وقفات في سورة التكوير - 2

وقفات في سورة التكوير - 2

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

(فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿١٦﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴿١٧﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴿٢١﴾ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴿٢٢﴾ وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴿٢٣﴾ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴿٢٤﴾ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴿٢٥﴾ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴿٢٦﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٢٧﴾ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٩﴾)


بعد عرض مشاهد انهيار النظام الكوني المرعبة المخيفة التي تقرع القلوب وتذيب الأنفس رهبة ورعبًا وخوفًا في الآيات السابقة في المقطع الأول تأتي آيات المقطع الثاني لتتحدث عن حقيقة الوحي بقسم مؤكّد بآيات الله الكونية لبيان طبيعة الوحي وصدق جبريل عليه السلام وأمانته وتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن تهم الكافرين الباطلة وأقوالهم الكاذبة في حقه وفي حق القرآن الكريم. وجاء آيات هذا المقطع بإيقاع لطيف هادئ بديع فيه سكون وهدوء يتمثل في صوت الحروف في فواصل الآيات (السين في: الخنس، الكنس، عسعس، تنفس) يرسم صوت حرف السين سكينة تطمئن القلب بعدما أفزعته مشاهد القيامة وأهواله.

(فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس) الخُنس فيها أقوال منها أنها النجوم جميعًا وهي الأنسب لما بعدها من ذكر الليل لأنه ظرفٌ للنجوم فهي لا تظهر إلا في الليل، وهي تخنس في النهار وتظهر في الليل، (الخنّس، الجواري الكنّس) تصور حركة رشيقة خفيفة كحركة الظباء (جمع ظبي) رشيقة تجري لتختفي عن أعين الصيادين وهكذا تصور لنا الألفاظ حركة هذه النجوم تجري وتختبئ ثم تعود في مشهد حركي مليء بالحياة جمالي في اللفظ والجرْس والمعنى.

(والليل إذا عسعس) ويستمر القسم بآيات الله الكونية فأقسم الله تعالى بالليل إذا عسعس أقبل بظلامه الدامس وأدبر (لأن عسعس تأتي بمعنى أقبل وبمعنى أدبر) وصوت الكلمة (عسعس) يصور الليل يأتي في حركة هادئة يقبل ويُدبر ثم يأتي بعده الصبح (والصبح إذا تنفّس) أضاء وانتشر نوره. وكأن الليل يرمز إلى ظلمات الجهالة والكفر والضلال والانحراف والنهار يرمز إلى نور القرآن المبين الذي يحيي القلوب بحياة متجددة موصولة دائماً بمصدرها (القرآن).

وتنفس الصبح فيه نشاط وحيوية وولادة بعد السكون في الليل، تدب الحياة في كل حيّ بعد الرقاد ويتفتح القلب ويتنفس، وهذا التنفس والتفتح هو حياة للقلوب فناسبه ذكر ما تحيا به القلوب وترتاح الأنفس وتستقر وتطمئن فتبدأ الآيات بالحديث عن الوحي ورسوله ومبلّغه فجاء جواب القسم (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴿٢١﴾) وهذه أوصاف جبريل عليه السلام أمين الوحي يزكّيه الله سبحانه وتعالى في أوصاف تفرّدت فيها هذه السورة ستة أوصاف لجبريل الذي اصطفاه ربه ليكون رسول وحي السماء إلى الأرض فوصفه أنه: رسول وكريم وذي قوة مكين في مقامه ومكانته عند ذي العرش سبحانه مطاع في الملأ الأعلى من الملائكة أمين على الوحي فأيّ تشريف وتكريم هذا لجبريل أمين وحي السماء؟! فإذا كانت هذه صفات الرسول حامل الوحي من الله عز وجلّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكيف لنا أن نتصور صفات الوحي نفسه؟ بل كيف نتصور صفات الله عز وجلّ الذي هذا وحيه وكلامه؟!

ثم تنتقل الآيات إلى صفات الموحى إليه نبينا صلى الله عليه وسلم فاختار الله تعالى له صفة (صاحبكم) وفيه تعريض بهؤلاء المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه صاحبكم الذي صحبتموه على مدى سنوات عديدة وكنتم تصفونه بالصادق الأمين (﴿٢١﴾ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴿٢٢﴾ وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴿٢٣﴾ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴿٢٤﴾ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴿٢٥﴾) هو صاحبكم الأمين وصاحبكم الصادق الذي ما عهدتم عليه كذبًا قد رأى ملك الوحي جبريل بالأفق المبين وهذا ليس من وساوس الشيطان ولا كذبًا مفترى وإنما (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ).

(فأين تذهبون) استفهام إنكاري أين تذهبون بأفكاركم وأحكامكم وأقوالكم وافتراءاتكم عليه؟! هذه ذكر للعالمين في كل عصر وفي كل زمن يرشدهم ويهديهم للصراط المستقيم، القرآن دعوة عالمية (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾) من شاء أن يستقيم على هدى الله فقد أعطاه الله عز وجلّ حرية الاختيار ففعلك أيها الإنسان باختيارك بلا إكراه ولكن إياك أن تظن أن مشيئتك خارجة عن مشيئة الله تعالى فاختيارك هو ضمن مشيئة الله عز وجلّ (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٩﴾) والله سبحانه وتعالى لو شاء أن لا يكون لم يشأه الإنسان أو شاءه ولكن يحول الله عز وجلّ بين العبد وما يشاء بأسباب وموانع.

وهكذا تختم آيات هذه السورة العظيمة التي جمعت بين أهوال مشاهد يوم القيامة وانهيار النظام الكوني وبين آيات وصف الوحي ورسوله ومبلّغه وهو القرآن الذي عليه يقوم الكون وتقوم الحياة كما شاءها الله تعالى وما علينا نحن البشر إلا أن نتخذ هذا القرآن ذكرًا لنا حتى نستقيم على نهج القرآن فنكون من الآمنين يوم الفزع الأكبر ومن الناجين من أهوال يوم القيامة.

 

اللهم أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت سبحانك وأشهد أن القرآن كتابك بلّغه أمين الوحي جبريل للنبي الأمين صلى الله عليه وسلم فيا رب اشرح به صدورنا ونوّر به بصائرنا وبصيرتنا وأحيي به قلوبنا حتى نعيش على نهجه إلى أن نلقاك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجزِ نبينا محمد خير ما جزيت نبيّا عن أمته واحشرنا في زمرته وأوردنا حوضه وارزقنا شفاعته وأكرمنا بصحبته في الفردوس الأعلى ووالدينا ومن نحب والمسلمين، نشهد أنه قد بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل