من معاني الاستعاذة - 1

تفسير وتدبر سورة الفاتحة

من معاني الاستعاذة – 1

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿٩٨﴾ النحل)

إن أعظم ما في المنهج الرباني أنه ما ترك شيئًا يتعلّق بعبادة الله تعالى إلا وفصّله لنا تفصيلًا محكمًا بديعًا فالعبادة كلها لها هدف: نوعها وزمانها ومكانها وحركاتها وأفعالها ومفرداتها ولو تأملنا فيها كلها قبل الشروع بأية عبادة لانفتحت لنا بعون الله تعالى أسرارًا تملأ قلوبنا إيمانًا على إيمان وتقوى على تقوى ومحبة وتعظيمًا لله جل في علاه الحكيم سبحانه.

والأمر الإلهي بالاستعاذة عند الشروع في قرآءة القرآن والذي ورد في آية سورة النحل أمر حكيم من الحكيم سبحانه، الخالق الذي يعلم ضعف هذا المخلوق الإنسان والذي يتعرض يوميًا بشتى أنواع الأسلحة لهجوم ووسوسة من عدوّه الأول "الشيطان الرجيم" (إن هذا الشيطان لكم عدو) وأُمرنا أن نتخذه عدوا لكننا كم نغفل عنه وكم ننساه ولربما لا نستشعر معناه ولا شديد حاجتنا إليه حقًا وإنما يصبح مع إلف العادة كلمات نرددها باللسان فلا تستقر في القلب أبدًا ولا تحصّن من الشيطان المتربص الجاثم على صدورنا فنشتكي من انصراف القلب عن فهم القرآن وانصرافه عن الخشوع في الصلاة!!.

فإن كنت تريد أن تفهم القرآن على مراد الله فعليك بالاستعاذة قبل القرآءة من الشيطان كما أمر الله جلّ وعلا (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) وليست مجرد استعاذة باللسان! إنما أستعيذ بالله وأنا أطلب من الله حقًا أن يُبعد الشيطان الرجيم عني في القرآءة والتدبر كما رُجم وطُرد من رحمة الله تعالى وأن يلهمني الله إعادة الآية إن قرأتها ولم أفهمها أو قرأتها ولم أتدبرها وأقف عندها وأتأمل دلالاتها وأتلمس هداياتها...

وكن على يقين أنه كلما زاد استشعارك لفقرك وحاجتك لله واستشعارك لحاجتك أن يعيذك الله تضاءل أثر وسوسة الشيطان في قلبك فتقبل على القرآءة بقوة (خذ الكتاب بقوة).

فاستعن بالله واستعذ به وتلذذ بقرآءة لم تعهدها من قبل وأبشر بفتوحات ربانية عليك من الفهم والتأثر بآيات القرآن العظيم إن شاء الله.

فلنتعلم سويًا شيئًا من أسرار هذه الاستعاذة...

(أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ الشَيْطَانِ الرَّجِيمْ)

هذه الكلمة يفتتح بها كل قارئ لآيات القرآن الكريم وهي ليست آيةً من كتاب الله عزّ وجل، وإنمّا الغرض منها هو التجرّد من حظّ الشيطان وقطع السبيل عليه إلى أن ينال من قلبك حين تبتدئ كتاب الله عز وجل بأن يجعل من قراءتك نصيباً لغير الله تعالى، فإنّك بهذه الاستفتاح تقطع طريق الشيطان.

وقولك (أَعُوذُ) بمعنى: ألتجئ، (أَعُوذُ) بمعنى: ألتجئ بك يا الله يا عظيم يا قوي من الشيطان الرجيم.

والشيطان هو كل عاتٍ متمّردٍ من الجن والإنس، وإنمّا سُميّ شيطاناً بمعنى: شَطُن أي بَعُد فهو شيطان مرجوم مُبعد عن رحمة الله عزّ وجل.

الغرض من الاستعاذة

في هذه الاستعاذة وقولك (أَعُوذُ بِاللهِ) اعتراف منك أيّها العبد الضعيف بعجزك والتجاء منك وإيمانٌ بربّك القادر أن يدفع عنك هذا الشيطان وشرّه ووسوسته، ولا سبيل إلى القرب من الله عز وجل إلاّ بأن يعترف الإنسان بضعفه وبأن يعترف الإنسان بقدرة الله عز وجل وفضله عليه.

قال الرازي رحمه الله تعالى: "إن الغرض من الاستعاذة الاحتراز من شر الوسوسة ومعلوم أن الوسوسة كأنها حروف خفية في قلب الإنسان، ولا يطّلع عليها أحد، فكأن العبد يقول: يا من هو على هذه الصفة التي يسمع بها كل مسموع، ويعلم كل سر خفي أنت تسمع وسوسة الشيطان وتعلم غرضه فيها، وأنت القادر على دفعها عني، فادفعها عني بفضلك، فلهذا السبب كان ذكر السميع العليم أولى بهذا الموضع من سائر الأذكار "  

لطائف الاستعاذة

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب له وتهيؤ لتلاوة كلام الله وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه ولا يقبل مصانعة ولا يدارى بالإحسان بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن في ثلاث من المثاني وقال تعالى: ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلا ) وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري فمن قتله العدو الظاهر البشري يوم بدر كان شهيداً، ومن قتله العدو الباطني كان طريداً، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجوراً، ومن قهره العدو الباطني كان مفتوناً أو موزوراً ، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان "  

وقال البجيرمي رحمه الله تعالى: "ومن لطائف الاستعاذة أن قوله: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم إقرار من العبد بالعجز والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الباري عز وجل وأنه الغني القادر على رفع جميع المضرات والآفات، واعتراف العبد أيضاً بأن الشيطان عدوّ مبين. ففي الاستعاذة التجاء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى "

وقال ابن سعيد الغرناطي رحمه الله تعالى في التسهيل لعلوم التنزيل: "من استعاذ بالله صادقا أعاذه فعليك بالصدق ألا ترى امرأة عمران لما أعاذت مريم وذريتها عصمها الله ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مولود إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا إلا ابن مريم وأمه".

أعوذ بالله السميع العليم الذي لا يخفى عليه شيء في السموات والأرض من الشيطان الرجيم من نقثه ونفخه وهمزاته ووسوسته

 

اللهم كما طردت إبليس من رحمتك وجنتك لما وسوس لأبينا آدم فاطرده عنا يا رب العالمين وأبعِده عن قلوبنا فلا يوسوس لنا بسوء ولا يشغلنا عن عبادتك ولا يسرق منا خشوعنا ولا تدبرنا لآيات القرآن العظيم، اللهم بك نعوذ وبك نلوذ ولا حول لنا ولا قوة إلا بك يا حيّ يا قيّوم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل