الاستعاذة حاجة للمؤمن والعاصي على السواء

تفسير وتدبر سورة الفاتحة

الاستعاذة حاجة للمؤمن والعاصي على السواء

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

منذ بدء الخلق والشيطان عدو آدم وذريته وقد جعل مهمته في الدنيا الوسوسة للإنسان كما ذكر القرآن (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص:82] وقال (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر:39] وقال (وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴿١١٨﴾ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴿١١٩﴾ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴿١٢٠﴾ النساء) وفي سبيل تحقيق غايته وأهدافه يسخّر الشيطان جنده ليبذلوا كل ما بوسعهم ليصرفوا الإنسان عن عبادة ربه بغض النظر إن كان هذا الإنسان مؤمنًا أو عاصيًا ويستخدمون مع كلٍ منهما من الوسائل ما يناسب درجة قربه أو بعده عن ربه جلّ وعلا.

فالشيطان الرجيم يكره المؤمن بربه الطائع العابد المستسلم لأوامر الله تعالى، ومن أكثر ما يحزن الشيطان رؤية المؤمن وهو يسجد لله، بل إن سجدة واحدة يسجدها المؤمن في سجود التلاوة كفيلة بألمه النفسي وعذابه ففي الحديث الصحيح قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِي النَّارُ. رواه مسلم. فإذا كان هذا حاله مع سجدة شكر واحدة فكيف به بالمؤمن المحافظ على صلواته الفرائض منها والنوافل والقائم ليله؟!

ولهذا لا تتوقف محاولات الشيطان عن الوسوسة في قلب هذا المؤمن لعله يغفل يومًا فينقاد له وينصرف عن عبادة ربه فيصبح من حزب الشيطان أو يخطو به خطوات حتى يحرّك في نفسه العُجب بعمله حتى يتكبر على الطاعة ويستغني عنها!

والشيطان يفرح بالعاصي لأنه عصى الله مثله فاشتركا في الجحود والاستكبار على أوامر الله تعالى وهو مع هذا لا يدعه من وسوسته ويطمئن لأنه يخشى أن يقع في قلب هذا العاصي توبة فيعود إلى ربه وينيب إليه تائبًا نادمًا عازمًا على عدم العودة راجيًا من ربه المعونة والتوفيق ليقبل توبته ويعينه ويثبته على طريق الهداية.

ومما سبق يتبين لنا أن الاستعاذة بالله العلي العظيم من الشيطان الرجيم حاجة ضرورية دائمة للمؤمن والعاصي، كيف ذلك؟

الاستعاذة بالنسبة للمؤمن حاجة ضرورية لأن الشيطان إن فشل في صرفه عن العبادة فإنه لن يألو جهدًا في أن يوسوس إليه ليُعجب بعبادته فيوقع في قلبه أنه صار في مرتبة من العبودية عالية قد لا يحتاج معها لمزيد عبادات أو تقرب إلى الله أو معونة منه سبحانه فيفتح القرآن ليقرأ ورده أو يتدارس بعض آياته فيوسوس له الشيطان أنه طائع وقد عمل خيرًا كثيرًا في ذلك اليوم فلا يحتاج أن يقرأ ورده كاملًا يكفيه صفحة أو نصف صفحة بل وقد يوسوس له ليجعله يؤجل قرآءة ورده ساعة بعد ساعة فينقضي يومه وهو لم يفتح مصحفه بعد وهكذا حتى يجعله يهجر كتاب ربه وهو يظن أنه ما زال على صلاح وعلى إيمان وتقوى بما يفعله من عبادات أخرى وأنها تغنيه وتكفيه! ولكن المؤمن الفطن الذي أخذ التحذير الإلهي أن الشيطان عدو له وأنه ينبغي أن يتصدى لكل محاولاته ويعلم أن الله تعالى منع الشيطان من عباده المخلَصين وهم الفئة التي لا يتمكن منها الشيطان (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿٤٠﴾ الحجر) (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿٤٢﴾ الحجر)فيسعى لأن يكون من هؤلاء المخلَصين دائماً وهذا لا يتحقق إلا بأن يستمسك دائمًا بحبل متين يعينه في مواجهته هذه فيستعيذ بالله العلي العظيم من الشيطان ووسوسته وهمزاته قبل قرآءة القرآن وقبل أيّ عبادة أو عمل فيحصّن نفسه ويردّ كيد الشيطان إلى نحره فيعتزله الشيطان لأنه لجأ إلى الولي القوي العزيز سبحانه.

والاستعاذة بالنسبة للعاصي حاجة ملحة أيضًا مهما كانت درجة معصيته، ومهما كانت ذنوبه صغيرة أو كبيرة فإنه لا يمكنه أن يستغني عن الاستعاذة لأن الشيطان قد يوسوس لهذا العاصي بأنه لا يليق به أن يقرأ القرآن وهو عاصٍ فيقنّطه من رحمة الله ويصرفه عن الإقبال على القرآن تائبًا مستغفرًا متلمسًا آيات التوبة من التواب الغفور، فتأتي الاستعاذة بالله العلي العظيم لطرد وسوسة الشيطان الرجيم فيخنس ويُخلّى بين العاصي وربّه الغفور الذي يفرح بتوبته.

بعد هذا التأمل اليسير في حاجتنا للإستعاذة هل شعرنا بأهمية أن يأتي أمر إلهي في القرآن يأمرنا بالاستعاذة من الشيطان الرجيم؟!

لعلنا بهذا التأمل تدبرنا ولو يسيرًا معنى الآية العظيمة في سورة النحل (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمٌِ ) وهي إن كانت خاصة بالاستعاذة بالله عند قرآءة القرآن يمكننا أن نحققها واقعًا في كل عبادة أو طاعة أو عمل صالح نستشعر أنه قد يكون للشيطان علينا فيه سبيلا. ويرى بعض العلماء أن الاستعاذة المأمور بها في هذه الآية تكون أيضًا عند الانتهاء من قرآءة القرآن حتى لا يوسوس الشيطان لنا بأن لا نعمل بما قرأناه لأن الأصل من القرآءة التدبر والانتفاع والتطبيق فالاستعاذة بعد الانتهاء تذكر العبد أن الشيطان ليس له سبيل عليه فيما قرأ وأنه يستعين بالله على تطبيق ما قرأ واقعًا في سلكه وأخلاقه.

احتسب وأنت تستعيذ بالله من الشيطان أنك تمتثل أمر الله تعالى بأن تتخذ الشيطان عدوا ففي كل مرة تستعيذ بالله من الشيطان فأنت تحاربه بسلاح لا يقدر عليه فيخنس صاغرا ذليلا ملعونًا

إذا قيل لك في الدنيا أن رجلا ما آذى أباك وعاداه وتوعّده فماذا سيكون ردة فعلك تجاه هذا الرجل؟ لا شك أنك ستعاديه أيضًا وتحذره، فإذا كان هذا مع عدو أبيك في الدنيا فما بالك بعدو آدم عليه السلام أبي البشر جميعًا ونبي الله تعالى؟ فاستشعر هذه الحرب بينك وبين الشيطان الرجيم عدوك وعدو أبيك آدم عليه السلام وذق طعم نصر الله تعالى لك على وسوسة الشيطان وافرح برؤيته ضعيفا منكسرا مخذولا صاغرا.

وقد علّم الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ما فيه الشفاء، وجوامع النصر، وفواتح العبادة فقال {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } فأي نزّغ من نزغات الشيطان سلاح النصر عليه: الاستعاذة بالله العظيم.

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وبثّه.

هذا ما وفقني الله تعالى له في موضوع الإستعاذة، هذه الجملة التي كم رددناها دون تأمل فيها فكانت نتيجة هذا الترديد باللسان أن كنا ضحايا وسوسات الشيطان في أمور عديدة نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ويعفو عنا ويتقبل توبتنا وأن يعيذنا من الشيطان الرجيم فيما بقي من أعمارنا حتى لا يقنطنا من رحمة الله تعالى أولًا ولا يصيبنا بالعُجب فنتكبر على عبادة الله فيصرفنا عنها خطوة خطوة...

دعونا من اليوم ونحن نستعيذ بالله نستشعر هذه المعاني حتى تتحقق لنا الاستعاذة التي نطلبها من الله سبحانه وتعالى فتعصمنا من وساوس الشيطان وتقطع عليه خطواته وتصدّه عنا بحصونها المنيعة إن شاء الله.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل