تفسير سورة العنكبوت - 3- د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة العنكبوت - 3

د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٩﴾ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴿٣٠﴾ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ﴿٣١﴾ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٣٢﴾ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٣٣﴾ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٣٤﴾) .

يقول الله U (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ). وتحدثنا بارك الله فيكم عن السورة ومقصدها وأنها تركّز على الحديث في وصية الله للمؤمنين المستضعفين الذين فُتنوا في دينهم بالصبر، تتحدث السورة عن وصية الله U وعنايته I بالمؤمنين المستضعفين الذين فُتنوا في دينهم، وتوجيه الله عزّ وجل لهم بالصبر والثبات. وقد ذكر الله تعالى في ثنايا السورة ما يثبّتهم على ذلك ويؤنِّسهم من ذكر قصص الأنبياء قبلهم الذين واجهوا قومهم وأُوذوا في سبيل دعوتهم إلى الله تعالى. بعد ذكر قصة نوح ثم قصة إبراهيم جاءت قصة لوط u، قال الله تعالى (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) نلاحظ أن قصة لوط في القرآن الكريم جاء فيها إنكار لوط على قومه في فِعْل الفاحشة، إنكاره عليهم بفعل الفاحشة دون أمرهم بعبادة الله U كغيره من الأنبياء، فما السِرّ في هذا؟! ما السِرّ في أن لوط u كانت قصته في القرآن في الإنكار على قومه في فِعْل الفاحشة واللواط دون أمرِهِم بعبادة الله U أنه تبعٌ لدعوة إبراهيم، وقد سبق قول إبراهيم (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ (16)) فهم قوم إبراهيم لكنهم قريةٌ من القرى التي كان يدعوها إبراهيم وهي سدوم، كان فيها لوط عليه السلام وكانت هذه القرية مما فشا فيها تلك الفاحشة المشينة التي لم يُسبَق إليها في عهد مَنْ قبلهم. فكان تركيز لوط u في نهيهم عن تلك الفاحشة المشينة، وكان ذلك هو الظاهر في القرآن. وفيها عبرةٌ للمستضعفين أن الله U سينجيهم كما أنجى لوط u يوم أن الله U أهلك قومه، فهذا هو موضع العِبرة في هذه القصة، كما أن الله أنجى نوحاً ثم أنجى إبراهيم كذلك أشار هنا في السورة إلى نجاة لوط، ففيها عبرة للمستضعفين الذين فُتنوا في دينهم وأوذوا بأن الله سينجيهم كما أنجى لوطاً u. والفاحشة في قوله (لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) المقصود بها الفاحشة في الأصل هي التي بلغت الغاية في الفُحْش والقُبح والمراد بها هنا اللواط.

قال (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ ۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّـهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ذكر ما اشتملت عله الفاحشة منهم في ثلاثة أمور:

الأول قطع السبيل، وما المقصود بقطع السبيل في فعل قوم لوط؟ إما أن يكون المقصود بقطع السبيل هو قطع الطريق على المارّة وأخذ أموالهم وسرقتهم، وإما أن يكون وهو الأظهر هو التصدي للمارّين في الطرقات أو في الأسفار بأخذ أموالهم وفعل الفاحشة بهم. وكانوا يقعدون بالطرق ليأخذوا من المارّة من يريدونه للفاحشة قسرًا.

وأما إتيان المنكر في ناديهم فالمُراد به أنهم جعلوا ناديهم للحديث في ذكر الفاحشة والتخطيط لها وما يثيرها من التغزُّل ورمي الحصى على من يريدون فعل الفاحشة به والتظاهر بتزيين الفاحشة دون التستر منها، كل ذلك مما كانوا يأتون به المنكر في ناديهم. إذًا المقصود بإتيان المنكر هنا في ناديهم حديثهم عن الفاحشة وما يتعلّق بها وقد يدخل فيها فِعلها. والنادي هو المكان الذي يجتمع فيه وينتدي فيه الناس ليتحدثوا فيه ويتشاوروا أو يتناقشوا في أمر من الأمور وهو مشتقّ من الندو وهو الاجتماع نهارًا، أما الاجتماع ليلًا فيسمى السامر أو السَمَر، فالمقصود به هنا اجتماعهم بالنهار لحديثهم فيما هم فيه.

قالوا (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّـهِ) يدل على أن دعوته تضمّنت في نهيهم تهديدهم بالعذاب، قولهم (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّـهِ) يدلّ على أنه هددهم بعذاب الله تعالى فقالوا (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّـهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). قال لوط عليه السلام (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) وفي هذه الدعوة ذِْكر ما بينّاه في المجلس الماضي، بأن الدعاء ينبغي أن يتضمّن ما فعل الظالمين في الدعاء عليهم، فقال (رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) فهؤلاء مفسدون بفعلهم الفاحشة القبيحة. وأراد بذلك النصر عليهم ماذا؟ ما المراد بدعوته أن ينصره الله عليهم؟ أن يعاقبهم، أراد بذلك أن يعاقبهم وينزل عقابه عليهم، هذا المقصود به. ووصفهم بالإفساد هنا ظاهر من حيث أنه موافق لأفعالهم الفاسدة ومن أعظمها فسادًا فعل اللواط.

قال الله تعالى (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ ۖ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) جاءت رسل الله وملائكته إلى إبراهيم قبل لوط ليدلّ على أنه نبيّهم، وإلا لو لم يكن إبراهيم نبيهم لما أتت الرسل إليه، هذا يدل على أن دعوة لوط تابعة لدعوة إبراهيم. لكنّ الرسل أتوا إلى إبراهيم الرحيم الرؤوف بقومه أتوه بالبشرى، قدّموا الخبر بالبشرى حتى يطمئن قلبه، لأنه لو أخبروه بإهلاك قوم لوط لربما حزن وتألّم من ذلك وجادلهم فيه. قال (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ) وما هي البشرى التي أتوه بها؟ هو بشرى بأن الله U سيؤتيه ولدًا وهو إسحاق عليه السلام. (قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ) والقرية هي قرية سدوم، قرية لوط. قال (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) فبيّن الله تعالى وصفًا آخر من صفاتهم، وصفهم الوصف الأول بالمفسدين ثم وصفهم الله بالظالمين (إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) يعني قد طغوا، هم مفسدون وزادوا في الإفساد الطغيان، الظلم والتجاوز. ثم قال الله تعالى عن إبراهيم (قال إِنَّ فِيهَا لُوطًا) يعني أنه ظنّ إبراهيم أو خشيَ أن تكون العقوبة تشمل أهل القرية كلهم فيكون منهم المؤمنون ومنهم لوط عليه السلام. (قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا) لماذا أجابوا بقوله (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا) ولم يجيبوا بقولهم نحن أعلم بأن لوط فيها وأنه ممن سينجيه الله؟ هذا يدل على أنهم قد أرسلهم الله بعلمٍ تامّ في القرية وأحوالها وأهلها ومن يستحق النجاة ومن يستحق العقاب ودرجات عقوبة أهلها فهم ليسوا على درجة واحدة فالطغاة منهم أشدُّ عقوبة ممن هم دونهم، فقولهم (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا) يدلّ على دقّة علمهم بما أُرسلوا به ولا يدلّ ذلك على فضيلتهم على إبراهيم، قد يدلّ على علمهم أنهم أعلم من إبراهيم بأحوال القرية والمفسدون فيها والصالحون فيها ومن يستحقّ العقاب، نعم، لكنه لا يدلّ على فضيلتهم على إبراهيم بالعلم إذ إن إبراهيم قد أُوتي النبوة والكتاب كما قال الله تعالى عنه قبل ذلك، لكنهم في هذه الحالة. وفي هذا يمكن أن يقال بأن الإنسان قد يكون فاضلًا وعالماً في هذا الأمر أكثر من غيره ممن هو أفضل منه، يعني قد يكون الإنسان عالمًا بالفقه مبرِّزًا فيه وظاهرً علمُه سابقًا غيرُه لكن لا يدلّ ذلك على فضله على غيره. قد يكون الإنسان بعلمه العام أفضل وقد يكون الإنسان أو إنسان آخر بعلمه الخاص بشيء من الأمور هو أعلم.

قال الله I (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) يدلّ على أن لوط معه من المؤمنين أهله إلا امرأته التي خانته كما قال الله U عنها (ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ) فهي كافرةٌ خائنةٌ لدينها. قال (كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) فهذا يدلّ على الشاهد الذي يريد الله U أن يبيّنه لعباده المؤمنين وهو نجاتهم ممن كانوا سببًا في فتنتهم فقال الله (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ) فانظروا أن كلمة النجاة تكررت في القصص الثلاث ليؤكِّد أنها هي الغرض في ورود القصص الثلاث وهي أن الله يعد المؤمنين ويطمئنهم بنصره ونجاته. قال الله I (وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ) كيف يكون لوط u يسيء بملائكة الله ويضيق بهم ذرعًا؟! هذا قبل علمه بأنهم ملائكة إذ أنهم جاءوا على هيئة رجال فلم يعلم لوط عليه السلام بأنهم من أنبياء الله أو من ملائكته، فكان من عادته أنه مضياف كإبراهيم u فلما جاءوه سيء بهم، ولماذا سيء بهم؟ خشيَ عليهم من قومه، ولهذا قال (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) أن يصيبهم قومه بسوء. قالوا -أي الملائكة- (لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ) ما الفرق بين الخوف والحزن هنا؟ لا تخف على ماذا ولا تحزن من ماذا؟ لا تخف علينا ولا تحزن على ما سيكون من إهلاك قومك ونجاتك، فالخوف هنا متعلّقٌ بهم والحزن متعلِّق به وبقومه. قال الله تعالى (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) هنا تأكيد بعد إخبار إبراهيم بنجاتهم أخبر الله U لوطاً بنجاته وأهله. قال الله تعالى عن ملائكته (إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) والرجز هو العذاب الأليم أو المؤلم، وما كان عذابهم؟ ما العذاب الذي أتاهم؟ أن جبريل عليه السلام قد رفعهم من الأرض ثم كفأهم فانقلبوا على وجوههم صاغرين ثم أمطر الله تعالى عليهم بحجارة من سجيّل جزاءً على أعمالهم إذ أنهم قلبوا فطرة الله فأتوا الرجال دون النساء فقلبهم الله تعالى بالعذاب وأمطر عليهم حجارة من سجيل.

قال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وصف الله تعالى هنا الآية بأنها بيّنة ولم يصف السفينة بأنها بيّنة؟ فما السِرّ في هذا؟ هناك قال (وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (15)) هنا يدل على أنها بينة واضحة مشاهدة إذ أنها قرى أو قرية بقي فيها ما بقي بعد هلاك قومها وتدميرها بقيت منها بقيّة، أما السفينة فقد لا تكون باقية قد تكون غارقة في البحر أو نحو ذلك، فالمقصود هنا أنها بينّة لكل من يمرُّ عليها والدليل على ذلك قول الله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ (138) الصافات).

قال الله I بعد ذلك (وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ) هنا ذكر الله I قصة أخرى من القصص التي فيها عبرة وعِظَة للمؤمنين وفيها تخويفٌ للكافرين المكذّبين، (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ) ما معنى اُرجوا اليوم الآخر؟ اِستعدوا له، والاستعداد يكون بالعمل الصالح، بالإيمان أولًا والعمل الصلاح فهذا معنى رجاء اليوم الآخر برجاء ما فيه من الوعد ومن النعيم في الجنّة بالاستعداد له. قال الله (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٣٦﴾ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) هنا وصف الله عذاب قوم شعيب بالرجفة ووصفهم في هود بالصيحة، وصف العذاب هناك بالصيحة (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94)) في سورة هود، ما الفرق بين الرجفة والصيحة؟ وكيف اجتمعتا في حال قوم شعيب؟ الرجفة متعلّقة بالتدمير بتدميرهم، بالأرض، والصيحة متعلّقة بصوتها. إذًا الرجفة متعلقة بتدمير ديارهم وزلزلتهم والصيحة بحيث كونها ذات صوت قوي كالصيحة، فلا منافاة أو تناقض بينها. إذًا هذه القصص الأربع التي ذكرها الله سبحانه وتعالى فيها الغرض المسوق من أجله هذه القصص وهي أولًا أمرُ النبي e والمؤمنين بالمصابرة على إبلاغ الدعوة والرسالة والصبر على أذى الكافرين وفتنتهم وثالثًا نصرُ الله U لعباده وأوليائه، ورابعًا تعذيب الكافرين وإنجاء المؤمنين، كل هذه الأمور هي مقصودة في هذه القصص الأربعة مراعاة فيها المؤمنين. ثم تأتي بعد ذلك القصص الأخرى سردًا إجمالًا هي في جانب الكافرين يعني تهديدًا للكافرين وتوعدًا لهم وتذكيرًا بحال أولئك الأمم السابقة التي سبقتهم من المكذبين، قال الله (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ) والخطاب في قوله (لَكُم) لمن؟ في الأصل أنها لكفار قريش، كفار هذه الأمة. (وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ) كيف تبين لهم من مساكنهم؟ يعني شاهدوا عذاب الله في مساكنهم ورأوا تدميرهم ورأوا آثار هلاكهم (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) كيف زيّن لهم الشيطان أعمالهم؟ بأن جعلهم يعتقدون أن هذه الآلهة وأنهم على هذا الدين الذي هم عليه وهذه العبادة هم على الحق (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (22) الزخرف) فهم يظنون أنهم على هدى بتزيين الشيطان لهم هذه العبادة عبادة الأصنام وتوارثها عن آبائهم. (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) والسبيل هو دين الله الحق الذي لا سبيل غيره (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) ما معنى كانوا مستبصرين؟ أي كانوا عالمين الحق ومستبصرين بالآيات كانوا مستبصرين يبصرون آيات الله U التي أرسلها الله تأييدًا لأنبيائه وهذا يؤكد أن كُفْر عاد وثمود كان كفر جحود وإنكار واستكبار وأنهم علموا الحق والدليل على ذلك أن الله تعالى أرسل عليهم آيات بينات يبصرونها لكنها لم تنفعهم ولم يؤمنوا بها.

قال الله تعالى (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ) ذكر الله تعالى هؤلاء الثلاثة ولم يذكر قوم موسى يعني ذكر الله تعالى أسماء كبارهم وصناديدهم وكُفّارهم ولم يذكرهم باسم القوم كما قال الله (وعادًا وثمود) فما السرّ في هذا؟ ما السرّ في ذكر هؤلاء الصناديد الكبار المستكبرين؟ أمرين: الأمر الأول أنهم تزعّموا قومهم واستخفّوا بهم وطغوا بأنفسهم على قومهم، هذا الأمر الأول. الثاني أن فيه تعريض وتهديد لصناديد قريش، أُنظروا إلى هؤلاء الصناديد الذين كانوا في قومهم زعماء رؤساء كبار كيف كان حالهم؟! فهو تهديد مباشر لزعماء قريش كأبي جهل وأبي لهب وغيرهم من أنّ الله عزّ وجل سيأخذهم كما أخذ هؤلاء، فتخصيصهم مقصود لذلك، تهديدًا لزعما قريش وكِبارهم. قال الله (وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ) أي أن تكذيبهم كان بسبب الاستكبار، وقوله (اسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ) ما المقصود بـ(استكبروا في الأرض)؟ الأرض ما هي؟ يعني قد يكون المقصود بها أرض مصر أو قد يكون أن استكبارهم وزعامتهم طغت في الأرض وكان لهم سطوة وقوة في الأرض عمومًا قد يكون ذلك بسمعتهم وقوتهم وهيمنتهم أو نحو ذلك، ولم يكونوا ملكوا الأرض كلها لكن المقصود قوتهم وسلطانهم. (وَمَا كَانُوا سَابِقِين) ما معنى (وما كانوا سابقين)؟ يعني ما كانوا سابقين مفلتين من عذاب الله وعقابه وأمره وحُكمه فيهم، ففي ذلك تهديد لكل كافر مستكبر أنه لن يسبق أمر الله حُكمه ولن يفلت منه وهو تهديدٌ لمثل هؤلاء الطغاة اليوم الذين قد تبوأوا في قومهم زعامة واستكبروا في الأرض التي هم فيها فعاثوا فيها فسادًا وظلمًا وطغيانًا فإنهم والله ليسوا على الله بسابقين ولن يفلتوا من أمره سبحانه وتعالى وحكمه.

قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك بعد أن ساق هذه القصص قال الله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ما مناسبة هذه الآية التي سميت السورة بها (العنكبوت)؟ يعني بعد ذكر الله لهذه الأمم كلها ذكر الله مثالها وصوّرها بمثالٍ يشابهها وهي بيت العنكبوت، ما الغرض هنا؟ ما الغرض الذي سيقت من أجله هذه الآية وتسميتها بها؟ يعني هنا المقصود به إما أن يكون المقصود بيان حقيقة دعوتهم غير الله عز وجل وأنها ليست بشيء وأن هذه الأصنام التي يعبدونها لا تملك شيئًًا من النفع والضر فهي عبادة هاوية خاوية ضعيفة لا مستمسك لها، كما أن بيت العنكبوت ضعيف لا مستمسك له، قد يكون هذا المقصود. وقد يكون أيضًا مقصود آخر أن اعتقاد -وهي نفس المعنى لكنه في معنى آخر مؤكِّد- أن اعتقاد وتعلّق هؤلاء الكافرين بآلهتهم كتعلّق العنكبوت بشباكها في بيتها، ليست بشيء ولا تحملها ولن تحميها من هبوب الرياح وآثارِها أو غير ذلك فهي تبيّن أو تمثّل حقيقة تعلّق هذه الآلهة أو هؤلاء المشركين بآلهتهم وأنها لا تغني عنهم شيئًا، وعلى كل حال هي في حقيقة الأمر هو في بيان حقيقة بيت الشرك وأنه واهي وأنه لن ينفع أهله وأنه بيت يشبه بيت العنكبوت من عدة وجوه، ما هي؟ هذه الآية ذكر بعض العلماء أن فيها إعجازاً في تشبيه بيت العنكبوت ببيت الشِرك من عدة وجوه، الوجه الأول من ضعف التعلّق -كما ذكرنا قبل قليل- وأن هذا التعلّق لن ينفعهم شيئًًا سينهدم بأدنى تغيّر. وأمر ثاني في شبه بيت العنكبوت ببيت الشرك يعني هو بيت العنكبوت يُقال أنه يأكل بعضه بعضًا ويدمِّر بعضه بعضًا، فهم في حقيقتهم بسبب هذا الشرك وهذه العبادات على أخلاق سيئة يأكل بعضهم بعضًا في العدوان والتجاوز والظلم وغير ذلك، فهو بيتٌ مشتمل على أخلاق سيئة واهية، وأيضًا في تشتّت أهلها وتفرّقهم فهذا بيت العنكبوت لم يُبنى على أساس صحيح وإنما هو مجرّد من لُعاب العنكبوت نفسها تبنيه بنفسها وهو ليس بشيء وإنما تتمسك به بلا معتمد، فهؤلاء في تفرّقهم وتشتّتهم لا بقاء لهم وغير ذلك من الحقيقة صور التشابه التي ذُكرت مما لا يحضرني الآن لكن ليبين أن وجه الشبه هنا هو عدة وجوه وليس هو وجه واحد.

تجاوزنا آية وهي قول الله عز وجل (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا) ذكر الله عز وجل عاقبتهم وهو أن الله تعالى أخذ كل قومٍ بذنوبهم والغرض من ذلك ما هو؟ الغرض من ذلك تهديد المشركين وأنّ عذاب الله ليس واحداً وإنما هو متنوع وأخذُه سبحانه وتعالى حيث يشاء، (فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا) والحاصِب ما هو؟ هو الريح الشديدة التي تحصد أو تحصب الحصباء والحصى فتقتلعها فهي ريح شديدة جدًا إذا كانت تقتلع الحجارة والحصباء فكيف بالإنسان؟! هؤلاء من هم الذين أخذهم الله عزّ وجلّ بالحاصب؟ هم عاد. قال الله (وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) وهؤلاء ثمود، (وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ) وهم قارون، (وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا) وهو فرعون وقومه، (وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) بيان أن الله عز وجل إنما عاقبهم بذنوبهم وأنهم ظلموا أنفسهم بإشراكهم بالله عز وجل وعدم إيمانهم به وبرسله. ثم تحدثنا عن الآيات التي بعدها (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ) ثم قال بعدها سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هذا بيان لحقيقة الأصنام وأنها ليست على شيء، ففيه تحقير لأصنامهم (إِنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ) يعلم حقيقة هذه الأصنام وأنها ليست على شيء وليس لها أمر ولا تصرّف ولا نفعٌ ولا ضُرّ. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي الغالب سبحانه وتعالى ومن عزته وغلبته أن يُهلك قوم من يعبدوا هذه الأصنام ولا تنفعهم شيئًا، والحكيم سبحانه وتعالى بحكمه وأمره. قال الله تعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) في هذه الآية بيان بسَفَه عقول المشركين وأنهم لن يعرفوا حقيقة هذه الأمثال ولن يتعرفوا ويتدبروا فيها ولن يعرفوا مقصدها فتدلّهم على الحقّ أو الحقيقة فيؤمنون لكنهم لا يعلمون. قال الله (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) فوصف الذي يعقل هذه الأمثال من العلماء الذي يعلم فهذا حقيقة يعطينا فائدة عظيمة مهمة وهي أن من فقِه كتاب الله عز وجل ودلّه ذلك على الحق والحقيقة فآمن وامتثل أنه بذلك يستحقّ وصف العالِم بآيات الله، كما قال الله تعالى (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) أي علِموا ما فيها من الهدى فأخذوه واتّبعوه فالعلم ليس هو مجرّد كلمات تُقال ومسائل تُذكَر وإنما العلم الحقيقي هو الذي يُورِث عملًا وهدايةً واقتداءً. فالله تعالى هنا يبيّن أن هذه الأمثال التي يذكرها الله في القرآن لها حقائق وأنها تحتاج إلى تأمُّل وتدبر وتعقّل، الأمثال في القرآن عظيمة وفيها من الحقائق والدلائل والمعاني ما يستبصر به المسلم المؤمن ويهتدي، ومنها القصص أيضًا، الأمثال يدخل فيها القصص، يدخل في المثل القصص، لأن الأمثال قد تكون مثلًا حقيقيًا قد سبق وإما أن تكون مثلًا ليس واقعيًا وإنما هو ضربٌ لمثال يُشبّه بشيء، فهذا يؤكد لنا أهمية تدبر قصص القرآن وتدبر الأمثال وحقيقتها وأن وراءها مقاصد ويؤكد لنا أن قصص القرآن ليست أخبارًا لم تُذكر كأخبار وإنما ذكرت كمعاني ودروس يُعتَبر بها ويتعظ منا ويُهتدى بما فيها من الهدى، فحريٌّ بأن يكون هذا هو هدينا في كتاب الله U بما نقرأه ونتأمله لنتّصف بهذا الوصف الذي ذكره الله ونكون ممن يعقل كتاب الله، وإلا فإن تلاوة كتاب الله مجرّدة ليست هي المقصودة في تنزيل الكتاب (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ).

 قال الله I (خَلَقَ اللَّـهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ) في هذه الآية مخاطبة للمؤمنين بتوجيههم إلى النظر والتفكر بعد أن أشار لهم بالأمثال أمرهم وعرّض لهم بالتفكر والنظر في خلق الله U ودلائل قدرته ووحدانيته في خلق السموات والأرض، قال الله تعالى (خَلَقَ اللَّـهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ) فمن ما يُرسِّخ الإيمان والتوحيد واليقين هو التفكّر في خلق الله U فيزيدك بالله معرفة وتعظيماً ويقيناً بوحدانيته وخلقه وقدرته I ويزيدك أيضًا معرفة ببطلان الشِرك ومعتقداته وأنها ليست بشيء إذ أن الله تعالى هو الخالق وحده I.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل