تفسير سورة العنكبوت - 1- د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة العنكبوت - 1- د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة العنكبوت - 1

د . محمد بن عبدالله الربيعة - دورة الأترجة القرآنية


(الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣﴾ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) .

يقول الله U في مفتتح هذه السورة (الم) وهذه السورة من السور التي افتتحت بحروف الهجاء المقطعة مما يظهر أن فيها تحدٍ للمشركين والعجيب أن هذه السورة وسورة الروم افتتحت بـ(ألم) لكنها لم تُعقَّب الحروف المقطعة بذكر الكتاب المبين فإن غالب السور التي افتتحت بالحروف المقطعة عُقِّبت بالحديث عن القرآن إلا هاتين السورتين وخصوصاً (ألم) وسورة نون والسِرّ في ذلك -والله تعالى أعلم- أن هاتين السورتين فيهما تحدٍ للمشركين من نوع آخر فهو تحدٍ لإبطال دينهم وشركهم ومعبوداتهم وبيان أن دين الحق ظاهر وإن استضعفوه ولذلك اجتمعت هاتان السورتان سورة العنكبوت والروم لمقصد متقارب كما سيأتي. وهذه السورة أيها الإخوة يقرؤها المؤمن المبتلى في دينه هذه السورة يقرؤها المؤمن الذي يُبتلى في دينه ويلاقي في دينه بلاء وفتنة من أعداء الله U أو من غيرهم فهذه السورة توطّن في قلبه الإيمان وتحثّه على الصبر والمجاهدة والجهاد فما أعظمها في مثل هذا الوقت الذي نعيشه نحن وإخواننا في بلدان شتّى متفرقة يلاقون ما يلاقون من البلاء والفتنة من أعداء الله U. وخاصة ما يلاقيه إخواننا هذه الأيام في سوريا من الفتنة والبلاء العظيم الذي يحتاجون فيه إلى أن يرتبطوا بكتاب الله I فيزيدهم ذلك ثباتاً وصبراً ويقيناً بأن الله معهم وبياناً بأن الله موهن كيد الكافرين وأن ما هم فيه من طغيان إنما هو كفقاعة تكاد تزول بإذن الله تعالى وقدرته وأمره. يقول الله U (ألم) ذكرنا أن هذا الافتتاح فيه تحدٍ للمشركين ببيان توهين أمرهم وشركهم وفيه في مقابل ذلك إشارة للمؤمنين بغلبة أمرهم وأن الله معهم وناصرهم وممكن لهم. ثم قال الله U (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) المقصود بالناس هنا المؤمنون فكأن الله تعالى يبيّن سُنّة من سننه في الناس تثبيتاً للمؤمنين وتهوين الأمر في نفوسهم وأن هذا أمراً ليس هو حاصلٌ أو واقعٌ عليكم فقط وإنما هو من أمر الله U مع عباده من قبل. قال الله (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا) أي أن يتركهم المشركون يعني كيف يحسب الناس أن يقوموا بدين الله ويخالفوا أمر قومهم المشركين ولا يصيبهم أذى هذا أمرٌ في الأصل أنه واقع من الطبيعي أن يلاقي الإنسان الفتنة والبلاء في مخالفة قومه الظاهرين في أمرهم فهذا الأمر طبيعي بل هو أمرٌ من سنة الله تعالى فليس ذلك بعجيب. قال الله تعالى (أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) أي لا يفتنون في دينهم والفتنة في الدين هنا تشمل ماذا؟ تشمل السعي في صرفهم عن دينهم الصدّ السعي في التضييق عليهم وتعذيبهم وأخذ أموالهم إلى غير ذلك فكل ذلك داخلٌ في قوله (وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) أي لا يفتنون في دينهم ولذلك لم يذكر المفعول للفتنة لإطلاقه فهم يفتنون في أمر دينهم في أي أمر وفي أيّ حال من الأحوال فيدخل فيها أنواع من الفتنة منها المنع من الهجرة والعذاب أو التضييق أو أخذ الأموال ونحو ذلك. قال الله I (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) ما غرض هذه الآية؟ غرض هذه الآية بارك الله فيكم هو بيان أن هذا من سنة الأولين وأنهم قد فُتِنوا في دينهم كما فُتِن المؤمنون من هذه الأمة مثل من؟ من يذكر مثالاً؟ أصحاب الأخدود الذين فُتنوا في دينهم فتنة عظيمة ربما أنها أشد بل هي أشد مما لقيه الصحابة إذ أن فتنوا بإلقائهم في النار في مقابل تمسكهم بدينهم. فهذا مما يخفف على المؤمن هذا البلاء الذي يعيشه لذلك قال الله تعالى في تلك السورة (إن ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا۟ (10) البروج) فهي من أعظم الفتنة أن يواجه الإنسان الموت في مقابل صبره على دينه. وأيضاً أصحاب الكهف فتنوا في دينهم بأن هاجروا وتركوا قومهم وأهلهم وصبروا على ذلك وغير ذلك مما تذكره السير والآيات. قال الله عز وجل (وَلَقَدْ فَتَنَّا) لم يقل "ولقد فُتن" نسبة الفتنة إلى الله دليل على أن هذه سنة إلهية لماذا؟ للتمييز وأن الإنسان المؤمن لا بد أن يميّز لا بد أن يمحِّص (وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿141﴾آل عمرآن) فنسبة الفتنة إلى الله هنا للإثبات أن هذا أمرٌ من سنة الله. وفيه أيضاً إشارة إلى أنه هو القادر I على صرف هذه الفتنة عنهم مما يستلزم عليهم الصبر والالتجاء إلى الله ودعاء الله أن يصرف عنهم هذه الفتنة في مقابل يقينهم بالله وصبرهم يسألون الله تعالى أن يصرف عنهم. وذلك كما دعا موسى عليه الصلاة والسلام ربه بقوله (وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَ‌ٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَ‌ٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ (88) يونس) فموسى u دعا ربه أن يزيل أمر فرعون بعد أن فتن قومه وفي هذا مما يفيد أن الإنسان إذا دعا الله وهو مظلوم أن يذكر في دعوته ما يلاقيه من البلاء وما فعله أولئك الظَلَمة الطغاة في ظلمهم وطغيانهم يعني يذكر سبب التجائه إلى الله وربه أعلم ولكن فيه إظهارٌ في الاستضعاف بين يدي الله U فذكر سبب الدعاء من موجبات الإجابة بإذن الله U. قال الله تعالى (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا) هنا بيان أن الله U سيعلم العاقبة وليُظهر بعد هذه الفتنة أمر الصادقين وأمر الكاذبين. (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) كرّر ذلك لأن الأمر لأنه يحتاج إلى تمييز بين الفريقين فهذه هي الحكمة في الفتنة التميز بين الفريقين. ثم تأملوا أن وصف المؤمنين بقوله (الَّذِينَ صَدَقُوا) والكاذبين بقوله (وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) لماذا وصف المؤمنين بقوله الذين صدقوا ولم يقل وليعلمن الله الصادقين؟ ما الفرق بين الذين صدقوا وبين قوله الصادقين؟ لا شك والله أعلم أن التعبير بقوله (الَّذِينَ صَدَقُوا) يعني الذين تمكّن الصدق فيهم وترسّخ بعد الفتنة وتيقّن فيهم، هم مؤمنون لكنهم بعد الفتنة أشد إيماناً وتمسكاً وصدقاً فكأن الله تعالى يقول ليعلمنّ الله الذين رسخ الصدق في قلوبهم والإيمان ولذلك عبّر هنا بالصدق دون الإيمان والله أعلم ليدل على أن المقصود رسوخه وثبوته.

ثم قال الله I (أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿4﴾ العنكبوت) هذه الآية زجرٌ للكافرين الذين فتنوا المؤمنين وهو وعد بأنهم لا يفلتون من أمر الله عز وجل وإرادته وقدرته (أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ) ما هي السيئات التي يعملونها؟ هي الكفر أولاً وأذية المؤمنين فتنة المؤمنين ومشاقتهم كل ذلك من عمل السيئات. قال (يعملون) والفعل المضارع يدل على الاستمرار والتجدد أي أنهم يعملون السيئات مستمرة ومتنوعة فأعظم أعمالهم الكفر ومنها أيضاً أذيتهم للمؤمنين. قال الله تعالى (أَن يَسْبِقُونَا سَاء) والسبق يراد به الانفلات والنجاة يعني أن ينجون من أمرنا وعذابنا وقدرتنا (سَاء مَا يَحْكُمُونَ) أي ساء ما يقدّرونه ويظنّونه، هم يظنّون أنهم لن يقدر عليهم أحد ولذلك يحكمون بالأمر الذي يريدونه ويظنّون أن حكمهم نافذ ولهذا قال الله تعالى (سَاء مَا يَحْكُمُونَ) مع أن المقصود ساء ما يظنونه لكن لما بلغ بهم الأمر إلى الكبرياء والسطوة ظنوا أن الحُكم لهم والأمر لهم وهذا واقعٌ أو مشاهد في الواقع الذي نعيشه الآن، ترون أولئك الذين يفتنون المؤمنين من الطغاة والمجرمين كيف أنهم يتصرفون وكأن الأمر لهم وكأن الله U غير قادر عليهم بل إنهم والعياذ بالله يجترئون على الذات الإلهية ويستهزئون ويسخرون بشرائع الدين وبعباد الله الصالحين وذلك ظاهر الآن فيما يحصل الآن في سوريا حتى بلغ بهم الجرأة إلى التعدي على الذات الإلهية كما صرّح بذلك أحد ساستهم قبل يومين، وهذا مؤذنٌ بإذن الله تعالى بسقوطهم السقوط المهين الذي سيجعلهم عبرة للعالمين بإذن الله تعالى. لكننا لا نظن أن سطوتهم وتصريحاتهم التي تدلّ في ظاهرها القوة والتمكن أنها في الواقع لا حقيقة لها فهؤلاء الذي سلطوا على عباد الله وحكموا بالأمر على أنهم أصحاب الحكم والله إن الله U قادرٌ عليهم وأن ذلك التسلط منهم والزعم منهم بالحكم والتقوّل على الله مؤذنٌ بقرب زوالهم بإذن الله U هذه الآية والله إنها لمؤنس للمؤمنين ومرهبة للكافرين (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا) أن يفلتوا منا والله لن يفلتوا من عذاب الله ولن يفلتوا من حكم الله ولن يفلتوا من إرادته وقدرته وعزته I ونسأل الله أن يرينا فيهم يوماً كيوم قارون وفرعون وأبي بن خلف وأمثالهم من طغاة العصر الذين أذهبهم لله وأذلّهم. في هذه الآية أيضاً عبرة (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا) هي عبرة للمؤمنين، المؤمنين الذين يقترفون السيئات وهم يستخفّون بوعيد الله أو ينسونه ويغفلون عنه فإن هذا أقرب للعقوبة الإنسان الذي يعمل السيئة وينسى وعيد الله وينسى خوفه من الله لا يبالي فإن إثمه أعظم وعقوبته أعجل فليحذر المؤمن من أن يعمل السيئات وينسى وعد الله U ووعيده ويظن أنه بذلك لن يصيبه من العقوبة ما يصيب غيره وذلك كله راجع إلى الغفلة والران الذي يكون على القلب.

ثم قال الله U (مَن كَانَ يَرْجُو۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَاتٍۢ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿5﴾ العنكبوت) هذه الآية فيها تطمين للمؤمنين وفيها تأنيس لهم وفيها حثٌ على أن يتعلقوا برجاء الله ولقاء الله ووعد الله U. قال (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ) ما هو لقاء الله؟ الآخرة، في الآخرة، لقاء الله في الآخرة. (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ) ما هو أجل الله؟ الأجل العاجل في الدنيا ومنه وأعظمه النصر ووعد الله بالتمكين والنصر (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ) أي قريب. وفي هذه الآية ما يشير إلى غزوة بدر وغيرها وسورة العنكبوت وسورة الروم فيها ما يقارب من ست إشارات لغزوة بدر من استطاع منكم أن يستخرجها قبل أن نذكرها فنرجو أن يحوز من الأخوة بهدية، ست مواضع في سورة العنكبوت وسورة الروم تشير إلى غزوة بدر وغيرها من الغزوات لكن في غزوة بدر على وجه الخصوص في سورة العنكبوت وسورة الروم، ست مواضع أو أكثر تشير الى غزوة بدر أريد أن تذكروا الآية ووجه الاستشهاد منها- هذه من أولها (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ) أي وعده ونصره آت قريب. (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي السميع لدعائكم واضطراركم وهذا يفيد ويؤكد لنا أدباً مشروعاً للمسلم إذا ابتُلي وهو أن يُكثر من الدعاء وأن يُلحّ على الله U وأن يتضرع بين يديه ليجد أجل الله القريب الآتي وذلك أمرٌ ظاهر فإن النبي e هذا حاله حينما يضطر في أمره كما فعل عليه الصلاة والسلام في بدر كان رافعاً يديه حتى سقط رداءه يدعو ربه ويستغيثه ولهذا قال الله (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ (9) الأنفال) نحن اليوم فيما نواجهه من أعداء الله U في بقاع الأرض ونحن أمة واحدة وجسد واحد فيما يعيشه إخواننا في فلسطين ويعيشه إخواننا في سوريا واليمن وغيرها من بلدان الأرض والله إننا لبحاجة إلى أن نلتم معهم ونناصرهم بأعظم سلاح وهو الدعاء. من منا يبكي ويتضرع ويلح على الله U في أن ينجي الله المؤمنين وينصرهم ويمكّن لهم في بلادهم؟. قال الله سبحانه وتعالى (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) العليم بماذا؟ العليم بأحوالكم وأنكم تستحقون النصر بضعفكم واستضعفكم واستلجائكم الى الله U فهذا يدل أيضاً على أن الإنسان في حاله ينبغي أن يظهر منه استنصار الله U في استضعافه بين يدي الله I وصبره ويقينه وتوكله على الله. قال الله تعالى (وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿6﴾ العنكبوت) هذه الآية واردة بعد ذكر رجائهم بما عند الله وفيها بعثٌ للمجاهدة في الخير والصبر على الأذى يعني مع التجائكم إلى الله ورجائكم به جاهدوا واصبروا وأن من جاهد صبر ظفر (وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِ) فإن مجاهدتك في صبرك ويقينك راجعة إليك عاقبتها لك والعاقبة للمتقين لهذا قال الله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) يعني الله سبحانه وتعالى غني عنا أو عن ديننا أو عن تمسكنا وعن صبرنا كل ذلك راجعٌ إلينا في الدنيا بمعية الله وتوفيقه وفي الآخرة في وعده وجزائه العظيم في الجنة

قال تعالى (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿7﴾ العنكبوت) ما مناسبة هذه الآية؟ هذه الآية فيها وعد للمؤمنين المفتونين الصابرين المجاهدين بأن سيكفر سيئاتهم ويجزيهم على صبرهم أحسن الجزاء يعني تطمين لهم بأن ما تلاقونه من البلاء والمحنة لكم فيه عند الله جزاءين مع نصر بإذنه تعالى ووعده وهما تكفير السيئات (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) فيكفِّر الله عنهم سيئاتهم ويُطهّرهم (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) في مقابل صبرهم ويقينهم وتمسّكهم قوبلوا بجزاء أحسن الجزاء والجزاء من جنس العمل (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ(29) يونس) فإحسانهم بالصبر واليقين والتوكل على الله جزاؤهم أن الله يجزيهم أحسن ما كانوا يعملون.

ثم قال الله عز وجل (وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَ‌ٰلِدَيْهِ حُسْنا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿8﴾ العنكبوت) ما علاقة هذه الآية بقضية الفتنة في الدين وأمر المؤمنين في مكة خاصة قرب الهجرة وما يلاقونه من بلاء ومحنة وفتنة من المشركين؟ ذكر الله U هنا حالة خاصة من حالات الافتتان في الدنين وهو أن يلاقي الإنسان أن يفتن في دينه بسبب والديه فيكون والداه سبباً في فتنته وبلائه وأذيته بسبب دينه فذكر الله تعالى بأنه في حالة كون الوالدين هما اللذان يجاهدانك في ترك الدين ويفتنانك عن الدين فما الواجب عليك تجاه ذلك؟ قال الله (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) أي الواجب أن تصبر وأن تحسن إليهما بالطاعة والمعروف فيما لا معصية لله تعالى فيه وإن كانا كافرين وإن كانا يصدانك عن دين الله عز وجل، كيف ذلك؟ رجل يصدك عن دين الله تحسن إليه؟! نعم، أن ذلك أمرٌ أثبته الله عز وجل وأمر به في حكمه برعاية الوالدين ولذلك ليس هناك حالة أبداً من الحالات يؤمّر الإنسان به بعقوق الوالدين مطلقاً. وهنا إبطال لمن يزعم حتى من المسلمين ونجد هذا من بعض الشباب من ييأس فيقول أن أبي على ضلالة وفسق وتارك للصلاة ويذمني ويسبني ويستهزئ بي كيف يكون له حق عليّ بالبر؟! أقول أن هذا أمر أمرك الله به وألزمك به فالتزم به إن كنت مؤمناً صالحاً، إذا كانا يأمران بالشرك وأمر الله ببرهما  فكيف إذا كانا على معصية أو أمرا بمعصية؟! فلا شك أن هذا إبطال لحجة من يقول أو يزعم إبطال حق الوالدين حال معصيتهما أو أمرهما بالمعصية. وهذه الآية قيل أنها نازلة في سعد بن أبي وقاص أو نازلة في عيّاش بن أبي ربيعة. سعد بن أبي وقاص حينما أسلم حلفت أمه أن لا تستظل بظل سقف ولا تأكل ولا تشرب حتى يرجع عن دينه فجاء الأمر كما يقال بين نارين إما أن تموت أمه وإما يبقى على دينه فذهب إلى رسول الله e فـأمره بالصبر وأمره بالإحسان إليها والرفق بها ومجادلتها أو محاورتها بالتي هي أحسن فما كان منها حينما رأت إصراره إلا أن تركته وكفاه الله تعالى أمرها. وكذلك عياش بن ربيعة لما هاجر جاء أخوه أبو سفيان وكان أخوه من أمه وغيره أتى إليه قال إن أمك تبكي وكادت أن تموت فارجع إليها ومحمد قد أمر ببر الوالدين فكان بين أمرين بين أن يهاجر ويترك أمه على ما هي عليه أو يرجع إلى أمه فما زال به حتى رجع معهما فلما تمكنا منه وقيّداه وأتياه إليها وبقي في قيده حتى أذن الله تعالى له. فهذه الآية هي خطابٌ لكل من يواجه مثل ذلك من والديه قال الله تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) ولم يقل إحساناً كما في سورة الأحقاف؟ فما الفرق بينهما؟ هناك قال (وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَ‌ٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ) وهنا قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) هنا السياق في الحديث عن الوالدين المشركين وتلك الحديث عن الوالدين المؤمنين فهنا لما كان السياق عن الكافر قال "حُسنا" وهناك "إحسانا" يدل عن أن الوالدين في حالة الإيمان لهما من الحق الإحسان وأنه في حالة الكفر والعصيان لهما حق الحسنى أقل درجة. قال الله I (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي) لاحظ أنه قال (وَإِن جَاهَدَاكَ) يعني ليست المسألة أمر وإنما مجاهدة والمجاهدة تدل على حرصهما الشديد بكل أنواع الطاقة لديهما في صرفه عن أمر الله وأمره بالشرك الذي يدخل فيه أذيته وتعذيبه وتقييده إلى غير ذلك يعني حتى وإن وصل بهما الأمر إلى أن يعذباك أويضرباك فالأمر باق على ذلك فمسألة المجاهدة مجاهدتهما بأي وسيلة فالأمر باق في الحكم. قال الله تعالى (مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ما هو الذي ليس به علم؟ أي الأصنام والمعبودات التي لا تعبد بعلم من الله U ليس لها سلطان. (فَلَا تُطِعْهُمَا) قال الله تعالى (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ما مناسبة هذه الجملة؟ مناسبته كأنه يقول كيف يكون الأمر في الإحسان إليهما وهما على الشرك؟

فالله تعالى يقول (إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) حسابهما عليّ يوم القيامة، إليّ مرجعكم فأحاسبكم أنت على إيمانك وهما على كفرهما (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) .

ثم قال الله U (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿9﴾ العنكبوت) هذه الآية فيها رعاية وعناية واهتمام من الله عز وجل  بشأن المؤمنين المستضعفين الصابرين الذين يواجهون ما يواجهون في دينهم قال الله (لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) وذلك بعد أن توعد الكافرين بقوله عز وجل (فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) كأنها ترغيب بعد ترهيب. قوله (لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) ولم يقل "والذين أمنوا لهم أجرٌ غير ممنون" أو نحو ذلك, ما مناسبتها؟ مناسبتها والله أعلم أنه لما ذكر حال الابن الذي يواجه من والديه الصرف عن دينه مما يدعوه إلى فراقهما كأن الله يؤنسه أنه سيدخله مع الصالحين إيناساً له بعد أن حصل له من الوحشة لفراق أبويه أو أهله بسبب دينه فإن الله يؤنسه بإدخاله في عباده الصالحين. والصالحين هنا دليل على كمالهم لأنه قال (لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) فــ(الألف واللام) للكمال هنا كما قال سليمان (وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ﴿19﴾ النمل)

 

قال الله (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌۭ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ) هذا بيان لحال المؤمنين الذين لم يصبروا على فتنة الكافرين بل طاوعوهم ونافقوا معهم فكانوا يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام في مكة ولهذا نقول أن أصل النفاق موجود في مكة لكنه لم يظهر أمره إلا في المدينة فهذه تتحدث عن المنافقين في مكة من المؤمنين الذين آمنوا ثم أوذوا فرجعوا (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) يعني عذابه في الدنيا لم يصبر عليه يقول هذا أشد العذاب وجعله كأنه عذاب الآخرة في شدته فلم يصبر عليه! وهذا واضح في بعض الناس الذي لا يصبر يقول يا أخي من يصبر على هذا؟! من يطيق هذا؟! والأمر أهون مما يتصور لكن لعدم صبره ويقينه يتصور أن هذا البلاء لا يصبر عليه أحد بل بقوة الإيمان يهون العذاب وبضعف الإيمان بعظم العذاب في نفسه قال الله تعالى (وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) هذه الآية تشير إلى ماذا؟ قوله (وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ)؟ هذه الآية الثانية التي تشير إلى غزوة بدر بأنه سيكون نصر لأنه قال (وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ) معنى ذلك أنهم سيقولون ذلك أو يكون المراد بها فتح مكة حينما يتمكن المؤمنون فيقولون إنا كنا معكم من قبل يعني دخلنا معكم في الإيمان. قال الله (وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) أي بأعلم بما في أحوالهم وصدورهم من الصدق واليقين والثبات أو النفاق وعدم الإيمان. ثم قال U (وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ ) تدل على أن الآية في المنافقين كأن الله U يقول أن الله يعلم الصادق في دينه بصبره ويقينه ويعلم المنافق بتزعزعه وضعفه وهذا واضح في الناس اليوم حينما يُفتن أو حينما تطغى عليه الدنيا أو شيء من ذلك تجده يتنازل عن أمر دينه ولا يبالي بذلك وينصرف عن بعض الواجبات الدينية الواجبة عليه كالصلاة وغيرها ابتغاء الدنيا وعَرَضها الفاني أو نحو ذلك فالله I يقول سيتبين ذلك في المستقبل وسيتبيّن أمر المؤمنين وأمر المنافقين وكلٌ منهم سيأخذ جزاءه عند ربه تعالى. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل