تدبر مع القرآن - الاستعاذة - 2

تدبر مع القرآن

د. محمد داود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الاستعاذة - 2

أمر الله سبحانه وتعالى عباده إذا أرادوا أن يقرأوا القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم فقال تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) النحل)

أعوذ: أي أعتصم وألوذ.

الله: اسم الجلالة لفظٌ مكرّم مبجّل يدل على ذات الله سبحانه وتعالى، اسمٌ علمٌ على ذات الحق سبحانه وتعالى

من الشيطان فرق بين الشيطان وإبليس، الرجيم.

كل كلمة في الاستعاذة هي من الإحكام بحيث لا يمكن أن نستبدل كلمة بأخرى في الاستعاذة.

تطبيقات على الاستعاذة:

في سياق الآيات القرآنية ورد (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) الأعراف) (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [غافر:56] (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) فصلت) اختلفت فواصل الآيات، في غافر (السميع البصير) هذا كلام الحكيم سبحانه

الله سبحانه وتعالى حين أمرنا أن نلوذ بالله إذا ما جاءت نزغات الشيطان قال (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) لأن نزغات الشيطان لا ترى خفية تجري من ابن آدم مجرى الدم فحال الوسوسة الشيطانية يعود إلى العلم. لكن لما كان الأمر استعاذة من شر الإنس الذين نراهم ويدبرون لنا فقال تعالى (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) لأن الاستعاذة هنا من شر الإنس وأفعالهم تُرى في حين أن وسوسة الشيطان لا تُرى فتعود إلى العلم (السميع العليم).

في الأمر بالاستعاذة في سورة الفلق وسورة الناس يقول الله تعالى في سورة الفلق (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴿٤﴾ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴿٥﴾) أربعة أمور وفي سورة الناس (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾) وانظر إلى تكرار (مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾ إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿٤﴾ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿٥﴾ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴿٦﴾) لماذا؟

إذا تدبرنا فهّمنا الله سبحانه وتعالى:

في سورة الفلق الاستعاذة من أمور تلحق بدنيا الناس، الناس في دنياهم (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾) شرور الخلائق التي تلحق بنا في الدنيا من سحر الساحرين وحسد الحاسدين وغيره مما يؤثر في المال والولد والصحة فلم يكن هنالك تكرار لكن في سورة الناس (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾ إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿٤﴾) ووسوسة الخنّاس الخفيّ الذي يختفي ويخنس خفية ويوسوس في صدور الناس إنما هو أمر يتعلق بالدين وبالإيمان ولما كان أمر الإيمان مقدّم على أمر الدنيا وشؤونها حصل التكرار للتأكيد عى هذا المعنى.

والتكرار يبين وجوها حكيمة: رب، ملك، إله. (رب) كلمة عامة جدًا ثم يأتي (ملك) فتأتي خصوصية فتدرج في المعنى من العام إلى الخاص ثم يأتي الإله أخص الخصوصية ليبين برب الناس الذي يرعاهم ربهم سبحانه وتعالى لها دلالة، ملك الناس إن كنا نحن مِلكٌ لله عز وجلّ لذلك نقول إذا أصابنا شيء (إنا لله وإنا إليه راجعون) نحن ملك لله سبحانه وتعالى وللمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء وهو القادر على أن يحمي ملكه فهو رب وهو ملك وهو إله قادر بما في الألوهية من طلاقة القدرة ليؤكد للإنسان أن الملاذ الوحيد للحماية من الشيطان ومن هذه الوسوسة هو أن تلوذ بالله لأن الله هو الرب وهو الملك وهو الإله.

إن جاءك الشيطان يسول لك بالخطايا فعليك أن تلوذ بربك (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) سارع بالفرار واللواذ إلى الله تعالى تدخل في حماه.

 

من التطبيقات على الاستعاذة ما جاء بشأن ذلك العبد الذي علّمه الله وكان من علماء بني إسرائيل (والعبرة بعموم اللفظ) (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا) تفضلا ونعمة من الله (آياتنا) نون العظمة والجلال فيها عظمة الله (فَانْسَلَخَ مِنْهَا) خرج من الحِمى، عندما تُسلخ الحيوانات تكون عرضة للأمراض والفيروسات (فانسلخ) هو الذي خرج بنغسه من الحمى الربانية (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ) المتربص به (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ) أخلد تفيد دوام المكوث إلى شهواته ونزواته والأرض إشارة إلى كل ما هو طينيّ فينا من شهوات ونزوات (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) لم تعد عنده استجابة ولا بصيرة ومن هنا تأتي أهمية الاستعاذة وحتى نستعيذ على الحقيقة ينبغي أن نتدبر ونعيش هذه المعاني حين أقول أعوذ ألوذ أعتصم وألتجئ إلى الله لفظ الجلالة الذي هو علم على ذات الحق سبحانه وتعالى من الشيطان الذي يوسوس للعباد الرجيم المرجوم المطرود المبعد وكما طردته ليا رب من رحمتك فاطرده عنا فلا تنالنا وسوسته ولا ينالنا شيء منه أبدا، استعاذة تدخلك في الحمى وتجلعك في عصم من الله تعالى حتى لا يلحقك الشيطان ولا وسوسة الشيطان (قل أعوذ برب الفلق) (قل أعوذ برب الناس) اقرأهما في يومك حتى إذا ختمت يومك قرأتهما ومسحت على جسدك فنمت وفي ثوبك ملك وتقول اللهم أنم عيني واهدئ ليلتي إذا استيقظنا فنحن في حمى الله وإذا نمنا فنحن في حمى الله وإذا استعذنا فنحن في حمى الله. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل