وقفات مع سورة التكوير - 1

وقفات مع آيات سورة التكوير

مشاهد انهيار النظام الكوني

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

تعرض آيات السورة مشهد يوم القيامة من خلال انهيار النظام الكوني وبدأت بالحديث المفصّل عن الإنهيار الكوني يوم القيامة وانتهت بالثناء على الرسول الذي نزل بهذا الكتاب، على الرسول الذي بلّغ هذا الكتاب الذي تضمن الحقائق الإيمانية العقدية المتعلقة بالقيامة.

افتتحت السورة بـ12 مشهدًا من مشاهد الانهيار الكوني تبدأ بالشمس التي هي أصل المجموعة الشمسية والتي ترتبط بها الحياة على الأرض وكأن هذا الانهيار يبدأ من أساس الكون فيقلب وظيفته وبعد أن كانت الشمس مصدر النور والإشعاع التي تضيء الأرض وتستمد منه النجوم ضوءها، هذه الشمس تكوّر ويُطفأ نورها. وتكوير الشمس: فساد جِرمها لتداخل ظاهرها في باطنها بحيث يختل تركيبها فيختل لاختلاله نظام سيرها، من قولهم: كَوَّر العمامة، إذا أدخل بعضها في بعض ولفّها. هل نتخيل حقًا حجم الظلمة التي ستعم الكون إذا انطفأ نور الشمس؟! نحن إذا أطفأنا ضوء الكهرباء في غرفة نتخبط في الظلام لا نرى شيئا فما بالنا ومصدر النور الأرضي قد فقد دوره وغاب النور وعمّ الظلام الكون كله إذا أخرج أحدنا يده لم يكد يراها؟! وتكوير الشمس والله أعلم مرتبط باختلال نظام الجاذبية الأرضية التي يقوم عليها نظامنا الشمسي وتستقر الكائنات على سطع الأرض وتنتظم الكواكب في دورانها حول الشمس ولنا أن نتخيل ماذا ينتج بعد هذا الخلل فكل ما اعتدنا على وجوده يؤدي وظيفته التي خلقه الله تعالى لها سينهار دوره في هذا الكون!

وإذا زال ضوء الشمس انكدرت النجوم (على من فسر الانكدار أنه ذهاب ضوئها) لأن معظمها يستنير من انعكاس نور الشمس عليها، فقد نجول ببصرنا في السماء نحاول أن نجد أيّ نجم لعلنا نرى منه ضوءا ولو خافتًا لكن أنّى له ذلك وقد انطفأ ما كان منه يستمد النور!! ظلام في ظلام! يا رب سلّم! هذه بداية الأهوال وهي وحدها كافية لتهزّ قلب أقسى العتاة والطغاة وتخلعه من مكانه خوفًا ورعبًا ورهبة من هذا الظلام الدامس الذي لا يُعرف ما يحمله من الشرور!! ومن فسّر الانكدار على أنه سقوط النجوم فالمعنى يحتمل لأن هذه النجوم إذا اختل نظام الجاذبية وكورت الشمس تتساقط وتصطدم ببعضها البعض بعد أن أمسكتها الجاذبية بأمر الله تعالى منذ خلقها إلى هذا اليوم.

(وإذا الجبال سيّرت) ومع الظلام تسيّر الجبال الرواسي التي كانت تثبت الأرض حتى لا تميد، وما عاد هناك شيء يثبتها في الأرض! كيف تسيّر؟ الله تعالى أعلم! تصبح هباءً منبثّا وسرابا...

(وإذا العشار عطّلت) العشار جمع عُشراء وهي الناقة الحامل إذا بلغت عشرة أشهر لحملها (والناقة تحمل عامًا كاملًا) وهذه النوق تعتبر من أنفَس أموال العرب ولا يتركها صاحبها إلا إذا كان الهول عظيم والكرب شديد بحيث لا يلتفت لشيء مما يهمه ألم نقرأ في سورة عبس أن المرء يفر من أقرب الناس إليه من شدة الهول؟!

(وإذا الوحوش حشرت) الوحوش من طبيعتها التنافر تعتدي ويفترس بعضها البعض ولكن في هذا اليوم الذي كل شيءء فيه يختل نظامه فتنعكس وظيفته فالشمس المنيرة صات مظلمة والنجوم المضيئة انطفأ ضزؤها والجبال الرواسي سيّرت والكسب المادي الذي يُسعى له يُترك ويُهمل والوحوش المتنافرة تجتمع وتحشر مع بعضها البعض ولعلها ما عاد لها ملجأ تختبئ فيه في هذا الكون المنهار وأفزعها الظلام فخرجت تبحث عن مأمن والله أعلم!

(وإذا البحار سجّرت) هذه البحار التي تملأ ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماءً تفيض من اختلال الجاذبية وتنقلب نارًا؟!! أيّ هول هذا؟! حتى الماء يختل نظامه ويتحلل إلى أصله المكون من غاز الأكسجين والهيدروجين عندما أذن الله باتحادهما يكون ماء ننتفع به في حياتنا على الأرض وعندما أذن الله تعالى في هذا اليوم بالتحلل إلى أصله الغازي يصبح قابلًا للاشتعال فتسجّر هذه البحار والمحيطات بقدرة الله الخالق سبحانه! والبحار في هذا اليوم على أحوال وسيأتي في سورة الانفطار تفجير البحار وهذه كلها مراحل تأتي متتالية والله أعلم بقدرة الله سبحانه جلّ جلاله.

(وإذا النفوس زوّجت) ناسب بعد حشر الوحوش أن تزوّج النفوس وفيها معاني منها جمع الأرواح بأجسادها أو جمع كل مجموعة من الأرواح المتجانسة في مجموعة وهذا الجمع فيه تهيئة واستعداد للحشر والحساب. هل تخيلنا عدد الأرواح التي ستجمع بأجسادها منذ بدء الخليقة مع آدم عليه السلام إلى آخر البشر قبل قيام الساعة؟! وهل تخيلنا دقة هذا الجمع وسط هذا الانهيار الشامل للنظام الكوني؟! رغم كل هذا الاختلال والانهيار إلا أن عملية جمع الأرواح عملية بالغة الدقة لا مجال فيها للخلل أو الخطأ إنما كل نفس تعود للجسد الذي كانت فيه! ما أعظم قدرتك يا رب!!

(وإذا المؤودة سئلت * بأي ذنب قتلت) لما ذكر تزويج الأنفس وجمع الأرواح وهو استعداد للحساب والسؤال ناسب أن يذكر أول سؤال للمؤودة التي كانت تدفن حيّة أو تلقى في بئر ولعل في هذا مناسبة للاختلال في الكون يوم القيامة وأن هذا الفعل كان من اختلال النظام البشري الذي شرعه الله فالمولودة خلقها الله لتحيا لا لتدفن حيّة! ولنا أن نتأمل كيف هذه المؤودة الصغيرة السن التي لا تتكلم ستُسأل في هذا اليوم بأي ذنب قتلت، سؤال يدبّ الرعب في قلب والدها الذي وأدها دون شفقة ولا رحمة ليزيد رعبه رعبًا وهلعه هلعًا أن من لم يكن يملك أن يدافع عن نفسه وهو صغير يُدفن سيكون أول من يتكلم ليؤخذ له حقّه...

(وإذا الصحف نشرت) بعد حشر الوحوش وتزويج النفوس وسؤال المؤودة تنشر الصحف التي طويت عند موت أصحابها تُنشر اليوم للحساب ويا لهول هذا النشر وما سيلاقي فيه الناس في صحفهم مما أحصاه الله ونسوه وسيظهر لهم ما لم يكونوا يحتسبوه! فيا رب بدِّل سيئاتنا حسنات حتى لا يكون في صحائفنا يوم تُنشر إلا صالح الأعمال والأقوال والأفعال واجعلنا ممن يؤتى كتابه بيمينهم لا من وراء ظهورهم ولا بشمالهم.

 

(وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴿١١﴾ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴿١٢﴾ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴿١٣﴾ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴿١٤﴾) أي أزيلت وكأن في هذا المشهد إزاحة الستار عن المشهد التالي وكأن السماء كلها كانت ستارة تحجب ما خلفها من الجنة والنار فتطوى السماء كطي السجل للكتب وتكشط وتزال فترى خلفها الجحيم مسعّرة والعياذ بالله والجنة تقرّب للمؤمنين إكرامًا لهم وجزاء من الله عطاء حسابا.. الآن ساعة الحقيقة التي لا مفر منها (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) الزاد الذي اخترته لسفرك أيها العبد هذا وقت إحضاره فهل هذا الزاد ينفعك الآن في هذا الموقف أم لا ينفعك؟!



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل