفع معهم ذلك (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ). قال الله (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) فإنهم إذا كانوا لا يريدون الحق فإن الله يطبع على قلوبهم عياذاً بالله وهذه مصيبة الإنسان الذي لا يريد الحق ويستكبر عليه حقُه من الله أن يطبع عليه عياذًا بالله فلا ينتفع بموعظة ولا ينتفع بتذكير إذا كان مُعرِضاً (نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ) هذه الآية تثبت أنه لن ينفع معهم بيان بعد ذلك وتيئيس للنبي صلى الله عليه وسلم منهم يكفي بياناً لهم ما بيّنه القرآن خير بيان.

 

ثم ختم الله السورة بتطمين رسوله وتأنيسه وتثبيته والمؤمنين معه قال (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) اِصبر على ما كلّفك الله به من البلاغ والدين، وأقم دين الله عز وجل وأعرض عن هؤلاء (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) وما هو وعد الله؟ وعد الحق هو نصره وتمكينه ووعد الله لهؤلاء بالهلاك وهذه هي الآية السابعة التي تدل على غزوة بدر بنصر الله U، إذن هي سبع آيات هذا الذي وقفنا عليه وقد يكون غير ذلك. (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) هذه الآية تطلعنا على عاقبة الصبر أن عاقبة الصبر تحقيق وعد الله عز وجل بالتمكين والتأييد والفتح المبين والله إن الصبر عظيم فمن صبر ظفر، "بالصبر واليقين – كما قال شيخ الإسلام- تُنال الإمامة في الدين". (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) السجدة). فمن أراد أن يحقق الله له وعده وتوفيقه وفتحه وتأييده فليصبر على أمر الله وليستمسك بهذا الدين حق التمسك ويقوم به حق القيام ولا يغريه انصراف الناس وتغيّر أحوالهم وضعفهم وتنازلهم فإن هذا سبيل التمسك والصبر. نحن نرى الآن الناس يضعفون عن الدين ويتنازلون عن شيء من مبادئهم من أجل مصالحهم الدنيوية وبسبب ما فتح الله عليهم لكن المؤمن الصادق ثابت على دينه مستمسك به لا تغيّره الأحوال ولا تغيّر الناس وعاداتهم. فالإنسان الذي ينظر إلى الناس إن أحسن الناس أحسن وإن أساؤوا أساء إمّعة هذا لن يكون على شيء، الذي يكون على شيء هو الثابت الجبل الأشمّ الذي سيكون مآله صعوداً إلى قمة الخير والسعادة والتوفيق والفلاح وتحقيق أمر الله عز وجل بحكمه. لهذا تجد رأيت سُنة من سنن الله في خلقه في الكتاب العظيم أن من تمسك في الأمر في أساسه كان له فتح مبين والآيات في هذا كثيرة (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) مريم) جزاء، قال الله عز وجل أيضاً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ (1) المائدة) وأيضاً قوله تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) طه) (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً (29) الأنفال) فالصبر أساس والتقوى كالقاعدة التي يبنى عليها البناء الكامل الذي فيه خير للإنسان وسعادة وتمكن وفتح من الله. قال الله (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) تعبير بديع في التعامل مع هؤلاء، كيف يستخفّون؟ بالاستهزاء والسخرية والإعراض والتهكّم فقد لا يمتلك الإنسان نفسه مع هذه التصرفات فيخفّ عقله فيغضب ثم يتصرف بما لا تحمد عقباه. قال الله U (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) بتصرفاتهم المشينة واستهزائهم واستخفافهم وغير ذلك بل كن ثابتاً قوياً رصيناً بحكمك وحكمتك. وهذه قاعدة في الإنسان الحكيم القوي لا تحركه العواصف وإن كانت قوية، بعض الناس إلا ويغضب ويتلفّظ ويلعن ويشتم. أذكر مرة قيل لي أن رجلاً ذهب مع إمام المسجد ينصحون إنساناً لا يصلي فلما طرقوا الباب وخرج عليهم جلس يشم ويسب عليهم ذاك الرجل الذي مع الإمام ما صبر وقال أنت حمار ما فيك خير! تعني ردة الفعل جعلته يتلفظ بألفاظ خف عقله بها، هذا التصرف لا يكون من صاحب صاحب العقل الرزين والحكمة الواعية بل ينبغي أن يصبر ويتحمل الضربات حتى وإن كسرته هذه الضربات فيتحمل هذا الكسر حتى يقوم عوده ويقوى شأنه بإذن الله عز وجل. فلا يستخفنك المستهزئون ولا يستخفك المكذبون المعرضون ولا يستخفنك أصحاب الأهواء وغير ذلك كُن ثقيلاً في أمرك وعقلك ورشدك وتمسكك بدينك فالله I ما أبدع هذه الكلمة حينما يوصي بها نبيّه وأولياءه في تصرفهم ومعاملتهم مع أعدائهم الذين يريدون أن يستخفّونهم ولهذا قال (الذين لَا يُوقِنُونَ) أي لا يوقنون بوعد الله ولا بجزائه ولا بما عنده. فما أعظم هذه الآية أن نأخذها منهجاً لنا في حياتنا، في دعوتنا منهجاً حتى في تربيتنا، حتى في تعليمنا، حتى في تعاملنا مع الناس نصبر ولا يستخفننا تصرفات الناس المختلفة التي ربما تُخرِج الإنسان أحياناً كما يقال عن طوره فيتصرف بما لا يليق. هذه آيات بينات عظيمة وهذه السورة ما أعظمها في مثل هذا الزمن الذي نعيشه وتعطينا قوة بإيماننا بالله U ويقيناً راسخاً بوعده فإنه I قد أكّد فيها وعده في أولها وآخرها ففي أولها قال (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ) وفي آخرها قال (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) فعلينا أن نؤمن بوعد الله بالنصر وعلينا أن نرجع إلى الله حقاً وأن نصدقه باليقين والصبر وأن نقيم أمر الله كما أمرنا بقوله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) هذا من أعظم ما يوصل الإنسان إلى هذا الوعد الحقّ والفتح والنصر والتمكين. نسأل الله U أن يقر أعيننا بنصر قريب للإسلام والمسلمين وأن يرينا في أعدائه بأسه وأخذه الأليم وe وبارك على محمد. بارك الله فيكم جميعاً ولنا لقاء إن شاء الله تعالى في مجالس أخرى نسأل الله تعالى أن يجمعنا على محبته والعمل بدينه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل