تفسير سورة القصص - المجلس الأخير- د. صالح الخضيري- دورة الأترجة

تفسير سورة القصص - المجلس الأخير

د. صالح الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿٧١﴾ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٧٢﴾) .

 

قال الله I (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ) هذا امتنان من الله سبحانه وتعالى على عباده بهذه النعمة نعمة الليل ونعمة النهار فإذا جاء الليل أعقبه النهار وإذا جاء النهار أعقبه الليل لو أن الليل استمر أبد الآباد على العباد لملّوا ولتعطلت مصالحهم واختلّت أمور حياتهم وكذلك لو أن النهار استمر طول الوقت لتعب الناس وتكذرت حياتهم ولهذا قال الله جل وعلا (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) فهو آية، وقال (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ (37) يس) وقال جل وعلا (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا (54) الأعراف) وقال (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ (5) الزمر) وخصّ سبحانه النهار فقال (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) خصّ النهار بذكر البصر لأن البصر في النهار له سلطان قوي والليل سلطان السمع قوي، أحياناً أنت في الليل تسمع أكثر مما تبصر وفي النهار تُبصر أكثر مما تسمع. وطبّق هذا في حياتك تراه واضحاً جليّاً إذا خرجت في رحلة في البر وأظلم الليل تسمع من مسافات بعيدة وكنت في النهار لا تسمع إلا من مكان قريب لأن سلطان الليل السمع وسلطان النهار البصر. انظر بم ختمت الآية؟ الآية الأولى ختمت بقوله (أَفَلَا تَسْمَعُونَ) لأنه ليل (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) كأنك تعيش في الليل وسلطان الليل القوي السمع قال (أَفَلَا تَسْمَعُونَ) وهذه تنفع الحفاظ حتى لا يخطئوا في ختام الآية، الثانية (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) أنت الآن في البصر، أيهما أقوى السمع أو البصر؟ البصر في النهار أقوى ولهذا قال (أفلا تبصرون). ثم قال (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تسكنون في الليل .

قال الله جل وعلا (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا (96) الأنعام) وقال (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) النبأ) فالنهار وقت السفر والذهاب والمجيء والحركة والليل في الغالب السكون وإذا حاول أحدهم أن يقلب سُنن الله يقلب الليل نهاراً والنهار ليلاً لا تستقر أموره، يجلس شهر شهرين يتعب هو نفسياً وجسمياً لأنه خالف آية من آيات الله خالف سُنة وثد ثبت في العلم الحديث أن جسم الإنسان فيه خلايا ما تسكن إلا بالليل.

(وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) ينادي المشركين وهذا تكرار كرّر الله جل وعلا عليهم هذا التقريع والتوبيخ مرة أخرى مع اختلاف الحالين لأنهم مرة ينادَون فيدعون الأصنام وينادون مرة أخرى فيسكتون. (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) نزعنا يعني أخرجنا من كل أمة من الأمم شهيداً يشهد عليهم وهم الأنبياء وكل عدول من الأمة يشهدون (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا (41) النساء) ثم بيّن الله جل جلاله ما يقوله لكل أمة من الأمم بقوله (فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) هاتوا دليلكم هاتوا ما عندكم أين ما استدللتم به؟ ما الذي جعلكم تشركون بالله؟ ما الذي جعلكم تجعلون مع الله آلهة أخرى؟ هاتوا برهانكم كما قال تعالى (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (64) النمل) (فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) أين حججكم؟ أين أدلّتكم أن مع الله شريكاً تعالى الله عن ذلك، فعند ذلك اعترفوا وخرسوا ما استطاعوا أن يقيموا الحُجّة قال الله (فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ) في الإلهية والربوبية، حق أنه هو جل وعلا واحدٌ في ألوهيته واحدٌ في ربوبيته واحدٌ في أسمائه وصفاته. (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) غاب عنهم وبطل ما ذهبوا إليه وما كانوا يختلقون من الكذب في الدنيا أن لله شريكاً. ثم عقّب الله جل وعلا بقصة عجيبة لم تُذكر إلا في هذا الموضع من القرآن. قوله تعالى (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) يعني أحضرنا من كل جماعة شهيدها وهو نبيّها الذي يشهد عليها بما أجابت به أمته.

ثم جاءت قصة قارون قال الله جل وعلا (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى) قال الطبري من عشيرة موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم هو ابن عمه لأبيه وأمه كذا نسبه ابن جريج وأكثر أهل العلم على ذلك (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى) من جماعته، قيل ابن عمّه. قارون هذا أعطاه الله جل وعلا من أصناف المال شيئاً عجباً ويكفي وصف الله سبحانه وتعالى (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) جاوز الحدّ في التجبّر والتكبّر عليهم وخرج عن طاعة موسى وكفر بالله، استخف ببني اسرائيل لكثرة ماله وولده ونسب ما أعطاه الله من المال والولد لعلمه وحيلته وذكائه فبغى عليهم. ودائماً الباغي يكون بغيه على نفسه .

قال الله تعالى (فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (23) يونس). (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ) جمع كنز وهو المال المدّخر (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ) جمع مفتاح، المفاتِح جمع مِفتح (بالكسر) وهو ما يفتح به وقيل المراد بالمفاتح الخزائن فإذا كانت الخزائن يكون مفتح (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ) والظاهر والله أعلم أن المقصود المفاتيح. (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) الجماعة من الناس إذا أرادوا أن يحملوا مفاتيح قارون ما استطاعوا فكيف بالخزائن؟! إذا كانت المفاتيح الآن تنوء بالعصبة بالجماعة من الناس ما يستطيعون حملها فكيف بالخزائن؟! إنها أعظم وأعظم، لأن كل مفتاح يفتح خزينة والخوينة فيها الشيء الكثير من المال. (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ) تنوء تثقلهم ناء بحمله إذا نهض به مُثقلاً يُثقلهم حمل المفاتح. (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ) نصحوه قالوا لا تفرح بالدنيا لا تفرح بالمال فرحاً يطغيك وينسيك عبادة الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، لا تفرح فرحاً يبطرك لأن الله سبحانه وتعالى يقول (حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) الأنعام). لا تفرح يعني فرحك هذا دائماً سبحان الله الفرح إذا زاد وصار بطراً وأشراً عوقب صاحبه فهم نهوه عن الفرح يعني نهوه عن البطر والأشر. يقول بعض السلف ما فرِحَ أحدٌ بالدنيا بذات الدنيا إلا نُزِع بمقدار فرحه من خوف الآخرة، يُنزَع من قلبه بمقدار خوفه من الآخرة كأن الدنيا والآخرة إذا فرح بالدنيا أكثر نُزِع بمقدار هذا الفرح من خوفه من الآخرة وإذا ما خاف من الآخرة ما قدّم لنفسه أعمالاً صالحة. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) فهم نهوه عن البغي ونهوه عن الطغيان والأَشَر والبطر ومنع حق المال. (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ) أُطلب فيما أعطاك الله من الأموال الدار الآخرة فأنفقه في طاعة الله سبحانه وتعالى، اِبذل من مالك شيئاً تجده عند الله (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) قال ابن عباس يعني لا تنس أن تعمل في هذه الدنيا لآخرتك. الناس يأتون بهذه الآية يستدلون بها على أن الإنسان يطلب الدنيا يقولون (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) وهذا على أحد التفسيرين لكن ابن عباس يقول معنى (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) يعني أن تعمل فيها لآخرتك يعني لا تنسى نصيبك من العمل الصالح أن تعمله في الدنيا قبل الآخرة لئلا ترد القيامة مفلساً الناس عندهم أعمال وأنت ما عندك شيء. قال الطبري ولا تترك نصيبك وحظّك من الدنيا أن تأخذ فيها بنصيبك من الآخرة فتعمل فيه بما ينجيك غداً من عقاب الله، وقال القرطبي قال ابن عباس والجمهور لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملاً صالحاً في دنياك إذ الآخرة إنما يُعمَل لها فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها فالكلام على هذا التأويل شدّة في الموعظة، الكلام على هذا التفسير أنهم زادوا عليه في الموعظة، شدّوا عليه في الموعظة قالوا لا تنسى نصيبك من الدنيا يعني لا تهمل نفسك لا تضيع نفسك تخرج من الدنيا وأنت لم تقدّم عملاً صالحاً، إعمل في الدنيا عملاً صالحاً لآخرتك. قال ابن العربي المالكي: وأبدع ما فيه عندي قول قتادة "ولا تنس نصيبك الحلال فهو نصيبك من الدنيا. كأنهم يقسّمون مالية قارون إلى قسمين قسم حلال وهو قليل والقسم الآخر حرام، فقالوا لا تنسى نصيبك الحلال هذا هو نصيبك من الدنيا تمتع به أو تمتع من الدنيا بنصيبك الحلال ولكن لا تتجاوز إلى الحرام. (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) هذا قول هو أن يعمل في دنياه لآخرته عملا صالحاً، والقول الثاني: لا تنسَ حظّك من الدنيا أنك تتمتع بالحلال، قال الحسن وقتادة معناه لا تضيع حظك من دنياك أن تتمتع بالحلال وتطلبه وكأن الشوكاني قال إن هذا ألصق بمعنى النظم القرآني، يقول اقرب إلى هذا أن معنى (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) نحن لا نقول لك طلّق الدنيا وإنما تمتع بالدنيا من الحلال لكن لا تتجاوز إلى الحرام. (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بما أنعم عليك من نعيم الدنيا وأطع الله جل وعلا وأحسِن إلى عباد الله والنبي e كما في الصحيحين لما سأله جبريل عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

(وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ) لا تعمل فيها بمعصية الله (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) يعني في الأرض. بماذا أجاب قارون؟ (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) قال هذه المقالة رداً على من نصحه ووعظه، قال أنا أُعطيت هذا المال لأجل علمي، على علم عندي. يقول ابن القيم رحمه الله: احذر ثلاث كلمات ابتلي بها ثلاث طغاة أنا وعندي ولي، (أنا) ابتلي بها إبليس فقال (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ (12) الأعراف) و(لي) ابتلي بها فرعون قال (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) الزخرف) و(عندي) ابتلي بها قارون (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) وقال أحسن ما تضع هذه العبارات الثلاث أن تقول: أنا العبد المسيء أنا الظلّوم لنفسي إغفر لي جدّي وهزلي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي كما قال الناصح الأمين رسول الله وخليله محمد صلى الله عليه وسلم. وتذكرون حديث الثلاثة الذي ثبت في الصحيحين قصة الأقرع والأبرص والأعمى، الأبرص والأقرع كفروا النعمة كل واحد منهم يقول ورثت هذا المال كابر عن كابر فقال الملك إن كانت كاذباً صيّرك الله على ما كنت أما الأعمى فقال صدقت خذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا أجهدك على شيء أخذته لله، قال أمسك عليك مالك فإنما ابتليتم وقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك لأن الأقرع والأبرص كل واحد منهم كفر نعمة الله يقول هذا المال عندي ورثته من كذا. فقال الله لما قال قارون (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) قال الله جل وعلا (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا) المراد القرون الأمم الخالية، أكثر منه قوة مثل عاد وأكثر جمعاً للمال فلو كان القوة والمال يدلان على فضيلة أحد من الناس لما أهلك الله أصحاب القوة والأموال في القرون الخالية. وهذا الكلام تقريعٌ وتوبيخٌ لقارون لأنه كما يقال قد قرأ التوراة وعنده علم بإهلاك الأمم السابقة لكن ما نفعه علمه ونعوذ بالله من علم لا ينفع تعوّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع". (وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) أي لا يُسألون سؤال استعتاب كما قال تعالى (وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ (24) فصلت) إنما يسألون سؤال توبيخ وتقريع كما قال تعالى (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) الحجر) قال مجاهد لا تسأل الملائكة غداً عن المجرمين لأنهم يعرفونهم بسيماهم فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون كما قال تعالى (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) طه) وقال (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ (106) آل عمران)، وقيل لا يُسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية. وهل تستطيع إذا تأملت أن تدرك الفرق العظيم، انظر إلى عباد الله الصالحين مرّ علينا من أوتي مالاً وخدماً وحشماً وقوةً وسُخِّر له الجنّ والإنس والطير وملك عظيم مثل سليمان عليه السلام (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ) الذي هو عرش بلقيس كما مرّ معنا (قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي (40) النمل) وقارون في المقابل يقول (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) ذكر عبد الله بن الحارث ابن نوفل رحمه الله سليمان بن داوود وما أوتي من الملك ثم قرأ (قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) ولم يقل هذا من كرامتي على ربي ثم ذكر قارون وأنه قال (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) سليمان رأى أنه من فضل الله وقارون رأى أن هذا من عند نفسه. فلما قال قارون هذه المقالة قال الله (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) قال الله (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) خرج في أبّهة وجماله يتبختر ويتكبر وقد ثبت في الصحيح عن النبي e أنه قال: بينما رجل يمشي مرجِّل رأسه تعجبه نفسه إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة،، يعني يغوص وينزل. وقال صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كِبر، فقال رجل يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً فقال إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَر الحق وغمط الناس. بطر الحق رده ودفعه على قائله وغمط الناس أي احتقارهم وازدراؤهم وتنقّصهم كما جرى من قارون فبغى عليهم (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي). (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) خرج مختالاً متكبراً متبختراً ولا شك أن الزينة هذه والشكل يبهر بعض الناس ولهذا تمنى بعض الناظرين إليه أن يكون هذا حالهم (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) يعني إنه صاحب نصيب وافر من الدنيا! هل من قال بهذه المقالة هم من المؤمنين في ذلك الوقت أو هم من الكفار؟ قيل بهذا وقيل بهذا. لكن (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) نصحوهم وهم الأحبار من بني اسرائيل قالوا للذين تمنوا (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) والعجيب أنه يقع عندنا في مجتمعاتنا أناس يتمنون ولو بقلبهم دون ألسنتهم إذا رأوا سيارة فارهة تمنوا أن السيارة تصير له أحياناً لو ما تمنى بلسانه ربما خطر عند بعض الناس بقلبه، إذا رأى مسكناً فارهاً وواسعاً، قصراً منيفاً مشيداً تمنى ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم عكس هذا تماماً كان إذا رأى شيئاً من متاع الدنيا قال "لبيك اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" كما في الصحيح، وفي آخر سورة طه قال الله (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)). قال لنفتنهم فيه. فهنا قارون لو كان إعطاء المال والقوة والجاه يدل على رضى الله سبحانه وتعالى عمن آتاه ذلك ويدل على شرف هذا الشخص الذي أوتي وعلو منزلته لما أهلك الله جل وعلا قارون ومن قبله، فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطته عُلِمَ أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة لا محبة ورضى واصطفاء لهم على غيرهم ولهذا جاء في الحديث إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب. فلا تغبط أهل الدنيا على دنياهم، اِغبط من منّ الله عليه بالإيمان والقرآن ولهذا قال البخاري "باب اغتباط صاحب القرآن به" ثم أورد قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلّطه على هلكته بالحق ورجل آتاه الله القرآن فهو يقرؤه آناء الليل والنهار" وفي هذا الباب أحاديث بهذا المعنى في بعض الأحاديث " ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها" هذا الذي يغبط غبطة، أما تمني الدنيا فالدنيا أصلًا زائلة وما على الدنيا فهو زائل ولهذا نصحهم أهل العلم وفي هذا دليل على فضل أهل العلم العاملين بعلمهم وأنهم أمان للمجتمع بإذن الله وأنهم هم الذي يذكّرون الناس ويبيّنون لهم حقارة الدنيا ومنزلة الآخرة وقيمة العمل الصالح وأن الإنسان يُغبَط على ما عنده من علم وإيمان ولا يُغبَط على ما عنده من جاه ومال لأن الأول يبقى والثاني يفنى. (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) ثواب الآخرة خيرٌ مما تتمنون ومرّ عليكم قول سليمان للرجل الفلّاح لما مرّ سليمان ومعه الطير والجنّ والإنس مرّ بفلاح مزارع فقال هذا المزارع لقد أوتي سليمان ملكاً عظيماً فسمعه سليمان فرجع وقال تسبيحة واحدة في صحيفة حسناتك خير من ملك سليمان، ملك سليمان يفنى والتسبيحة تبقى. والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح: لأن اقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، يعني من الدنيا بقصورها وذهبها وفضتها وحبورها. (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) لا تتمنوا العَرَض الزائل. (وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) ما يلقّى هذه الكلمة التي تكلم بها الأحبار وقيل إنه يعود إلى الأعمال الصالحة وإلى الجنة (إِلَّا الصَّابِرُونَ) على طاعة الله الذين يصبرون على طاعة الله ويصبرون عن معصية الله ويصبرون على أقدار الله المؤلمة (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) هذه هي النتيجة خسف الله به وبداره الأرض، انفتحت الأرض وابتلعت قارون وابتلعت خزائنه وأمواله. (فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ) ما كان عنده جماعة يدفعون عنه العذاب، وما كان هو في نفسه من المنتصرين (وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ). (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ) بالأمس القريب، كم من إنسان يغبط شخصاً مرموقاً يقول فلان ذو حظ عظيم! بعد لحظات يقول الحمد لله أني لست مكانه. ومن نظر وأبصر اعتبر، كم من إنسان يغبط شخصاً يقول يا ليتني مكانه ثم بعد أن يغير الله على هذا الإنسان من عز إلى ذل، من حياة إلى موت، من رفعة إلى ذلة، من جاه ومكانة إلى نكبة يقول الحمد لله أني لست مكانه! ولهذا (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ) معناه ألم تر يا هذا أن الله يبسط الرزق يعني يوسع الرزق لمن يشاء ويقدر ويضيّق؟ وقيل إن كلمة (ويك) كلمة تعجب يقال (ويك)، وقيل أن القوم تنبهوا فقالوا (وي) والمتندّم من العرب يقول من خلال ندبه (وي) فتكون كلمة تعجّب. وقد تدخل (وي) على (كأن) المخففة أو المشدةة (ويكأن) (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). وقال الكسائي إنها كلمة تفجّع، وقال بعض أهل اللغة معنى (ويكأن الله) إعلم أن الله يبسط الرزق، إعلم أن الله لا يفلح الكافرون.

ثم قال الله تبارك وتعالى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) الآخرة نجعلها لعباد الله المتقين للمؤمنين الذين يعملون بطاعة الله ولا يطلبون الإفساد في الأرض ومعصية الله ولا يتطاولون على عباد الله (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) فلهم العاقبة الحسنة. (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا) فإن الله يجازيه بعشر أمثالها (وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إلا مثل ما كانوا يعملون.

 

ثم قال تعالى (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) هنا انتقل الخطاب إلى مخاطبة رسول الله محمد e فقال الله (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) أي إن الذي أنزل عليك القرآن (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) ما المراد بالمعاد؟ جمهور المفسرين يقولون لرادك إلى مكة لأن الرسول e أُخرج من مكة وهو يحبها، وقيل (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) يعني لرادّك إلى يوم القيامة وقيل (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) يعني إلى الجنة وقيل (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) يعني إلى الموت والواقع أنه إذا قيل يوم القيامة شمل الموت وشمل الجنة لأنه يوم القيامة ليس هناك إلا جنة ونار ورسل الله في الجنة قطعاً (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ). أو إلى مكة البلد الذي أُخرجت منه وقد فعل ردّ الله تعالى رسوله محمداً إلى مكة فدخل مكة البلد الذي أخرج منه بعد ثمان سنوات فاتحاً منصوراً حامداً لله ورفع فيها راية التوحيد. (قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وهذا جوابٌ لكفار مكة لما قالوا للرسول e (إنك في ضلال مبين) والمراد من جاء بالهدى؟ رسول الله e ، ومن هو الذي في ضلال مبين؟ المشركون. (وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ) ما كنت ترجو أن نرسلك للعباد وننزل عليك القرآن لأن الرسالة والنبوة ما تؤخذ بالكسب هذه فضل من الله سبحانه وتعالى. (وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ) هذا استثناء منقطع يعني لكن رحمة من ربك الله جل وعلا أنزل عليك الكتاب وبعثك رسولاً (فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ) عوناً لهم، هذا تعريض بغيره وإلا فهو معصوم e من أن يكون ظهيراً أو معيناً وموالياً للكافرين. ثم قال تعالى (وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ) أي لا يصدنّك يا محمد هؤلاء الكافرون بأقوالهم وكذبهم وافترائهم عن تلاوة آيات الله والعمل بها بعد إذ أنزلها الله عليك. (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) إلى دينه وتوحيده والعمل بفرائضه (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهذا فيه تعريضٌ بغيره كما قال تعالى (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) الزمر) وقد عصمه الله من الشرك. (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) وهذا أيضاً تعريضٌ بغيره (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي لا معبود بحق سواه (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) كل شيء من الأشياء كائناً ما كان هالك زائل إلا وجهه. وأهل السنة والجماعة يثبتون لله صفة الوجه على ما يليق بجلاله وعظمته وهي صفة ذاتية خبرية لله عز وجل، قال تعالى (وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ (272) البقرة) وقال جل وعلا (وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ (22) الرعد) وفي الصحيحين أن النبي e قال في حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار كل واحد منهم قال إن كنت إنما فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه وفي صحيح مسلم أن النبي e قال لسعد إنك لن تخلّف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا أُجرت على ذلك. لذلك قال إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد قال بعد أن أورد الأدلة قال فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والشام والعراق ومصر مذهبنا أننا نثبت لله ما اثبته الله لنفسه نقرّ بذلك بألسنتا ونصدّق ذلك بقلوبنا من غير أن نشبّه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين عزّ ربنا عن أن يشبه المخلوقين وجلّ ربنا عن مقالة المعطّلين. ومثل ذلك قال ابن مندى وغيره من أهل العلم. فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الوجه لله I على ما يليق بجلاله وعظمته. البخاري قال (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) إلا ملكه، وقال إلا ما أريد به وجهه، وقال الإمام أحمد في رواية ابن عبد الله: فأما السماء والأرض فقد زالتا لأن أهلهما صاروا إلى الجنة أو إلى النار وأما العرش فلا يبيد ولا يذهب لأنه سقف الجنة والله عز وجل عليه فلا يهلك ولا يبيد وأما قوله (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) فذلك أن الله سبحانه أنزل (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) الرحمن) وقالت الملائكة هَلَك أهل الأرض وطمِعوا في البقاء فأخبر الله عن أهل السموات وأهل الأرض أنهم يموتون فقال (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ) يعني ميّت (إِلَّا وَجْهَهُ) لأني حيّ لا يموت فأيقنت الملائكة عندذلك بالموت، انتهى كلامه. ولهذا الله I قال (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) الرحمن) وهنا قال (لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وسبق هذا أنه سبحانه وتعالى له الحكم وبيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله سبحانه وبحمده. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل