تدبر مع القرآن - (ولو شاء الله) (ولو شاء ربك)

تدبر مع القرآن

بيان الفرق بين ( لو شاء الله ، لو شاء ربك )

د. محمد داود.

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(أعوذ بالله) (بسم الله) ذكر لفظ الجلالة الله ولم يذكر إله، رب، أو غيرها، هذا لحكمة لأن هذا الكلام كلام الحكيم وكلام الحكيم كله حكمة وفعل الحكيم كله حكم.

في سورة الأنعام يقول الله عز وجلّ (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴿١٠٧﴾) (ولو شاء الله) وبعدها بآيات يقول الله عز وجلّ الآية 112 (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿١١٢﴾) (ولو شاء ربك)

في قوله تعالى (ولو شاء الله): كان الكلام في سياق الإيمان بالخالق لأن الله سبحانه وتعالى قال (ولو شاء الله ما أشركوا) الكلام عن الإيمان وعدم الشرك بالله وهذا متصل بمعنى الألوهية فكان المناسب هنا ذكر لفظ الجلالة (الله) وهذا من إحكام المفردة القرآنية.

أما في قوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) كان الكلام عن إساءات الناس إلى الأنبياء الذين يتولاهم الله بالرعاية ووعدهم بالنصرة حين قال (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) غافر) هذه الإساءات تأتي هذه الآية لتبين أنها ليست طعنًا في عصمة الله لهم لأنها لا تنال من دعوتهم بل تكون معجزة العصمة والنصرة أبلغ حين توجد هذه المحاولات من البشر لكنها لا تبلغ مداها، لا تحقق مقصودها، لا تحقق غرضها ولا هدفها لذلك جاء لفظ (ربك) الذي يفيد الرعاية والعصمة ومع الأنبياء. لذلك مثله يقول تعالى (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) [الأنعام:119] لما تقّدم ذكر في الآية لأفعال الناس المخالفين لهديه سبحانه فحتى لا يتسرب إلى لأنبياء شيء من الشعور أنهم قصروا في الدعوة وأمانة التبليغ ناسب ذكر لفظ (ربك) فالله يؤنسهم ويطمئن أنبياءه ولذلك تخفف الآيات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا السياق حين يجتهد في الدعوة والتبليغ والحرص على الناس يقول الله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) [الأنعام: 107] لأن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هدايتهم كان عظيمًا ولذلك خاطبه ربه (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴿٦﴾ الكهف) (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾ الشعراء) كان النبي حريصًا على هداية هؤلاء فتأتي كلمة (ربك) لتؤنس الأنبياء حتى لا يشعروا أنهم قصّروا وأن الله لم يتخلى عنهم ولكن حتى كي تكون المعجزة أبلغ يترك محاولات هؤلاء المعتدين وهؤلاء السفهاء لكنها لا تنال منهم ولا من دعوتهم.

مثل ذلك يقول الله عز وجلّ (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف:54] هنا جمع بين الله ورب لأن الخلق والقدرة وطلاقة القدرة تعود إلى الألوهية فجاء بلفظ (الله) وأما (تبارك) البركة من الله في الكون كله ورعايته لخلقه وقيامه بشؤونهم وأنه يتولى شأن العالمين كلهم فقال (رب العالمين) لم يقل إله العالمين، ربهم الذي يرعاهم ينعم عليهم، يرزقهم ويتولاهم حتى وهم على معصية.

عندما تتأمل (الله) و (رب) في السياق القرآني تجد أن سورة النور جاءت كلها في كل آيات السورة بلفظ الجلالة الله لتؤكد أن الله تعالى هو مصدر التشريع، الحلال والحرام الله هو الذي يحلل ويحرّم، الحلال والحرام هو حق للخالق سبحانه حيث الأمر والنهي يكون لمن خلق ولمن بيده الرزق ولمن بيده الحياة والممات.

كل ما كان من معنى الألوهية ولو بوجه ما، الإيمان والعبادة، الأمر والنهي ناسبه لفظ الجلالة (الله) جلال القدرة وطلاقة القدرة والإيمان بالله الخالق. في مقابل كل ما كان من معنى الربوبية ولو بوجه ما التفضل من الله بالنعم والحفظ والإنعام والرعاية والقيام بتدبير شؤون خلقه يناسبه كلمة (رب) ويجمع الله بينهما في آية واحدة في سورة الكهف في حوار صاحب الجنتين مع صاحبه المؤمن الفقير في سياق بيان حرص الصاحب المؤمن على توحيد الله عز وجلّ وعدم السقوط في فتنة الغرور بالمال والولد قال تعالى (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٣٨﴾) لفظ الجلالة (هو الله) يناسب الإيمان الخالص والتوحيد الصادق بالله عز وجلّ وتأتي كلمة (ربي) مناسبة لمعنى الإنعام والتفضّل والإكرام وأنه ينبغي للمؤمن الصادق أن لا يُفتن بالنعمة عن المنعِم.

نجد في سورة الشعراء (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴿٥﴾) ولم يذكر هنا (الله) ولا (رب) ولا أي اسمٍ آخر من أسماء الله الحسنى لأن بداية السورة فيها تلطف بحال النبي وتأسيه على قومه الذين لم يؤمنوا (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾) وسياق التلطف والترفّق إنما يناسبه اسم الرحمن.

تكررت كلمة رب وربك وربكم كثيرًا في سورة الشعراء لما فيها من رعاية الله ونصرته لأنبيائه، لنبيه موسى وأخيه هارون في مواجهة فرعون وعتوه وجبروته كذلك لما فيها من رعاية الله ونصرته لباقي الأنبياء ونصرته لنبيه إبراهيم في مواجهة النمرود وكذلك مع نوح وعاد ولوط وشعيب ثم ختمت السورة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

من التدبر في إحكام الكلمة القرآنية: (بسم الله) (أعوذ بالله) لفظ الجلالة يأتي حيث تكون طلاقة القدرة والألوهية والإيمان و(رب) يأتي حيث يكون الإنعام والتفضل والقيام بشؤون الخلق ويأتي الرحمن حين يكون مقام التلطف بالنبي صلى الله عليه وسلم ويأتي ذكر الله في سورة النور بصورة مستمرة لبيان أنه مصدر التشريع والأحكام والحلال والحرام.

في بداية سورة هود (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿١﴾) لماذا حكيم خبير دون غيرهما من أسماء الله الحسنى؟

لما تقدم في الآية نفسها (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ) الإحكام والاتقان يحتاج إلى حكيم، لا تناسبها عليم بوجه من الإحكام مثل حكيم. ثم قال سبحانه (ثُمَّ فُصِّلَتْ) التفاصيل والدقائق، دقائق المعاني، هذه تحتاج إلى خبير فقال (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) ثم لما كان الأمر بالعبادة بالإنذار والبشرى ناسب ذكر لفظ الجلالة الله حيث العبادة حقٌ مستحقٌ للإله الخالق سبحانه في حين أن الآيات في القرآن كله تبين هذا الإحكام بكلمة (الله) إذا كانت طلاقة القدرة ومعاني الألوهية بوجه ما وكلمة (رب) إنما تأتي إذا كانت معاني الربوبية من التفضّل والإنعام بوجه ما، وكلمة (الرحمن) تأتي إذا ما كان التلطف والإنعام كما في صدر سورة الرحمن (الرحمن * علم القرآن) في مقام بيان النعم وتلطف الله مع خلقه بهذه النعم ودعوتهم إلى الإيمان بذلك فهذا بيان فجاء بكلمة الرحمن. وهكذا الإحكام (كتاب أحكمت آياته) لما أحكمت تحتاج حكيم فقال (حكيم) (ثم فصّلت) والتفاصيل والدقائق تحتاج إلى خبير فقال (حكيم خبير).

 

القرآن الكريم كل حركة، كل حرف، كل كلمة في موقعها لا يمكن أن يسدّ مسدّها كلمة أخرى ولو من داخل القرآن هذا كلام الحكيم فسبحان من هذا كلامه. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل