علو الهمّة والصبر على العلم بين كهف الجمعة وكهف الصلاة

علو الهمّة والصبر على العلم بين كهف الجمعة وكهف الصلاة

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

في كل مرة نقرأ فيها سورة الكهف نتفيؤ ظلالها ونلجأ إلى كهوفها المضاءة بأنوار العلم والخير والبركة والهداية والرحمة لنتزود منها لسفرنا إلى الوجهة النهائية والمحطة الأخيرة فلا نفاجأ بسرعة الوصول!

ومن دروس سورة الكهف التي نحتاج أن نتعلم منها وندّرب أنفسنا عليها هو طلب العلم أولًا ثم الصبر عليه. وتأتي قصة نبي الله موسى عليه السلام والعبد الصالح مدرسة نتعلم منها كل مرة درسًا عظيمًا. وهذه الدروس لا تتوقف عند قرآءة آيات قصة موسى في سورة الكهف واستخراج الفوائد منها والعبر فقط وإنما ينبغي لنا في أيّ فائدة نخرج بها من آية قرأناها أو علم نتعلمه أن نستمر في تطبيقه في حياتنا كلها وفي عباداتنا كلها وفي تعاملاتنا كلها، فما فائدة الدروس إن بقيت حبرًا على ورق؟! وسيكون من الغُبن وظلم النفس أن يكون بين أيدينا علم لا ننتفع به ولا نطبقه ولا نرتقي به في درجات العلم والإيمان والعمل الصالح. ولن أتحدث عن دروس القصة فهي كثيرة جدًا ولكن سأتوقف عند فائدتين عظيمتين نحتاجهما في حياتنا ألا وهما: علو الهمّة في طلب العلم والصبر لأنهما حاجة ضرورية لنا إن كنا نريد رفعة الدرجات وتحقيق الأهداف وبلوغ المراد.

تبدأ رحلة موسى عليه السلام من أول القصة بهمّة عالية للوصول للعلم الذي ظنّ أنه لديه (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ﴿٦٠﴾) انطلق في بداية الرحلة عاقدًا العزم على المضي وعدم التوقف ولو طال به الزمن حتى يبلغ غايته ومقصده وهو لقاء العبد الصالح الذي أمره ربه أن يخرج للقائه يتعلم منه مما علّمه الله تعالى وجهله موسى عليه السلام. وهذه نقطة هامة بل ضرورية في بداية كل أمر في حياتنا وعبادتنا أن نبدأ بعزيمة وإصرار على تحقيقه وعلو همّة لا يقطعها عقبة من هنا ولا عرقلة من هناك أبدًا، فالحياة كلها عبارة عن محطات لكل محطة هدف ومقصد ينبغي لنا أن نحسن بدايته حتى نصل لأفضل نهاياته. وكثيرًا ما نبدأ بعبادة أو عمل بحماسة شديدة ورغبة قوية في تحقيقه ثم لا تلبث هذه الحماسة أن تخبو وينطفئ ضوؤها فنترك الأمر كله أو نكمله بمشقة ودون رغبة وشوق لتحقيق غاياته. إن علو الهمة في المقصد يؤجج الحماس الذي به نقدم على أي عمل في حياتنا دنيويًا كان أم دينيًا وهذا الحماس لا يبقيه متأججًا إلا صبر جميل وقوي ومستمر والصبر يكون بالتصبّر والعلم بالتعلّم ولهذا نحتاج دومًا أن نذكّر أنفسنا بعظيم الهدف والمقصد والغاية التي من أجلها نعمل مستعينين بالله تعالى على ذلك وسنجد بإذن الله معونته سبحانه وتعالى تترجم صبرًا في قلوبنا وحماسة واندفاعًا للمضي قدّما في طريق تحقيق الغايات والأهداف.

ولنتخيل هذا في الصلاة اليومية التي لا يفكر أحدنا أنها من الأعمال التي تحتاج علو همة وحماسة وصبر ورغبة في الوصول إلى الهدف. كيف لا نفكر بعلو الهمّة والصلاة هي أساس الدين وأول ما نُسأل عنه يوم القيامة وهي الفاصل بين أهل الإيمان وأهل الكفر؟! أنحتاج أسبابًا أكثر لكي نقبل عليها وهِمتنا تناطح السحاب؟! وكيف لا نقبل عليها بنفس الهمّة والرغبة في تحقيق أهدافها كما أقبل موسى على رحلته حتى لو مضت به السنوات وهو يبحث؟! فلنتوقف قليلًا قبل الشروع في الصلاة أو في أي عبادة وعمل لنستحضر الهدف ونشحذ الهمم ونعقد العزم ثم ننطلق على بركة الله لعلنا نحقق الغاية العظمى التي نسعى إليها فيحقق لنا من الصلاة أهدافها.

ورحلة العلم لا تخلو من صبر بل إن الصبر هو أساس العلم وهما معًا يشكلان كهف الأمان من الجهل والتسرّع والتهوّر وهذه مسائل نحتاجها في حياتنا كلها فكم دفعنا أثمانًا باهظة وكم تكبّدنا من خسائر مادية ومعنوية نتيجة الجهل والتسرّع؟! والعلم والصبر حاجة لنا كحاجتنا للماء والهواء خاصة في زمن الفتن وتسارع الزمن والأحداث فصرنا نسارع في كل شيء وبالأخص في العبادات ولا صبر لنا على ركعتين نؤديهما بتؤدة وخشوع وصبر! والصبر لا يتأتى إلا بعلم وعن علم فلو علمنا كل ما يتعلق بصلاتنا من أحكام وأركان وواجبات وسنن لصبرنا على إقامتها حتى نطبق ما تعلمناه أما إن جهلنا ما فيها فلن تكون صلاته إلا كنقر الديك أو أقل!!

والعلم والصبر مقترنان في كل أمر أليس أول ما نزل من الوحي: اقرأ؟! وهل يمكن أن تقرأ بتدبر كتاب الله الكوني المفتوح وكتاب الله المسطور في القرآن إلا بالصبر؟!

والعلم والصبر مقترنان فلِمَ يضيق صدرك أيها المسلم في تعلم أمور دينك؟ تصبر على متابعة مباراة رياضية لساعات ولا تصبر على قرآءة صفحة واحدة من القرآن كل يوم؟ وتضيق إن رأيت رسالة فيها علم ينفعك على جوالك!

والعلم والصبر مقترنان كما تعلمنا قصة موسى والعبد الصالح حتى في طرح الأسئلة فللسؤال آداب والمتعلم عليه أن يتحلى بالصبر لكي يحسن أدب السؤال ويحسن الإنصات للجواب ويصبر حتى يصله الجواب. والأسئلة أنواع:

1.      سؤال المتعلم الجادّ الباحث عن الحقيقة كسؤال موسى للعبد الصالح وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسأله كل مسلم يريد أن يصل إلى علم نافع في كل شؤونه، فلا يقوم بعبادة إلا وقد سأل عنها ليتعلّم أحكامها فيؤديها على أكمل وجه ليتحقق له غايتها والمنفعة منها.

2.      سؤال العابث المستهزئ الذي يريد التشغيب والتسلية لا الفائدة ولا الحصول على جواب يتعلم منه ويستفيد وهذا نوع من الأسئلة يُخشى على صاحبه من التمادي فيه.

3.      سؤال المجادِل المكِّذب المتعنّت الذي يسأل لا ليُجاب وإنما ليشكك المسؤول في صحة علمه ولا يكتفي بذلك بل يريد أن يقلب الحقائق التي عند المسؤول والحاضرين ويريد لكل من يسمعه ويسأله أن يرى الحق باطلًا والباطل حقًا، وهذا السؤال لا منفعة من ورائه وينبغي تركه وترك أي مجلس فيه هذا النوع من الأسئلة لأن صاحبه لا يبتغي علمًا ويُخشى على من يسمعه التأثر به لأن هؤلاء المجادلين لديهم أساليب خادعة لصرف الناس خاصة مما ليس لديهم علم وقد انتشر هذا النوع للأسف في مجتمعاتنا وصارت أصوات هؤلاء تعلو على أصوات الحق والعلم النافع وتفتح لهم المنابر والإذاعات فلنحذر منهم ونتسلّح بالعلم والصبر لكي لا ننخدع ببهرجة طروحاتهم التي تحمل السمّ في العسل.

لنتعلم من قصة موسى عليه السلام، نتعلم من منهجه في السؤال ونتعلم من أدبه في حسن السؤال وحسن تلقي الجواب ولنتعلم من نسأل وممن نأخذ العلم النافع ولتكن لنا نماذج قدوة في العلم والصبر في الأعمال والأفعال والعبادات عندها فقط سنجد في عباداتنا لذّة واطمئنانًا ونكون أكثر يقينًا وثباتًا فلا تتزعزع ثقتنا بما نتعلمه لمجرد كلمة ألقاها هذا أو ذاك فنشكّ بما نفعله فتتسرب الوسوسة إلى نفوسنا فيدخل منها الشيطان ويعمل عليها حتى يصرفنا عن العلم كله أو العبادة كلها!

لنقرأ سورة الكهف ولنقرأ باقي سور القرآن قرآءة نبحث فيها عن نماذج الصابرين ونماذج المتعلمين لعلنا نتعلم منهم آداب العلم والصبر فتعلو هممنا وتسمو أهدافنا لننال أجر الصابرين العالمين جعلني الله وإياكم ممن صبروا وتعلموا وسارعوا وسابقوا في الدنيا مبتغين الأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى العليم الخبير.

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل