تدبر سورة عبس

تدبر سورة عبس

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)


اسم السورة

تُسَمَّى ‏أَيْضَاً ‏‏الصَّاخَّةُ، ‏وَالسَّفَرَةُ.


التعريف بالسورة :

سورة مكية .

من المفصّل .

آياتها 42 .

ترتيبها الثمانون .

نزلت بعد سورة النجم .

تبدأ بفعل ماضي " عبس " لم يذكر في السورة لفظ الجلالة كما ذكرت السورة قصة عبد الله بن ام مكتوم .

الجزء (30) ـ الحزب ( 59) ـ الربع ( 2) .


محور مواضيع السورة :

يَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ شُئُونٍ تَتَعَلَّقُ بالعَقِيدَةِ وَأَمْرِ الرَّسَالَةِ، كَمَا إِنَّهَا تَتَحَدَّثُ عَنْ دَلاَئِلِ القُدْرَةِ، وَالوَحْدَانِيـَّةِ في خَلْقِ الإِنْسَانِ، وَالنَّبَاتِ، وَالطَّعَامِ وَفِيهَا الحَدِيثُ عَنِ القِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا، وَشِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ.


سبب نزول السورة :

أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت: أُنزل ( عبس وتولى ) في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله يُعرض عنه ويقبل على الآخر، يقول له: أترى بما أقول بأساً؟ فيقول لا، فنزلت ( عبس وتولى * أن جاءه الأعمى) .


مقصد السورة

تصحيح فكر الداعية بما يلائم قيمة الدعوة وتوجيهها وكذلك تصحيح القيم ‏الإنسانية ووضع الأسس الإسلامية لأقدار الناس وأوزانهم وتؤكد أن قيمة ‏الإنسان بعمله وسلوكه ومقدار اتباعه لهدي السماء (موسوعة التفسير الموضوعي)‏

التذكير بآيات الله من خلال نشأة الإنسان ومصيره في الآخرة (برنامج التفسير ‏المباشر)‏

حقيقة دعوة القرآن وكرامتها وعلو مقامها، ومن يستحق التزكي والانتفاع ‏بها؟ وحقارة من يستغني ويعرض عنها، ومآلهما في الآخرة. (د. محمد الربيعة)‏

 قال سيد قطب: " يبين في هذه السورة حقيقة الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها واستغناءها عن كل أحد، وعن كل سند، وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها، كائناً من كان وضعه ووزنه في موازين الدنيا ... وأنه عزيزة لا يتُصدى بها للمعرضين الذين يظهرون الاستغناء عنها، فهي فقط لمن يعرف كرامتها ويطلب التطهر بها"

تناسب سورتي النازعات وعبس

1-    لما ختمت النازعات (إنما أنت منذر من يخشاها) الذي ينتفع من الإنذار هو الذي يخشى فافتتحت سورة عبس بهذه الحقيقة (وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا إنها تذكرة)

2-    سورة النازعات جاءت ببالتذكرة والتخويف من يوم القيامة (يوم يتذكر الإنسان ما سعى) وسورة عبس تتعلق بالآخرة وتكرر التذكير فيها (أو يذّكّر فتنفعه الذكرى) (كلا إنها تذكرة)

3-    ذكر مجيء يوم القيامة وجاء وصفها في سورة النازعات (فإذا جاءت الطامة الكبرى) وفي سورة عبس وصفها (فإذا جاءت الصاخّة) سأل المشركون عنها في سورة النازعات وجاء ذكر شيء من مشاهدها في عبس (يوم يفر المرء من أخيه..)

4-    خاتمة النازعات فيمن طغى وآثر الحياة والدنيا وفيمن خاف مقام ربه (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)) وفي أواخرها (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45)) وفي أوائل عبس ذكر أمثلة لهؤلاء المذكورين فذكرت نموذج من استغنى ومن جاءه يسعى وهو يخشى، يعني من طغى ومن خاف مقام ربه (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9)) أما من استغنى هذا مقابل من طغى وآثر الحياة الدنيا وأما من جاءك يسعى وهو يخشى هذا مقابل من خاف مقام ربه.

5-    ختمت سورة النازعات (إنما أنت منذر من يخشاها) ومفتتح سورة عبس ذكرت حادثة عبد الله بن أم مكتوم تأكيدًا على أن النبي صلى الله عليه وسلم منذر ما عليه إلا البلاغ ولا يعلم الغيب.

6-    امتنان الله تعالى على الإنسان في سورة النازعات من خلال تذكيره بالآيات الكونية (أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها) إلى (متاعًأ لكم ولأنعامكم) وفي سورة عبس امتنان الله تعالى على الإنسان من خلال عرض آياته في نفسه وفي الكون، خلقه من نطفة إلى أن يُقبر (قتل الإنسان ما أكفره * من أي شيء خلقه) وأنعم عليه بالماء وأنواع النبات.

7-    (متاعًا لكم ولأنعامكم) الآية نفسها وردت في سورتي النازعات وفي عبس.

  8-    افتتحت سورة النازعات بالحديث عن الملائكة في أحوال مختلفة (والنازعات غرقا) إلى (فالمدبرات أمرا) وذكرت سورة عبس طائفة أخرى من الملائكة مختصة بالصحف المطهرة (بأيدي سفرة * كرام بررة)

 9-    سورة النازعات ذكرت رحلة عور الإنسان من الحياة الدنيا إلى البرزخ إلى القيامة وسورة عبس تؤكدها (من أي شيئ خلقه) (ثم أماته فأقبره) (ثم إذا شاء أنشره).

تناسب مفتتح سورة عبس مع خاتمتها

 ذكر في أولها صنفين من الناس (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6)) (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)) وانتهت بذكر هذين الصنفين:

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39)) هذا من يخشى

(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)) هذا من استغنى

وكأنه يصوِّر موقفهم من الرسول صلى الله عليه وسلم الآن وفي يوم القيامة. 

فواصل السورة وتناسبها مع مقاطعها

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

المتأمل لآيات السورة يجد تغيّرًا في فواصلها لكل مقطع من مقاطعها بما يتناسب مع إيقاع الآيات ومعانيها والسورة كلها تتميز بأنها قوية المقاطع عميقة اللمسات تطرق على المشاعر الإنسانية لتوقظها من خلال آيات عميقة المعاني والدلالات والتوجيهات بواقعية شديدة تلامس حياة الإنسان اليومية في طعامه ومجالسه وعلاقاته بالآخرين وتذكّره بيوم ليس له في نصير ولا سند يتخلى عنه أقرب الناس إليه لعله يتذكر قبل فوات الأوان..

المقطع الأول: علاج حادث من حوادث السيرة لتقرير حقيقة القيم في حياة المجتمع المسلم في آيات قصيرة الجُمل بأسلوب فيه عتاب لطيف، عتاب ليس القصد منه التعنيف والتوبيخ وإنما هو عتاب المحب لحبيبه لرفعة قدره وكمال خُلُقه الذي لا يليق به أن يصدر منه ولو مجرد عبوس في وجه أعمى لا يرى هذا العبوس أصلًا. وجاءت فاصلة هذا المقطع الألف المقصورة تصور الآيات الواضحة المعاني المباشرة تسرد وقائع الحادثة بأسلوب خبري موجز كما سبق في سورة النازعات في آيات قصة موسى مع فرعون.

المقطع الثاني: تقرير حقيقة الدعوة وطبيعتها واستغناءها عن كل أحد وعن كل سند وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها، كائنًا ما كان وضعه ووزنه في موازين الدنيا. القرآن تذكرة، وما على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ أما الهداية فلله سبحانه وتعالى، فمن شاء يتذكر به. ولأن آيات هذا الجزء تقرر حقائق ثابتة جاءت آياتها قصيرة، لها إيقاع فاصلتها بالتاء المربوطة

المقطع الثالث: جحود الإنسان وكفره الفاحش لربّه وهو يذكّره بمصدر وجوده وأصل نشأته وتيسير حياته ثم تقصير الإنسان وجاءت آيات المقطع موجزة جدًا ولعل فيها دلالة ولفت انتباه للإنسان على قصر حياته مهما طالت فلخّصت الآيات رحلة حياته ما بين خلقه من نطفة إلى قبره بكلمات معدودة جدًا وإن لم يكن في هذا تذكرة فماذا يكون؟! ولذلك ناسب أن تأتي الفاصلة بالتاة المربوطة التي يوقف عليها (هاء) لتوحي هذا الإيقاع المتتابع للمراحل وكأنها يشاهدها أمامه تمر مر السحاب.

المقطع الرابع: توجيه القلب البشري إلى أهم احتياجاته الدنيوية والتي فيها قوام حياته: طعامه وطعام أنعامه مذكّرًا إياه ممتنًا عليه بتهيئة رزقه وتسخير الكون لأجله. كعادة القرآن يذكر الله تعالى الإنسان ببعض نعمه عليه لعله ألِفها فنسي من أنعم عليه بها وتأتي الفاصلة في آيات هذا المقطع بالألف الممدودة لتوحي بسعة كل نعمة من النعم المذكورة من صب الماء صبًا وشقّ الأرض وإنبات الحب والنبات المتنوع والحدائق وللعقل البشري أن يقلب بصره في هذه النعم ليتذكر المنعِم إن كان ناسيًا أو يكّره نفسه إن كان غافلًا. ويختم هذا المقطع بآية واحدة اختلفت فاصلتها لتلفت انتباه السامع (متاعًا لكم ولأنعامكم) فقد يتذكر الإنسان نعم الله عليه لكنه قلّما يتفكر في أنعامه، من يتكفّل برزقها هو الله سبحانه وتعالى أيضًا مصداقاً لقوله تعالى (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)

المقطع الأخير: عرض مشاهد من يوم القيامة وأهوالها والتي يدل عليها هذا الاسم الذي اختير بعناية لوصفها (الصاخّة) ويكفي هذا الاسم ليدّب في قلب كل من يسمعه الخوف والذعر والرعب من هذا اليوم وأهواله، إنها كلمة تصخّ الآذان حقًا فإذا كان هذا تأثير الكلمة فما هو حالنا مع اليوم نفسه وأهواله؟! وتأتي الفاصلة بالتاء المربوطة التي يوقف عليها بالهاء (الصاخّه) تخرج الزفرات من الصدر المليء خوفًا ورعبًا من هول الموقف، ثم تأخذنا الآيات إلى موقف مهول يوم القيامة الذي يفر الإنسان فيه من أحبابه لشدة الهول والفزع. فالصاخة لفظ ذو رنين صوتى مدوّ، يخرق المسامع، يخترق الآذان، فيحدث هولاً نفسيًا يفزع النفس ويستبد بها، فتنشغل به عما عداه.. ومن ثم جاءت الفاصلة تحوي حرف المد مختوماً بالهاء التي هي في الأساس ضمير يلتصق بالذات ويلتحم معه في ودّ حميم، ويصبح الموقف آيةً في العجب والروعة، حين تتنصل الذات من هذا الضمير الحميم، فما أعظم هذا البيان وهذا التصوير القرآني الذي يجعل ألفاظ يسيرة في آيات متتابعة مشاهد تراها العين وتسمعها الأذن تبصر المرء يفرّ حقًا ممن يطلبه وتسمع تسارع صوت قدميه هاربًا منهم وكأني أراهم يمدّون أيديهم نحوه لعلهم يحظون منه بحسنة من حسناته تكون فيها نجاتهم فيأتي المدّ في الفاصلة يصف حالهم تمامًا..

ثم تنتقل لحال الوجوه يوم القيامة الناجون والهالكون بفاصلة تناسب إيقاع الجزاء للوجوه المسفرة المستبشرة جعلنا الله منهم وإيقاع الهول للوجوه التي عليها غبرة ترهقها قترة أعاذنا الله منها.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

 

تمت الاستفادة من كتاب في ظلال القرآن وعدة مقالات في إيقاع الفاصلة القرآنية والأداء التصويري.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل