تدبر سورة عبس -3- الثوب اللفظي للسورة

تدبر سورة عبس - 3

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

الثوب اللفظي لسورة عبس

1.     افتتحت السورة بجملة خبرية (عبس وتولى) وهي من أساليب افتتاح بعض السور القرآنية وعددها 23 سورة منها الأنفال (يسألونك عن الأنفال) وسورة النحل (أتى أمر الله) وسورة القمر (اقتربت الساعة) والتوبة (برآءة من الله ورسوله)

2.     (عبس وتولى) العبوس يكون بالوجه والتولي يكون بالبدن.

3.     (أن جاءه الأعمى) (إذا جاءت الصاخة) عبّر بالمجيء دون الإتيان لأن القرآن يستخدم المجيء لما فيه مشقة وشدة ويستخدم أتى لما هو أيسر. وهنا استخدمها لمجيء الصاخة وهي القيامة ولا شك هي شديدة على الناس وناسب أن يستخدم مع الأعمى ليدل على أن في مجيئه للنبي صلى الله عليه وسلم شدة ومشقة. ولا يستخدم المجيء في القرآن إلا بصيغة الفعل الماضي في كل القرآن (جاء، جاؤوا) ولم يرد بصيغة أخرى أبدًا بينما الفعل أتى استخدم بكل أزمنة الفعل الماضي والمضارع (قبل أن يأتوني مسلمين) والأمر (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِ).

4.     (الأعمى) التعبير بلفظ الأعمى ليس منقصة لعبد الله بن أم مكتوم وإنما هو إعذار له في إلحاحه على النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال فهو لم يرى من بمجلس النبي ولم يرى انشغاله مع جلسائه. وفي التعبير بالأعمى دلالة على واقعية الإسلام واحترامه لكل الناس على اخنلاف أحوالهم وأنهم جميعًا مكلّف أن يخدم دينه ومطالبٌ أن ينفي الجهل عن نفسه بطلب العلم في أمور دينه ولا يقف بينه وبين ذلك حاجز ولو كان عمى.

5.     (لعله يزّكى) التعبير بلفظ (يزّكى) بالتشديد شهادة تزكية من الله سبحانه وتعالى لعبد الله بن أم مكتوم وإشارة إلى شدة حرصه على التزكي.

6.     النبي صلى الله عليه وسلم كله بركة على أمته في كل أفعاله وأحواله فحتى عبوسه كان خيرًا وبركة على عبد الله بن أم مكتوم الذي خلّد القرآن ذكره في آيات تتلى إلى يوم الدين.

7.     (يسعى) فرق بين مجيء عبد الله بن أم مكتوم يسعي وبين سعي فرعون في سورة النازعات مدبرا (ثم أدبر يسعى) اللفظ نفسه لكن شتان ما بين المعنيين!

8.     في السورة (إنها تذكرة) بضمير المؤنث (إنها) إشارة للحادثة التي افتتحت بها السورة أو تحتمل أن السورة كلها تذكرة وأما في سورة المدثر فوردت فيها آية مشابهة (إنه تذكرة) والضمير يعود هنا على القرآن لأن سياق سورة المدثر في إنذار المشركين والقرآن جاء بالنذارة لهم.

9.     (في صحف مكرّمة * مرفوعة مطهّرة) مرفوعة لم ترد وصفًا للصحف إلا في سورة عبس ووردت في القرآن وصفًا للفرش (وفرش مرفوعة) في سورة الواقعة ووصفًا للسُرر في سورة الغاشية (فيها سرر مرفوعة)

10.(مطهرة) لم يقل متطهرة فالملائكة مخلوقات طهّرها الله سبحانه وتعالى (لا يمسّه إلا المطهّرون) أما البشر فهم متطهرون (إن الله يحب المتطهرين)

11.(سفرة) جمع سافر وقد تكون من السِفر أي الكتاب والسافر هو الكاتب ومنها السفير الذي ينتقل بين فريقين للإصلاح. والسفرة الكرام البررة هم الملائكة. ولم يرد وصف الملائكة بالسفرة إلا في سورة عبس ولعل هذا يتناسب مع وصف الوجوه (وجوه يومئذ مسفرة) التي جاءت في ختام السورة. وسفرة جمع يدل على الكثرة.

12.(كرام) وصف للملائكة لم يرد إلا في هذه السورة وفي سورة الانفطار (كرامًا كاتبين) ويتناسب مع وصف الصحف (في صحف مكرّمة)

13.(بررة) لم يرد وصف الملائكة بهذا الوصف إلا في سورة عبس. والبررة جمع كثرة وهي تستعمل للملائكة فقط لأنهم أكثر (كرام ‏بررة) ‏أما الأبرار جمع قلة تستعمل للمؤمنين فقط (إن الأبرار لفي عليين).

14.(قتل الإنسان ما أكفره) صيغة دعاء يراد به التوبيخ والزجر والتأنيب. واللفظ ما أكفره يتناسب مع ما ذكر في مفتتح السورة (أما من استغنى) استغنى عن قبول الحق وكفر بالآيات وكذلك استكبر فجاء تذكيره بأصل خلقته (من أي شيء خلقه) علامَ التكبر وقد خلقت من نطفة من ماء مهين؟!

15.(فقدّره) قدّر أعضاءه وقدّر أطوار خلقه وقدّره بمعنى سوّاه في أحسن تقويم.

16.(مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴿١٩﴾ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴿٢١﴾ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴿٢٢﴾) يلاحظ استعمال (ثمّ) ثلاث مرات والفاء مرتين، الفاء جاءت بعد الخلق من نطفة مباشرة فالله تعالى يقدّر خلقه مباشرة وجاءت بعد الموت مباشرة يأتي الدفن فقال (أماته فأقبره) أما الآيات الثلاثة الأخرى فناسب الترتيب فيها باستعمال (ثم) التي تدل على الترتيب والتراخي في الزمن لأن بين كل مرحلتين مدة زمنية فقوله (ثم السبيل يسره) يكون بعد مدة الحمل في بطن أمه (ثم أماته) بعدما يعيش حياته طالت أم قصرت وكذلك قوله (ثم إذا شاء أنشره) البعث والنشور يكون بعد مدة الحياة البرزخية في القبر.

17.(السبيل) تحتمل معنيين إما إشارة إلى سبيل خروجه من رحم أمه إلى الدنيا يقال في نواقض الوضوء (الخارج من السبيلين) وإما تكون بمعنى طريق الخير والشر كما ذكر في آية سورة الإنسان (إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورا)

18.(فأقبره) لم يقل قبره لأن الله تعالى هو الذي سخّر الأرض لتضمّ الأموات (ألم نجعل الأرض كفاتا * أحياء وأمواتا) والله تعالى هو الذي علّم بني آدم دفن الموتى كما في قصة ابني آدم، فالله عز وجلّ هو الذي يُقبِر والإنسان يَقبُر يحفر في الأرض ليدفن فيها الميت. والدفن نعمة من الله تعالى وتكريم للميت فلم يجعل الموتى فوق الأرض كجيف الحيوانات لأن في هذا امتهان للميت وألمٌ لأهله وإخوانه وفيه انتشار للأوبئة والأمراض ولما طاب لأحد أن يعيش على الأرض وهو يرى جثة أمه أو أبيه أو ابنه أو أخيه وهي تتحلل فوق سطح الأرض فاللهم لك الحمد على سترك يا ستير.

19.(ثم إذا شاء أنشره) استخدام (إذا) لتحقيق وقوع النشر على كل من مات فأقبره لا يفلت منه أحد، ولم يقل (إن شاء) التي تحتمل الحدوث أو عدمه، وعلّق النشور بمشيئة الله تعالى وحده فهو سبحانه الذي إليه النشور.

20.(كلا) وردت في السورة مرتين (لمّا يقضي ما أمره) الإنسان مهما فعل لا يؤدي ما عليه من حق لله تعالى ولا أحد يقضي ما ما افتُرض عليه أبدًا.

21.(الصَّاخَّةُ) من الصَّيخ وهو شدة الصوت ذي النطق، والصاخة هي التي تصخ الأسماع، وهي يوم القيامة، سميت بذلك لأنها ذات أهوال وأصوات صاخّة. وقيل إنها النفخة الأولى والطامة النفخة الثانية وقيل هي من صخّ فلات فلانًا إذا أصمّه وقيل الصاخة التي تورث الصمم، وإنها المُسمعة، وهذا من بديع الفصاحة وقال القرطبي: ولعمر الله إن صيحة القيامة مُسمِعة، تصم عن الدنيا، وتُسمع أمور الآخرة. ولم ترد هذه الكلمة في غير هذه السورة.

22.(أنا صببنا الماء صبّا) لم يرد التعبير بصبّ الماء إلا في هذه السورة ولعل في هذا تناسب مع ذكر امتنان الله تعالى على الإنسان بالنعم العظيمة وورد الصبّ في سورة الفجر للعذاب (فصبّ عليهم ربك سوط عذاب) وفي سورة الحج (يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم)

23.(شققنا الأرض شقًا) لم يرد في القرآن شق الأرض إلا في هذه السورة وفي سورة ق في وصف تشقق الأرض يوم القيامة (يوم تشقق الأرض عنهم سراعا)

24.واستعمال المصدر (شقًا) و(صبًا) لتوكيد المعنى.

25.(وأنبتنا فيها حبًا) حبًا وردت في القرآن في هذه السورة وفي سورة يس (وأخرجنا منها حبًا فمنه يأكلون) وفي سورة النبأ (لنخرج به حبًا ونباتا)

26.(وعنبا وقضبا) لم يرد لفظ عنب مفردًا إلا في هذه السورة وفي سورة الإسراء في قوله تعالى (أو تكون لك جنة من نخيل وعنب) بينما ورد بالجمع في باقي المواضع (وجنات وأعناب).

27.والقضب هو الرطب من البقل وغيره يُقطع مرة بعد مرة فسمّي بمصدر قضّبّه أي قطعه بحصدٍ أو قلع.

28.ترتيب النبات في هذه الآيات بدأ بما هو القوت الأساس وهو الحبّ والذي يمكن تخزينه وادّخاره ثم عطف عليه الفاكهة التي منها ما يؤكل طازجًا كالعنب أو يجفف حتى لا يفسد فيؤكل زبيبا أو يصنع منه عسلًا أو دبسًا وخلًا ثم ذكر ما لا يصلح ادّخاره وهو القضب ثم ذكر ما يصلح للعصر والدّهان وهو الزيتون ثم ختم بالنخل الذي يستفاد من ثمره رطبًا وتمرًا ودبسًا ويستفاد من كل شجره ولهذا ذكره باسم الشجرة النخلة ولم يذكره باسم ثمرته بينما ذكر العنب كفاكهة لأن شجرته ليست فيها فائدة كبيرة

29.(وحدائق غُلبا) بعد ما ذكر طعام الإنسان المتنوع ذكر ما يبهج العين ويسرّ القلب وهي الحدائق ووصفها بـ(غُلبا) أي هيمة الأشجار ملتفة الأغصان ووصف الحدائق بـ(غُلبا) لم يرد إلا في هذه السورة.

30.(وفاكهة وأبًا) ذكر فاكهة الناس وعقبها بفاكهة الحيوان، فذكر الفاكهة بشكل عام وهو كل ما يُتفكه به من أنواع الفواكه المتعددة وأبًا هو ما يأكل الحيوان من المرعى والعشب والكلأ. وكلمة (أبًا) لم ترد في القرآن إلا في هذه السورة.

31.والملاحظ أن معظم ما ذكر وصف بالإفراد (حبا، عنبا، قضبا، زيتونا، نخلا، أبًا)

32.(وصاحبته وبنيه) وردت صاحبته في موضعين في القرآن في هذه السورة مقرونة ببنيه وفي سورة المعارج مقرونة بأخيه، في هذه السورة ذكرت في سياق فرار المرء يوم القيامة وفي سورة المعارج في سياق الفداء يوم القيامة.

33.في السورة ذكرت الوجوه المسفرة ثم عطف عليها الوجوه التي عليها غبرة (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿٣٨﴾ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴿٣٩﴾ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴿٤٠﴾ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴿٤١﴾) عطف بواو العطف أما في سورة الغاشية فذكرت الوجوه بدون عطف (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴿٢﴾) وبعد آيات ذكر (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ﴿٨﴾) وهذا لأن كل سورة لها سياق معين يناسبه الوصف المذكور للوجوه. سورة الغاشية ابتدأت باستفهام (هل أتاك حديث الغاشية) وذكر أن هناك وجوهًا خاشعة ذليلة من الذلّ والهوان لا خشوع طاعة ولا يجتمع أصحاب الوجوه الخاشعة مع أصحاب الوجوه الناعمة فلم يعطف بينهما بالواو فلما انتهى الكلام عنهم سيثير سؤال في ذهن القارئ ماذا عن المؤمنين الذين آمنوا بالله وأحسنوا إيمانهم وعملهم؟ وجوه يومئذ ناعمة فلم يشركهم مع الوجوه الخاشعة فذكرهم على سبيل الاستقلال (وجوه يومئذ ناعمة)

34.أما في سورة عبس لم يبتدئها الله تعالى بالسؤال عن حديث الغاشية وإنما ذكر (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴿٣٣﴾) قسم الناس إلى فريقين (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿٣٨﴾ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴿٣٩﴾ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴿٤٠﴾ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴿٤١﴾) ووجوه يومئذ عليها غبرة فلا مانع أن يعطف بينهما.

 

35.(أولئك هم الكفرة الفجرة) لم يرد في القرآن وصف الكفار بهذه الصيغة (فَعَلة) (كفرة) إلا في هذه السورة ووصفهم بالفَجَرَة لم يرد إلا في هذه السورة وورد الفجور بصيغة الفعل في سورة القيامة (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه). والصيغة جمع الكثرة (كفرة فجرة) تناسب صيغة وصف الملائكة بـ(بررة) في أول السورة وهي تدل على الكثرة وكذلك وصفهم بـ(سفرة).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل