تفسير سورة القصص - 4- د. صالح الخضيري- دورة الأترجة

تفسير سورة القصص - 4

د. صالح الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

 (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿٥٦﴾ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٥٧﴾) 

قال الله تبارك وتعالى (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وهذه الآية الكريمة لها سببُ نُزُول وهُو ما جاء في الصَّحيحين: أنَّه لــمَّا حَضَرَت أبا طالبٍ الوفاة- وأبو طالب هو عَمُّ الرَّسُول e- وكانَ يَحُوطُهُ وينْصُرُهُ ويحميه من أذَى قومه حَمِيَّةً، فلــمَّا حَضَرْتُه الوفاة جاء النَّبي صلى الله عليه وسلَّم إليه، وعنده أبو جهل بن هشام وعنده عبد الله بن أبي أُميَّة ابن المغيرة

فقال له النَّبي e: يا عَمّ قُل لا إله إلاَّ الله كلمةً أحُاجُّ لكَ بها عند الله.

فقال: أتَرْغَبْ عن مِلَّةِ عبد الــمُطَّلِبْ؟!

فأعاد عليه النَّبي e، فأعادَ عليه.

فكانَ آخر ما قال: هُو على مِلَّة عبد الــمُطَّلِبْ- أي على الشِّرْك-

فقال النَّبي e: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكْ ما لــمْ أُنْهَ عنْك.

فأنْزل الله (ما كانَ للنَّبي والذِّين آمنُوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانُوا أُولي قُربى من بعد ما تبيَّن لهم أنَّهم أصحابُ الجحيم (113)وما كان استغفارُ إبراهيمَ لأبيهِ إلاَّ عن مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيَّاهُ فلــمَّا تبيَّنَ لهُ أنَّه عَدُوٌّ لله تبَّرأَ منه إنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حليم (114) التوبة) وأنزل في أبي طالب (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)) فهذه الآية تُبيِّن:

·         أنَّ الهداية التِّي هي جَعْلُ الإيمان في القَلْب بيد الله I ليسَتْ إلى َملَكٍ مُقَرَّبْ ولا إلى ِنَبيٍّ مُرْسَلْ. فالهِداية التِّي هي إيجاد الإيمان في القَلْب هذه لا يملكها أَحَدٌ من البَشَر أبداً كما قال الله تعالى (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ).

·         وأمَّا الهِداية التِّي هي بمَعنى الدَّلالة والإرشاد فهذه تكُونُ للرُّسُل ولأَتْباعِهم كما قال الله I (وإنَّك لَتَهْدي إلى صراطٍ مستقيم (52) صراطِ اللهِ الذِّي له ما في السَّموات والأرض ألا إلى الله تصيرُ الأُمُور (53) .

فالهداية جاءت في القرآن نوعان:

·         النَّوع الأوَّل: الهداية بمعنى إيجادُ الإيمان في القَلْب والتَّوفيق والإلهام لِقَبُول الإيمان فهذه لا يملُكُها إلاَّ الله سبحانه وتعالى كما قال سبحانه وتعالى (إنَّك لا تهدي من أحْبَبْت ولكنَّ الله يهدي من يشاء) .

·         والنَّوع الثَّاني: هي هداية الدَّلالة والإرشاد فهذه للرُّسُل عليهم الصَّلاةُ والسَّلام ولأَتْباعهم كما قال سبحانه وتعالى (وإنَّك لَتَهْدي إلى صراطٍ مُستقيم (52) الشُّورى)

·         (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) مِنَ النَّاس فليس ذلك إليْك (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) يعني هو أعْلَم سبحانه وتعالى بالذِّين يَقبَلُونَ الهِداية، ويقبلُون الإيمان فيُوفِّقُهُم لِذلك. طبعاً هذه الآية وإنْ نَزَلَتْ في أبي طالب لكنَّ العُلماء عندهم قاعدة يقولون: "العِبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لا بِخُصُوص السَّبَبْ". فهي تشْمل كُلّ أحد من النَّاس، أيّ إنسان سواءٌ كانَ قريباً أو بعيداً لا يستطيع أَحَدٌ من البَشَر أن يهْدِيَهُ، وإنَّما الله جَلَّ وعلا يهدي من يشاء.

ثُمَّ رَجَع السِّياق مَرَّة أُخرى للمشركين، لِمُشْركي قُريش قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) يعني قال مُشركو قريش ومن تابَعَهُم، إنْ نَدْخُل يا مُحمَّد في دينك نُتَخَطَّف من أرضنا يعني يتخطَّفُنا العرب ولا طاقَةَ لنا بهم، فنحنُ َلا نستطيعُ مُواجهة العرب، لو دَخَلْنا في الإسلام لَرَمَتْنا العَرَب عَنْ قَوْسٍ واحدة وهذا الشَّيء لا طاقة لنا به، وهذا من جُمْلَة أعذارِهم الباطلة، وتَعَلُّلاتِهم التِّي لا قيمة لها. ولِهذا رَدَّ الله جلّ وعلا عليهم ردَّاً باستفهام التَّوبيخ والتَّقريع (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا) بمعنى أَلـمْ نَجْعَل حَرَماً ذا أَمْنٍ؟ من الذِّي جَعَلَهُ آمناً؟ الله جَلَّ وعلا هو الذِّي جَعَلَهُ آمناً، (وإذْ جَعَلْنا البَيْت مثابَةً للنَّاسِ وأَمْناً (125) البقرة)، (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا).

ثُمَّ وَصَف الله I هذا الحَرَم بقوله (يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) تُجْمَع إليه الثَّمرات على اخْتلافِ أنواعها من الطَّائف ومن غيره من الأراضي الـمُخْتَلِفة وتُحمَل إلى هذا الحَرَم (أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا جَعْلنا حَرَماً آمناً ويُتَخطَّفُ النَّاسُ من حَوْلِهِم أفبالبطِلِ يُؤمِنُون وبِنعْمَةِ الله يكْفُرُون (67) العنكبُوت) كما في سورة العنكبوت وهنا قال (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا) فاللهُ هو الذِّي جَعَلَهُ آمناً، ولـمْ يـَجْعَلُه النَّاس فالأَمْنُ أَمْنُهُ، والحَرَمُ حَرَمُه والبيْتُ بيتُه. قال الله (رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا) يعني نسُوقُ إليهم رزقاً من عندنا (إنَّ الله هُو الرزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الــمَتين (58) الذاريَّات). (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) لِشِّدَة جَهْلِهِم ومَزيد غفْلَتِهِم وإعراضهم عن التَّفَكُّر لا يتفكَّرون في أمْرِ المعاد وحَالِ الإنْسان ووجُوبْ إفْراد الله تعالى وحْدَه بالعبادة وأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذِّي يَجْعل بعض الأمَاكِنْ آمنة ويختار ما شَاء. هو الذِّي اختار هذه البُقْعَة أن تكونَ آمنة، وجَعَلَها مَقْصِدَ النَّاس من جميع أقَاصِي بلاد الدُّنيا (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).

(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) كَمْ من أهْلِ قريةٍ كانُوا في سَعَةٍ من العَيشْ ورَغَدٍ من الرِّزق ورخَاء، فَوَقَعَ منهم البَطَر، والأَشَرْ، وكُفْران النِّعْمَة فأَهْلَكَهُمُ الله جميعاً (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) أيّ بَطِرَت في معيشتها مثل قوله تعالى (واختارَ موسى قومَهُ سبعين رجُلاً لميقاتِنا (155) وليس هُنَاك شيء أشَدّ من بَطَرِ النِّعمة وكُفْرانها.

·         كما قال تعالى (وَضَرَبَ الله مثلاً قَرْيَةً كانَتْ آمنةً مُطمئنة يأتِيهَا رزْقها رَغَداً من كُلِّ مكان فكَفَرَتْ بأَنْعُمِ الله فأذاقها الله لباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بــما كانُوا يصْنَعُون (112) النحل)

·         وفي قِصَّة سبأ التِّي ستأْتِي عِظَةً وعِبْرَة (لَقَدْ كانَ لِسبأٍ في مَسْكَنِهِم آية جنَّتانِ عن يمينٍ وشمال كُلُوا من رزْقِ ربِّكم واشْكُروا له بلدةٌ طيِّبةً ورَبٌّ غَفُور (15) فأعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عليهم سيْلَ العَرِمِ وبدَّلناهُم جنَّتيْنِ ذواتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وأَثْلٍ وشَيْءٍ من سِدْرٍ قليل (16) ذلكَ جَـزيْناهُم بما كَفَرُوا وهَلْ نُجازي إلاَّ الكَفُور (17) سبأ)

·         وقال تعالى (ألم تَر إلى الذِّين بدَّلُوا نعمةَ الله كُفراً وأحَلُّوا قومهم دارَ البوار(28)جهنَّم يصْلَوْنها وبئس القرار (29) إبراهيم)

·         وقال تعالى (وإذ تأذَّن ربَّكم لئن شكرتُم لأزيدنَّكُم ولئن كفرتُم إنَّ عذابي لَشَديد (7) إبراهيم)

·         وقال (فليعبدوا ربَّ هذا البيت (3) الذِّي أطْعَمهُمْ من جُوعٍ وآمنهُم من خَوْف (4) قريش)

فَبَطَرُ النِّعمة مِنْ أخْطَر ما يكُون، هؤلاء الذِّين بَطِرُوا النِّعمة، طَغَوْا وأعْرَضُوا وتجبَّرُوا، ماذا جَرَى لهُم؟ قال الله (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا) لـمْ يَسْكُنْها أَحَدٌ بعدهم إلاَّ زمَناً قليلاً كالذِّي يـمَرُّ بها مُسافِراً فإنَّه يجْلِس فيها يوماً أو بعْضَ يوم ثُمَّ يمشي. الآن مَدَائن صالح التِّي هي الحِجْر (ديار ثَمُود) لا يسكُنْها أَحَد - كما أسْلَفْت- إنَّ بعْض الذِّين جاؤوا يزورونها يسْتَوْحِشُون.

(فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا) لِشُؤْم المعصية، وما وقَعْ فيها من الذَّنْب (وكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) كنا نحن الوارثين منهم لأنَّهم لمْ يترُكُوا وارِثاً يَرِثُ منازلهم وأموالهم (وإنَّا لَنَحْنُ نُحي ونُميتُ ونحنُ الوارثُون (23) الحجر) -الوارِثْ من أسماء الله I فَكَمْ من أُمَمٍ وأقْوام عَلا شَأْنُهم، وكَبُر فبَدَّلُوا نعمةَ الله كُفْراً فأذاقهم الله الذِّلْ والهَوان، وفيما يَجْري في هذه الأيَّام عِظَة وعِبْرة لِكُلّ مُعتَبِرْ، تبَدُّل الأحوال وتغيُّر الأُمُور، فينتَقِل الإنْسان مِنْ عِزِّ الـمُلْك والجَبَرُوت والقُوَّة إلى ذُلِّ الأَسَرْ والسَّجْن ثُمّ القَتَلْ، هذه فيها عِظَة وعِبْرَة لأنَّ الذُّنُوبْ والمعاصي تُحيطْ بالعِباد. وقد جَرى في الزَّمن الغابِرْ الماضي والزَّمن الحاضِر ما فيه عِظَةٌ وعِبْرَة لِكُل مُعتَبِر. ومِمَّا أذْكُر مِمَّا جَرى في الزَّمن الغابِر ما ذكَرَه الحافِظْ ابن كثير في تاريخه البداية والنِّهاية – قال بعضُ خُلفاء بني العبَّاس رَأَوْهُ عند بابِ الجامع بعد صلاة الجُمُعة جالسٌ عند الباب يسْتَجِدْي النَّاس وقد كانَ خليفَةً قَبْل يقول:" تَصدَّقُوا عليَّ فأنا من قَدْ عَرَفْتُم". والحاضِر مُشَاهَدٌ للجَميع – جَعَلنا الله مِمَّنْ يَعْتَبِر.

ثُمَّ قال تعالى مُبيِّناً عَدْلُه وأنَّه جَلَّ وعلا لا يَظْلِمُ أحَداً (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى) ما صَحّ ولا استقام أنْ يكُون الله جَلَّ وعلا مُهْلِكَ القُرى الكافِرَة التِّي كَفَر أهْلُها (حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا) يُنْذِرُهُم ويتْلُو عليهم آياتِ الله جَلَّ وعلا النَّاطِقة ويُبيِّن لهُم الثَّواب والعِقابْ، يَدُلُّهُم على عبادة الله وحْدَهُ لا شريك له، يُحَذِّرُهُم من الشِّرْك. قال الله (فِي أُمِّهَا رَسُولاً) في أُمِّها أي في أعْظَمِها، في أعْظَم البُلْدان وأكْبَرِها كما قال الله تعالى عن مكَّة (لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَنْ حـَوْلها (7) الشورى)

(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا) لأنَّ الغالب على من يكون في أكْبر الــمُدُنْ، وأَكْبَر القُرى، الغَالِبْ أنَّهُم يُصبحُون هُمُ الرُّؤُوسَاء والكِبَار وأصْحاب الفَهْم وهُمُ الــمَتْبُوعُون فإذا انْقادُوا إلى الحَقّ فغيرُهُم من عامَّة النَّاس تَبَعٌ لهُم.

(وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) يعني مُسْتَحِقُّون للإهْلاك لأنَّ الله يقُول (وتِلْكَ القُرى أهْلكَناهُم لــمَّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لــِمَهْلِكهم مَوْعِداً (59) الكهف) وقال تعالى (ولا يَظْلِمُ ربُّكَ أحَداً (49) الكهف) وقال (وما ظَلَمْناهُم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالمين (76) الزخرف) قال الله (رُسلاً مُبشِّرين ومُنْذرين لِئَلا يكونَ للنَّاس على الله حُجَّةٌ بعد الرُّسُل (165) النساء) فإذا قامَتِ الحُجَّة على النَّاس ووَضَحَ الطَّريق ولَــمْ يَنْقَادُوا جَرى عليهم أمْرُ الله، أمَّا مَنْ سَلَك الطَّريق القَويم فلا يجْري عليه إلاَّ الخير (وما كانَ رَبُّك ليُهْلِك القُرى بِظُلْمِ وأهْلُها مُصْلِحُون (117) هود)

ثُمَّ قال جلَّ وعلا مُبيِّناً حَقَارة الدُّنيا وفَنَاءَها وأنَّها لا تستَحِقُّ شيئاً (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا) أيّ ما أُعْطيتُم من متاع الحياة الدُّنيا تتمتَّعُون بها مُدَّةَ حياتِكُمْ أو بَعْضَ حياتِكُم ثُمَّ تَزُولُون عنه أو هو يزُول عنكُم ويَذْهب إلى فَناء وانْقضاء وكُلُّ عاقِل يعلم أنَّ الدُّنيا كما قال الله مَتَاعُها قليل (قُلْ متاعُ الدُّنيا قليل (77) النساء) وأنَّ الدُّنيا لا تُسَاوِي عند الله شيئاً.

·         وقد قال النَّبي عليه الصلاة والسلام كما في – الصَّحيح- من حديث الــمُسْتَوْرِد بن شَدَّاد قال "ما مَثَلُ الدُّنيا في الآخرة إلاَّ كما يَجْعَلُ أحدُكُم أُصْبُعُهُ في اليَمّ فليَنْظُرْ بـــمَا يَرْجِعْ".

·         وكانَ بعض السَّلَفْ يقول لأحد أصْحابه: تعال اِنْطَلِق حتَّى أُريكَ الدُّنيا، ثُمَّ يأتِي إلى مَزْبَلة من الــمَزابِل ويقول: اُنْظُر إلى سَمْنِهِم وعَسَلِهِم وطَعامِهِم وتـَمَرهِم وشَرَابِهِم في هذه الــمَزْبلة، هذا هو نهايتُه.

العجيب أنَّه ما ذُكِرتْ الدُّنيا في القُرآن إلاَّ وهي مُحتَقَرة ومُهَانة مبيّناً الله سبحانه وتعالى متاع الغرور، لهو ولعب(اِعْلَمُوا أنَّما الحياةُ الدُّنيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزينَةٌ وتَفَاخُرٌ بيْنَكُم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأَوْلاد كَمَثَلِ غيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نبَاتُهُ ثُمَّ يَهيجُ فَتَراهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يكُونُ حُطاماً وفي الآخرَةِ عذابٌ شديدٌ ومغفرةٌ من الله ورضوان وما الحياةُ الدّنيا إلاَّ متاعُ الغُرُور (20) الحديد)، (إنَّـــمَا مَثَلُ الحياة الدُّنيا كماءٍ أنزلناهُ من السَّماء فاخْتَلَطَ به نباتُ الأرضِ ممَّا يأْكُلُ النَّاسُ والأنْعام حتَّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرْفُها وازَّيَنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قَادِرُونَ عليها أتاها أمْرُنا ليلاً أو نهاراً فَجَعَلْناها حصيداً كأنْ لــمْ تَغْنَ بالأَمْسِ كذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يتفكَّرُون (24)والله يَدْعُو إلى دارٍ السَّلام ويَهْدي من يشاءُ إلى صراطٍ مُسْتقيم (25) يونس) أيّ الدَّار الباقية التَّي ما تفنى ولا تَبيد. وقال تعالى (وما هذه الحيوةُ الدُّنيا إلا لهوٌ ولَعِبْ وإنَّ الدَّار الآخرة لَهِيَ الحَيَوانُ لو كان يعلمون (64) العنكبوت) لهي الحياة الباقية الدَّائمة التِّي لا تَزول ولا تَفنى. وفي الحديث عند التَّرمذي "لو كانَت الدُّنيا تَعدِلُ عندالله جَنَاح بَعُوضة ما سقَى منها كافِراً شَرْبَة ماء".

والعجيب أنَّ الدُّنيا التِّي ذُكِرَت في القُرآن وذُمَّتْ هي الآن الــمُعظَّمَة في نُفُوسْ كثيرٍ من النَّاس، وهي التِّي يُقْطَع من أجْلِها الرَّحِم، ويُخَلّ بالفَرائِضْ من أجْلِها، وتُرتَكَبْ الفَواحِشْ والمعاصي من أجْلها.

·         ما الذِّي يحْمِل أَكَلَة الرِّبا على تناوُلِ الرِّبا وقد جاءَ فيه هذا الوعيد إلاَّ (حُبُّ الدُّنيا)!

·         ما الذِّي يحْمِل من أشْرَكْ بالله وعَبَدَ مَعهُ غيرَهُ إلاَّ حُبّ الدُّنيا، والطَّمَع في رياستها وفي محبُوبه؟!

·         ما الذِّي يحْمِل أصحابَ الأَضْرِحَة والذِّينَ يُعظِّمُون القُبُور ويُقدِّمُون لها النُّذُور إلاَّ الطَّمَع في حطام أو لُعَاعة من الدُّنيا يأخُذُونها؟!

·         ما الذِّي يَحِمْل كثير من أصحاب الرِّياسات وأصحاب المناصِب أنهم لا يحكُمُون بين النَّاس بالحقّ ويأخذون بعض الحقوق، ما الذِّي يحمِلُهُم على هذا كُلُّه (الدُّنيا)؟!

فالدُّنيا الـمُحتَقَرَة الــمُهانة التِّي لا قيمة لها عند الله I هي الــمُعظَّمَة في نُفُوسِ كثيرٍ من النَّاس.

ثم قال الله (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ) كما قال تعالى (بل تُؤثِرُون الحياةَ الدُّنيا (16) والآخرة خيرٌ وأَبْقَى (17) الأعلى) (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) لأن العاقل كما يقول بعض السَّلف: "لو كانَتْ الدُّنيا ذهَباً يفْنى، والآخرةُ خَزَفاً يبقى لكان الإنسان يُؤْثِرُ الخَزَفْ الذِّي يبقى على الذَّهَبْ الذِّي يَفْنى، فكيفَ والدُّنْيا خَزَفٌ يفْنى والآخرةُ ذَهَبٌ يبْقَى". فالشَّيء الذِّي يبقى أفْضَل من الشَّيء الذِّي يفْنى ولَوْ كان ذَهَباً (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) فإنَّ كُلَّ عاقِل يعلم علم اليقين أنَّه لا يُنافِسْ في الحُطام الفاني.

ومَنْ يُنْفِقُ السَّاعاتِ في جَمْعِ مالِه       مخافَة فَقْرٍ فالذِّي فَعَلَ الفَقْرُ

ثُمَّ قال الله تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ) فإنَّ المؤمن لا يُضيِّع الله سبحانه وتعالى من ثوابه وأجْره شيئاً، الله جل وعلا يقول (وعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله وعْدَه ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون (6) الروم) ويقول (وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20) الزمر) وقال عن المؤمنين (وعْدَ الصِّدْق الذِّي كانُوا يُوعَدُون (16) الأحقاف) فالذِّي وعَدَهُ الله شيء لا بُدَّ أن يلْقاه لا يستوي هذا (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا) في الجَنَّة والنَّعيم الــمُقيم (فَهُوَ لَاقِيهِ) لا بُدّ، لأَنَّ العبْد مهْما طَالَتْ أيَّامُه في الحياة الدُّنيا فإنَّهُ سيُلاقِي الله (يا أيُّها الإنسان إنَّك كادِحٌ إلى ربِّكَ كدْحاً فمُلاقيه (6) الإنشقاق).

(أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ) هل يستوي هو ومن متّعناه متاع الحياة الدنيا (كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)؟ (ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الذِّين أُحْضِرُوا للعذاب أي ليس حالهُما سواء، فإنَّ الموعود بالجنَّة لا بُدَّ أنْ يَظْفَر بِوَعْده مع أنَّه لا يفُوت المؤمن من نصيب الدُّنيا شيئا، وأمَّا الكافِر فإنّه لم يكُن معه إلا مُجَرَّد التَّمتُّع بِحُطام الدُّنيا (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّب الذِّين كفروا في البلاد (196)متاعٌ قليلٌ ثُمَّ مأوائهم جهنّم وبِئس الــمِهاد (197) آل عمران) (ذَرْهُم يأكُلوا ويتمتَّعُوا ويُلهِهُم الأَمَل فسوف يعلمون (3) الحجر). وفي الصَّحيحين أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلَّم قال: "يُؤتَى يومَ القيامة بأنْعَم أهلِ الدُّنيا من أهْل النَّار فيُصْبَغ في النَّار صَبْغَة ثُـــمَّ يُقال: يا ابن آدَم هل رأَيْتَ خيْراً قَطّ؟ هل مَرَّ بِكَ نعيمٌ قَطّ؟ فيقول: لا والله يا رَبّ ما رأيْتُ خيراً قَطّ، ولا مَرَّ بي نعيمٌ قَطّ (صبْغَة واحِدة في النَّارّ) ويُؤتَى بأبأس أهل الدُّنيا من أهْل الجَنَّة (إنسان فقير مُعْدِمْ تَوالَتْ عليه الأمراض والمصائبْ والنَّكَبَاتْ) فيُصْبَغ في الجنَّة صبْغَةً واحِدة ثُمَّ يُقال: يا ابن آدَم هل مَرَّ بِكَ بُؤسٌ قَطّ؟ هل رأيتَ شِدَّةً قَطّ؟ فيقول: لا والله يا رَبّ ما مَرَّ بي بُؤسٌ قَطّ ولا رأيتُ شِدَّةً قَطّ (غَمْسة واحدة فقط!) فكيف إذا كانَت هذه دارُ هؤلاء المؤمنين أبَدَ الآباد، وتِلْك دار أولئك الأشقياء أبَدَ الآباد؟!!.

ثُمَّ قال الله تبارك وتعالى (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ) هذا معطوف على يوم القيامة، لأنّه قال (ثُمَّ هُو يَوم القيامة من المحضَرين) .

·         أي اُذْكُر يوم ينادي الله I هؤلاء الــمُشركين .

·         أوْ (ويومَ يُناديهم) أي يوم القيامة . (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ) لهُم (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) أين شركائي الذين تزعمون أنَّهُم ينْصُرونكُم ويشْفَعُون لكُم؟ مرّ علينا آية في سورة الشعراء شبيهة بهذه (قال هل يَسْمعُونكم إذْ تَدْعُون (72) أو ينَفعُونكُم أو يَضُّرُّون (73)) وقال (ويعبُدُونَ من دونِ الله ما لا يَضُرُّهُم ولا يَنْفَعُهُم) وقال في سورة الفُرقان (ويعبُدُون من دون الله ما لا ينفَعُهُم ولا يَضُرُّهُم وكانَ الكافِرُ على ربِّه ظهيراً (55)). (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) تزعُمُون أنَّهُم ينْصُرُونكم، يُعينُونَكُم، يُنجُّونَكُم.

(قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) أيّ حَقَّت عليهم كلمةُ العذاب. حَقَّ الشَّيْء يعني وَجَبْ. وهُم رُؤساءُ الضَّلالة الذِّين اتَّخّذُوهُم أرباباً من دُون الله أو هُمُ الشَّياطين. (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) قال الذِّين وجَب عليهم العذاب وهم الرُّؤساء والشَّياطين (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا) أيّ دَعْوناهُم إلى الغِواية يعْنُونَ الأَتْباع (هؤلاء الذِّين أغْوينا). (أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا) أي أضْللناهُم كما ضَلَلْنا نحنْ. (تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ) منهم، تبرأنا إليك يعني منهم أو أن رؤساء الضلال والشياطين تبرأوا ممن أطاعهم. فهُو أحَد الأمرين ويُمكنُ أن نجَمعُهُم:

·         يتبرؤون منهم، ممَّن اتَّبَعُوهُم، فالرُّؤساء والشَّياطين يتبرؤُّون ممَّن أطاعهم. ويبرأْ بعضُهُم من بعض كما قال الله (ثُمَّ يوم القيامة يكْفُر بعضكُم بِبَعضٍ ويَلعنُ بعضُكُم بعضاً)

·         وفي سورة سبأ تبرُّؤٌ– مراجعة القَوْل- (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) سبأ)، في سورة البقرة (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) البقرة)

(تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ) وإنّـَما كانُوا يعبُدُون أهواءهم. ويجُوز أن تكون (ما) مَصْدَريَّة أَي تبرَّأنا إليك من عبادتهم إيَّانا وإن كانُوا عَبَدُونا فنحن نتبرَّأ من العبادة هذه فتكُون (ما) مصْدَرية. وإنَّـما ما كانُوا إيَّانا يعبُدُون وإنَّـمَا كانُوا يعُبُدون أهواءهم.

(وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ) قيلَ للكُفَّار من بني آدَم إستَغيثُوا بآلهَتِكُم التِّي تعْبُدُونها من دُونِ الله. (وقيل اُدْعُوا شُركاؤُكُم فدَعَوْهُم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) لأنّ كُلّ إنسان مُنْشَغِلٌ بنفسه (يوَم يَفِرُّ المرءُ من أخيه (34) وأُمِّهِ وأبيِه (35) وصاحبَتِهِ وبَنِيه (36) لِكُلِّ امْرئٍ منهُم يومَئِذٍ شَأنٌ يُغنْيه (37) عبس)

 (فدَعَوْهُم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ) .

·

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل