تدبر مع القرآن - البسملة - 1

تدبر مع القرآن

د. محمد داود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

البسملة - 1

أمرنا الله إذا أردنا أن نبدأ القرآءة أن نستعيذ من الشيطان الرجيم. ثم يأتي السياق إلى البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) نفتتح بها كل السور فما معناها؟

الباء للاستعانة أستعين وأبدأ وأقرأ وأبتدئ ببسم الله الرحمن الرحيم.

(بسم الله) هل نحن نستعين بالاسم أم بالمسمى؟ نحن نستعين بأسماء الله أم بالله؟ نحن نستعين بالله لكن هنا يقول (بسم الله الرحمن الرحيم) وهذا يحتاج إلى تدبر. في القرآن (سبحان الذي أسرى بعبده) التسبيح هنا لله سبحانه لكن (سبح اسم ربك) التسبيح للاسم والحقيقة أن العلاقة بين الاسم والمسمى يكون جلال الأسماء بجلال المسمّى. مثال: لو قلنا كلمة لواء وكلمة جندي الشرف لا يكون لكلمة لواء وإنما لما أعطي لهذه المرتبة من مهام، رفعة الاسم تكون لرفعة المسمى ولا يعود للحروف والكلمات ولما كان اسم الله عز وجلّ وأسمائه الحسنى تدل على أعظم مسمى وهو الله رب العالمين فصار تقديسها واجب علينا وصار تعظيمها من تعظيم الله جلّ وعلا ولذلك نحن نسبح الله ونعظم أسماءه عز وجلّ.

الله له اسم علم على ذات الحق سبحانه وتعالى (الله) وتأتي بقية الأسماء كصفات لهذا الاسم: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس المؤمن المهيمن.

لماذا أُطلق عليها أسماء؟ الوصف إنما يختلف عن الاسم، لأن الوصف إنما هو من باب الأحوال أنت تصفني بالكرم تقول محمد كريم، هذه الصفة حال لا يدوم قد يتعرض لشيء فيتغير الشخص كان كريمًا لما كان عنده مال فلما ذهب ماله لم يعد كريمًا، فصفات البشر متغيرة، حال مؤقت في حال البشر لكن لما كانت صفات الله عز وجلّ لها الديمومة لا تتغير ولا تتبدل الله هو الغني الغني على الدوام بلا انقطاع ولا تغير فلما كان الثبات لصفات الله عز وجلّ دون تغيّر ارتقت وسمت وارتفعت إلى رتبة الأسماء فقلنا أسماء الله الحسنى رفعها الله تعالى لرتبة أسماء لأن الاسم غير الصفة لأن الاسم له الثبات والديمومة والاستمرار أما الصفة في حق البشر تتغير وقد لا تدوم ومنقطعة فقد يصيب الإنسان القوي مرض وشيخوخة فيضعف فلا يعود قويًا أما في حق الله فالصفات دائمة. والخالق غير المخلوق نقول الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم والإنسان حيّ لكن الإنسان حيّ ميّت أما الله عز وجلّ فهو الحيّ الذي لا يموت، صفاته لا تتغير لا تنقطع لذلك أطلق على صفاته الأسماء الحسنى.

(بسم الله الرحمن الرحيم) كلاهما يدل على الرحمة ويسأل البعض هل هذا من باب التكرار؟ لا، السبب في ذلك إنما يأتي من سبب علم التصريف (بلسان عربي مبين) الرحمن تدل على الرحمة بالعموم لكن وزنها الصرفي تدل على قوة الصفة (فعلان) في حين أن رحيم على وزن فعيل تدل على دوام الصفة وثبوتها، الرحمن تدل على عظمة الرحمة والرحيم تدل على ديمومتها فالرحمن الرحيم عظيم الرحمة دائمها.

الرحمن تفيد دلالة عظمة الرحمة والرحيم تفيد دوام الرحمة بحسب ما يقتضيه الميزان الصرفي لوزن فعلان وفعيل.

 

في مسألة (باسمك اللهم) (بسم الله) (بسم الله الرحمن الرحيم) هذه لها طريفة ويذكرها العلماء في كتبهم أن قريش كانت قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم تفتتح كتبها بقولها: (بسمك اللهم) وكان أمية بن أبي الصلت أول من كتب باسمك اللهم حسب الروايات إلى أن جاء الإسلام وروى ابن سعد في طبقاته أن النبي صلى الله عليه وسلم يكتب كما تكتب قريش حتى نزل قوله تعالى (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: 41] فكتب (بسم الله) حتى نزل قول الله تعالى (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الإسراء: 110] فكتب: بسم الله الرحمن إلى أن نزل قول الله تعالى (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴿٢٩﴾ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣٠﴾ النمل) فكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبدأ بها في كل أمر حتى نلتمس بركة الله عز وجلّ وكل أمر لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر أي مقطوع البركة مقطوع التوثيق والإعانة من الله سبحانه وتعالى لأن فيها اعترافًا بأنني أتحرك بسم الله أي بفضل الله وبركة الله وأحيا بفضل الله وبركة الله وبسم الله ولا أنجح إلا بتوفيق الله ولا أُسدد ولا أُوفّق إلا بتوفيق الله. فكما بيّن القرآن أهمية الاستعاذة تبيّن السُنّة التطبيقية أهمية البدء ببسم الله وحسبنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا كما تعلم من جبريل عليه السلام كما تعلم من الله سبحانه وتعالى أن نبدأ سور القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم. في هذا بيان عظيم لأهمية البسملة أن نستعين وأن عظمة الاسم تكون من عظمة المسمى وأن الرحمن تدل على عظمة الرحمة وأن الرحيم تدل على ديمومة الرحمة وأن الإنسان حين يلوذ ويستعين بالله فقد لجأ إلى المَنَعة ولجأ إلى الله. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل