فاتحة القرآن، فاتحة الصلاة

فاتحة القرآن، فاتحة الصلاة

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن صلى صلاةً لم يَقْرَأْ بأُمِّ القرآنِ ، فهي خِدَاجٌ ، فهي خِدَاجٌ ، فهي خِدَاجٌ غيرُ تامَّةٍ" (صحيح الجامع -رواه أبو هريرة) وهذا يعني أن الصلاة لا تتم إلا بقرآءة سورة الفاتحة. وهذا أمر لا يجهله مسلم والحمد لله وكلنا يعلم أن سورة الفاتحة هي أم الكتاب وأم القرآن وهي السبع المثاني وهي السورة التي لا تصح الصلاة إلا بها فهل تدبرنا يوماً لماذا هذا التشريف لهذه السورة العظيمة؟ وهل تأملنا في معاني كلماتها وترتيب آياتها يوماً؟ وهل نستشعر ونحن نقرؤها كل يوم 17 مرة في الفرائض عدا النوافل أنها صلة بين العبد وربه؟ هل تدبرنا في معنى الحديث القدسي: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؟ هل استشعرنا حاجتنا لهذه السورة العظيمة نقرؤها في كل صلاة بين يدي الله تعالى؟ هل استشعرنا ضعفنا ونحن نعلن التوحيد الخالص لله تعالى القوي الملك سبحانه فنستعين به وحده ونطلب منه وحده الهداية كما أنعم بها على من قبلنا؟

وهل بحثنا يومًا عن أسماء هذه السورة العظيمة التي ذكر بعض العلماء أنها تصل إلى 32 اسمًا؟ والمعروف أن كثرة الأسماء تدل على عظمة المسمّى فلا بد أن لهذه السورة من العظمة والمكانة ما جعلها فاتحة للكتاب الكريم وأم القرآن العظيم. وهل بحثنا وقرأنا الأحاديث التي وردت في فضل هذه السورة العظيمة التي لا نمل من قرآءتها وتكرارها وهي أول ما حفظنا من القرآن؟! قد مرت علينا سنوات نرددها بألسنتنا وما وقفنا يومًا عند استشعار معانيها وهداياتها ولا بحثنا في كنوزها لنستخرج منها لآلئ الحمد والعبودية والاستعانة والهداية التي هي مقومات إيماننا التي تتعطش لها قلوبنا وأرواحنا..

نبدأ رحلتنا مع سورة الفاتحة بأول أسمائها "الفاتحة" ونتساءل يا ترى ما هو الشيء المغلق الذي ستفتحه سورة الفاتحة؟ الفاتحة فاتحة لثلاثة أشياء:

1.      فاتحة للقرآن الكريم فهي أول سورة نزلت كاملة من القرآن. أول ما نزل من القرآن هو مفتتح سورة العلق (اقرأ) وأول ما نزل من القرآن تكليفًا للنبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة هي آيات من سورة المدّثر (قم فأنذر) وأول سورة كاملة نزلت هي سورة الفاتحة نزلت دفعة واحدة. وهي فاتحة الكتاب الذي بين أيدينا بالترتيب الذي في المصاحف.

2.      فاتحة لسور القرآن فما من سورة في القرآن إلا ولها ارتباط بسورة الفاتحة وما من سورة في القرآن إلا وتصلح أن تكون الفاتحة مقدمة لها لأن الفاتحة اشتملت على مقاصد القرآن الإجمالية: العقيدة والعبادة والمنهج (سلوك وأخلاق).

3.      وهي فاتحة الصلاة فأيّ صلاة تبقى مغلقة حتى نفتتحها بالفاتحة كما ذكرنا في الحديث "أيّما صلاة لم يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج".

والفاتحة والصلاة بينهما ارتباط وثيق فالفاتحة تفتح الصلاة وتفتح باب المناجاة مع الله سبحانه وتعالى كما في الحديث الصحيح:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين}، قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: {الرحمن الرحيم}، قال: اثنى علي عبدي. فإذا قال: {مالك يوم الدين}، قال مجدني عبدي.وإذا قال:{إياك نعبد وإياك نستعين}، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

هذه المقدمة عن هذه السورة العظيمة تجعلنا نعظّم ما عظّمه الله تعالى وصدّره كتابه وافتتحه بها فهي مدخلنا على كتاب الله تعالى عند تلاوته فهي من براعة الاستهلال التي تحبها النفوس والقلوب فكل كاتب يُعنى بمقدمة كتابه عناية شديدة لإبراز أهم ما فيه والإنسان بفطرته يحب الاعتناء بمدخله في بيته وفي مجلسه وعند دخوله على الناس فيعتني بمظهره حتى يكون الانطباع الأول مؤثرًا في النفس.

ويزداد تعظيمنا لهذه السورة المباركة لعظمة الله تعالى الذي أنزلها واصطفاها من بين سور القرآن كلها لتكون فاتحة كتابه العزيز ولتكون الصلاة التي يناجي بها العبد ربه في كل يوم لا يملّ منها ولا يسأم ولا يتأفف من تكرارها وهذا لا يكون إلا لآيات القرآن العظيم فكل كلام عدا القرآن يملّ من تكراره ولو كرره الإنسان يختصر منه أو يعيده بصياغة أخرى قد لا ترقى لصياغة المرة السابقة.

ويزداد تعظيمنا لهذه السورة عندما نعلم أننا جميعاً كمسلمين منذ أنزل الله تعالى القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم كلنا نتعبّد الله تعالى بقرآءة الفاتحة في الصلاة لا فرق بين عالم وجاهل ولا بين فصيح بليغ وأميّ ولا بين شيخ وصغير ولا بين رجل وامرأة، الكل لا تصح صلاته إلا بهذه السورة، بهذه الآيات السبع التي هي صلة العبد بربه في مناجاته ووقوفه بين يديه كل يوم...

يزداد تعظيمنا لهذه السورة وهي أم القرآن وتزداد حاجتنا للعودة إلى أحضانها كل يوم 17 مرة على الأقل ومن شعر بالقلق والخوف يمكنه ببساطة أن يعود إلى أحضانها مرات ومرات في السنن والنوافل وقيام الليل وركعتي الوضوء والاستخارة وغيرها...

يزداد تعظيمنا لهذه السورة عندما نعلم صدقًا وحقًا أننا بأمس الحاجة إليها كل يوم وأن اختيارها لتكون هي أعظم سورة في القرآن للأمة الخاتمة خير أمة أخرجت على الناس هو اختيار حكيم نتلمس الحكمة منه كل يوم وكل زمن ولا نصل إلى حقيقته وكنهه وسيأتي في كل زمن وحين من يكشف الله تعالى له بعضًا من وجوه الحكمة وعظمة البيان في هذه السورة العظيمة، السورة الكنز، السورة الصلاة، السورة الدعاء، السورة الشفاء، السورة الكافية الوافية، القرآن العظيم، السبع المثاني..

فهل بعد هذا كله سنقرأ ونردد آياتها بالشعور نفسه الذي طالما رددناها به؟!

 اللهم أعنا على تدبر آيات هذه السورة العظيمة واهدنا لهداياتها وأنر قلوبنا بنورها يا ذا الجلال والإكرام...



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل