برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء الثالث

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

 

الحلقة الثالثة – أبرز موضوعات الجزء الثالث

د. عبد الله بن عبد العزبز السبتي

خواتيم البقرة وجزء من سورة آل عمران

طبيعة السُور الطويلة أنه يتخللها العديد من الموضوعات وإن كان في بعضها نجد خيطًا يجمع شتات مواضيعها فيكون لها موضوعاً واضح الملامح في بدايتها ووسطها ونهايتها. في هذا الجزء نتطرق إلى ما ورد من مواضيع في خواتيم سورة البقرة وفي بدايات سورة آل عمران.

ابتدأ الجزء بذكر المفاضلة بين الرسل (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ)[البقرة:253] ثم ذكر سبحانه وتعالى عينات لتلك المفاضلة.

بعدها جاءت الآية التي هي أعظم آية في كتاب الله عز وجلّ آية الكرسي.

ثم بعد ذلك جرى الحديث عن حدث طالما ناقش فيه الكفار وطالما شكك فيه بعض العقلانيين حدث البعث بعد الموت وإحياء الموتى فجرى ذكر هذه القضية المهمة جداً التي قُلّبت في القرآن المكي كثيراً وذُكرت أيضاً في القرآن المدني في كل مناسبة تسنح. ذُكرت هذه القضية في ثلاث قصص متتالية ومتتابعة وسبقها في الجزء الثاني أيضاً قصة متعلقة بكيفية إحياء الموتى. بعد هذا الأمر انتقل الحديث إلى تعامل الناس مع أموالهم وتوجيهات الرب سبحانه وتعالى حيال هذا الموضوع المهم جدًا وأفاض فيه سبحانه وتعالى وطرق فيه عدة مواضيع في آيات متتاليات: الإنفاق، الصدقة، الربا، الدّين، كل هذا يتعلق بتوجيهات ربانية في التعامل مع المال.

بعد هذا ختمت سورة البقرة بثلاث آيات: آيتان من هذه الثلاث لها فضلها الذي يأتي ذكره بإذن الله سبحانه وتعالى سبحانه وتعالى وهو الذي يبدأ بقول الله عز وجلّ :(لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) [البقرة: 284]، بهذا ينتهي الحديث عن مواضيع سورة البقرة أو ما تطرقت له السورة في هذا الجزء، ويبدأ الحديث في سورة آل عمران وإذا نظرنا إلى سورة آل عمران نجد أنها قد تطرقت كشأن عامة السور طويلة النفس تطرقت إلى مواضيع متعددة وإن كان فيها موضوع واضح المعالم جداً يبتدئ في بدايات السورة ونجده في أثنائها وتنتهي السورة ولا زال التذكير به وهو محاجّة صنف من أهل الكتاب الذي هو النصارى وبالذات في قضية توحيد الرب سبحانه وتعالى، الذي يمكن اعتباره محور مهم في السورة وهذا ما يظهر أنه موضوع واضح المعالم جداً من تأمل هذه السورة .

السورة ابتدأت كشأن العديد من السور بذكر الحروف المقطعة التي تحدث عنها سابقاً كما أنها موضوع مكرر قد تم الحديث فيه كثيراً، وبعدها يأتي الحديث عن فضل هذا القرآن ثم يجري الحديث عن أنواع آي هذا القرآن وتقسيم آيات هذا القرآن إلى قسمين أساسيين: محكم ومتشابه (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)[آل عمران:7] وذكر بعد ذلك الموقف منها والله تعالى قسمها وذكر النسبة التقريبية لكل نوع من هذه الأنواع، وذكر تعامل الناس مع هذا النوع من الآيات وما هي الطريقة السليمة منه وما هي  الطريقة التي ينبغي للإنسان أن يحذر منها في هذا الجانب.

بعد هذا تطرق سبحانه وتعالى للحديث عن قصة عيسى عليه السلام وقدّم لها بمقدمات متميزة جداً متناسبة مع الهدف من هذه السورة فجرى الحديث في قصة عيسى من قبل ولادته بل جرى الحديث عن عيسى عليه السلام في جدّه الأول، ذكر سبحانه وتعالى أن هؤلاء الأنبياء هم صفوة خلقه (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) آل عمران) عمران والد مريم والدة عيسى عليهم السلام جميعاً، فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول هذا هو أصله وهذا هو مبتدؤه، القضية الأساسية عند النصارى هي الشبهة الأساسية أن عيسى إلهٌ أو أنه ابن الله سبحانه وتعالى عن ذلك، لذا جرى الحديث من أصل الخلقة وكيف تسلسل عيسى من ذلك الأب. جرى ذكر قصة مريم بل وقصة والدة مريم في شأن لم يرد في القرآن في غير هذه السورة.

ثم بمناسبة ذكر قصة مريم ووالدتها وولادتها جرى التمهيد أيضاً بقصةٍ تعطي إلماحة في أن الله سبحانه وتعالى قد يكسر القاعدة المعتادة فيولد لمن شأنه أن لا يولد له مثل زكريا وقد بلغ من الكِبر عتياً وزوجته عاقر لا تلد، فالرجل النبي الكريم كبير في السن والزوجة عاقر لا تلد فالأسباب المادية هي أنه: كيف لهما أن يرزقا بذرية؟! فلما رأى زكريا عليه السلام كيف أن هذه الخوارق للعادات تحدث لهذه العابدة الصالحة مريم عليها السلام ويوَفر لها الرزق ويسألها عنه حينما دخل عليها في المحراب الذي أعده لنفسه وكانت تتبتل فيه إذا دخل وجد عندها رزقاً فيسأل: (أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)[آل عمران:37] فيتنبه لتوجيه تلك المرأة الصالحة القانتة فيفزع إلى ربه فيرزقه ربه سبحانه وتعالى كاسراً كل ما اعتاده البشر، وهذه الحادثة الآن هي تمهيد لما يأتي بعدها.

تأتي قصة مريم وأحداث مريم وكيف نشأت وكيف تولاها سبحانه وتعالى بعنايته إلى أن يصل السياق إلى ولادة عيسى وبلا أب، وهذا أعجب من ذي قبل قصة زكريا وولادته ليحيى عليه السلام، رجل كبير في السن قد بلغ من العمر عتياً وأمرأته عاقر وهذا عجيب ولكن الأعجب منه ما أتى في قصة ولادة عيسى وهو أن يولد بلا أب، ولذلك جاء في القرآن لما تعجب زكريا قالت له الملائكة (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء)[آل عمران: 40]، بينما لما جاء ذِكر عيسى:(كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء)[آل عمران:47] كأنه خلق بدون توفر الأسباب المادية المعروفة عند البشر.

تواصلت قصة عيسى وولادته وما جرى فيها من الأحداث العجيبة ومن الآيات الباهرة ثم دعوته لقومه ثم موقف أولئك القوم من دعوته منهم الصادقون المصدّقون ومنهم من هو معاند بعيد عن الحق. جرى ذكر هذه الحادثة إلى أن تسلسلت الآيات في الانتقال إلى محاجّة النصارى في عقيدتهم، محاجتهم والتحذير من بعض مراداتهم وبعض الكيد الذي قد يتولاه من يتسنّمهم علماً لكنه لا يجمع مع هذا العلم إيمان صادق بل يقدم دنياه على آخرته، فجاء التحذير منه سبحانه وتعالى من كيد أولئك القوم ومن بعض المسالك التي يسلكونها .

بعد هذا ينتهي الجزء بالحث على الثبات على الحق والتحذير الشديد من التردد فيه والتحذير الأشد من الضلال ثم الاستمرار على الضلال ثم الإصرار على عدم الرجوع والتوبة والإنابة: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) آل عمران)

وقفات مع بعض الموضوعات

بعض الوقفات مع موضوعات هذا الجز والتي دار الحديث عنها بإجمال، ونبدأ بهذه الآية العظيمة آية الكرسي ومكانتها وفضلها، ولماذا تميزت هذه الآية؟ وماهي المعاني العظيمة التي جاءت فيها حتى جعلتها أفضل آية في كتاب الله عز وجلّ؟

نتعرض قليلاً وسريعاً للآية التي قبلها الحديث فيها كان عن المفاضلة بين الأنبياء وله علاقة وثيقة بآية الكرسي فكما أن الله سبحانه وتعالى فاضل بين أنبيائه كذلك فإنه سبحانه وتعالى فاضل بين آيات كتابه وكلها فضلى وكلها فاضل ولكن بعضها أفضل من بعض، ففي التفاضل بين الأنبياء ذكر سبحانه وتعالى أنه فاضَل، ثم ذكر شيئا مما فاضل به (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ)[البقرة:253] إذاً هذا نوع من التفضيل وهو ذكر سبب تفضيل موسى عليه السلام وهو التكليم (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)[البقرة:253] وكُلهم له الدرجة العليا ولكن بعضهم أرفع من بعض وفي ذروتهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومنهم أولو العزم الخمسة الذين فضِّلوا على غيرهم .

والإشارة الثالثة إلى التفضيل جاء قوله سبحانه وتعالى:(مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ)[البقرة:253] والثلاثة هؤلاء موسى ومحمد وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم حسب ترتيب الآية هم ثلاثة من أولي العزم من الرسل. وفي هذه الآية ذكر ثلاثة من أولي العزم من الرسل وذكر أسس التفضيل بين الأنبياء.

ثم جاء الحديث عن آية الكرسي، آية الكرسي آية عظيمة، وعظمة هذه الآية من موضوعها المتعلق بالرب سبحانه وتعالى، بأسمائه، بصفاته جاءت في جُمل متتالية قصيرة ومتتابعة قرابة التسع جمل كل واحدة منها تصح أن تكون جملة مستقلة تامة ومليئة بالمعاني الثرية. يلفت النظر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب أصحابه ويسألهم ويناقشهم ومن هذا ما جرى لأبي المنذر النبي صلى الله عليه وسلم سأل أحد صحابته: يا أبا المنذر (أبيّ بن كعب) أيّ آية من كتاب الله أعظم؟ فأجاب أُبيّ كالمعتاد في هذا الأمر (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) فقال: الله ورسوله أعلم، فكرر النبي صلى الله عليه وسلم السؤال لأنه يريد الجواب (قل ما عندك فإن أصبت فأعاد السؤال مرة أخرى) فقال: يا أبا المنذر اي آية من كتاب الله أعظم؟ فقال:الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم صدره وقال: لِيَهنِك العلم أبا المنذر) وافقه صلى الله عليه وسلم على أن هذه أعظم آية في  كتاب الله عز وجلّ.

اتصال الناس بكتاب الله عز وجلّ في المواسم الفاضلة، قرآءة القرآن مطلب وبلا شك مرقى من مراقي العبادة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى - مجرد التلاوة- ولكن ما هو أعظم هذا الذي كان عليه أمثال أُبي رضي الله عنه من التدبر والتأمل ومعرفة عظمة هذه الآية من خلال ما ورد فيها من أسماء الله وصفاته وإنما يعرف هذا بمعرفة معاني كلام الله عز وجلّ وما أُنزل كتاب الله تعالى إلا لهذا الشأن ( لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)[ص:29]

في تفضيل الرسل ذكر موسى وعيسى نبيّان وبالوصف ذكر محمد صلى الله عليه وسلم (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)[البقرة:253] قال المفسرون هذا إشاره إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم والذي يظهر والله أعلم أنه إشارة لكل من رُفع وفي ذروتهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

مشهد المحاجة في قضية إحياء الموتى قصة إبراهيم مع ذلك الرجل وإن كان هذه الآية أحد الأدلة على قددرة الله على البعث وهي قضية متكررة في كتاب الله عز وجلّ ربما نشير إليها  لاحقاً في بعض الآيات. لكن لو أردنا أن نسلط الضوء على آيات أخذت حيز كبيراً جداً، وبعضها فيها أحكام لم تذكر إلا في هذه السورة فاختصت بها وهي قضية الحديث عن النفقة في سبيل الله وأهميتها وأهمية الإخلاص في النفقة، ثم الحديث عن الربا وتحريمه والتشديد فيه ثم الحديث عن توثيق المعاملات المالية في آية تعتبر هي أطول آية  في كتاب الله وهي آية الدين.

هذا الدين وهذا الكتاب جاء ليحكم الإنسان في مسيره إلى ربه في آخرته كما أنه يحفظ مصالحه في دنياه. جاء الحديث عن التعامل مع المال في آيات طويلة فآيات سورة البقرة لها نفس طويل أطول من كثير من السور، وجاء الحديث في سورة البقرة عن التعامل مع المال في قرابة 23 آية وجاء في ختام سورة البقرة.

أول موضوع طرق هو الموضوع الذي يفترض أن يكون له الصدارة: كيف تتعامل مع مالك؟ فجاء الحديث عن التذكير بأمر الصدقة وأهميتها ونوقش هذا الموضوع في هذه الآيات بطريقةٍ توضح للإنسان وللمسلم ما هو أجره وثوابه، وثوابه مضاعف أضعاف لا يتصورها العقل (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء)[البقرة:261] اسمع أيها العبد وانهل من فضله سبحانه وتعالى. ولكن هذه المفاضلة وتلك الدرجات وتلك المضاعفات إنما تحصل لما يحتفّ بهذه الصدقات من أحوال للعبد وهي: الإشارة إلى الإخلاص والنهي عن الرياء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى)[البقرة: 264] ثم ذكر ذلك المثل الذي يبين كيف أن الرياء والعياذ بالله يمحو أثر هذه الحسنة في قوله تعالى:( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا) [البقرة:264] كمثل الحجر عليه تراب فأصابه مطر شديد فهل يبقي شيء؟ فهذا المنّ والأذى يبطل هذه الصدقة.

وهكذا كتاب ربنا سبحانه وتعالى إذا تدبرناه وتأملناه فإن الإنسان لا يشبع من قرآءته والأخذ من معانيه.

ابتدأت الآيات فقالت أولاً عليك أن تراعي نيتك (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) [البقرة: 262] إذاً هي لأجل الله سبحانه تعالى (ثمّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى)[البقرة:262] هذه مبطلات الصدقة وبعضها قد لا يبطلها من أساسها بعضها قد لا يبطلها تماما لكنه قد يذهب بمضاعفة أجرها. يبرز الله سبحانه وتعالى كثيراً في المعاني الذهنية والمعنوية في أمثلة محسوسة حتى يتضح للسامع والقارئ هذه الصورة التي إما تجرّئك على العمل أو تهابه وتبتعد عنه.

الحديث عن الربا والتشنيع الكبير لمثل هذا الذنب الكبير، والمَثل الذي ضُرب في تخويف الناس من صفة الربا.

قبل أن يتحدث سبحانه عن الربا الذي هو استغلال لحاجة المحتاج، حثّ على الصدقة حثّ على هذا المحتاج الذي ينبغي أن تتعامل معه بهذه الطريقة لا بتلك فقّدم الفاضل على ما هو مفسِد للمجتمع مستغل أنت فيه لحاجة أخيك المسلم فذكر سبحانه تعالى أنه ينبغي أن تنفق ينبغي أن تكون حكيمًا في إنفاقك ينبغي أن تتلمس حاجة المحتاجين أنفسهم ثم بعد ذلك انتقل إلى الربا فصوّر الربا بأبشع صورة (لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ) [البقرة:275] لم أن تتخيل هذه الصورة وتخيلات الناس مختلفة ولكنهم يجمعون على أنه أمر في غاية السوء لذلك جاء الحديث والتحذير من الربا بهذا المثل في بدايته. ثم ذكر سبحانه أنك تطلب الكسب لكنه في الواقع محق للمال: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)[البقرة:276] ما  دام يمحق ولا يحقق مبتغاك وما دام الصورة لك واضحة فعليك أن تتركه تماماً وحالاً لا مجال فيه للتراخي (اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا )[البقرة:278]، ورُبِط بالإيمان (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[البقرة:278] معناه هناك نقص في إيمان الشخص الذي يستمر على الربا بعد هذا التحذير الغليظ من الله عز وجل، وفيها ما هو أشد (فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)[البقرة:279] هذه آية عظيمة في التكريه والتخويف من الاستمرار في هذا الذنب العظيم وهو الربا وأنه محادّة ومحاربة لله ورسوله وربما غَلبت الإنسان نفسُه في بعض أحواله طمعًا في الزيادة من المال أو فراراً من وضعٍ اقتصادي يعيشه فإذا استحضر مثل هذه الصورة فالأمر جد خطير (فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)[البقرة:279]

بعد هذا يأمر الله سبحانه وتعالى إذا كنت متلبساً في الربا فكيف تتجنيه؟ أعط الناس حقوقهم: (لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)[البقرة:279]، وإن كانوا أهل حاجة وهم في الغالب كذلك :( وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ  وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ)[البقرة:280] هذا حلّ شرعي من النواحي الاقتصادية فمن يلجأ للربا يلجأ لحاجة والله عز وجلّ يقول: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة:280]

القضية الثالثة فيما يتعلق بالدين، فالدين هو بين الصدقة وبين الربا فهو تفضّل من الإنسان ولكنه ينتظر عودة المال فلذلك ينبغي أن يُضبط فيُحفظ حق المانح ويحفظ حق الممنوح لذلك شرّع الله سبحانه وتعالى كتابته وتوثيقه وذكر الله عز وجل الأسباب الداعية لهذا التوثيق حتى لا يضطرب الناس وهذا من ميزات هذا الدِين وهو ضبط التعامل مع الناس وما يتعلق به لأنه يحفظ حق الدائن والمدين وهذا من ميزات الدين في ضبط التعاملات المالية.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل