برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء الثاني

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي 

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم 

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة الثانية – الجزء الثاني

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

أنبه إلى أهمية معرفة الموضوعات التي تمر بالناس في سور القرآن وفي أجزائه لأنها تعين الإنسان على جمع الآيات التي تكون في موضوع واحد فلا تشعر بأنك أمام آيات مستقلة ومنفردة كل آية منقطعة عن بل منبترة عن الآية التي قبلها أو الآية التي بعدها بل هناك محاور وموضوعات ودوائر داخل السورة الواحدة على المسلم وهو يقرأ القرآن أو يقرأ السورة أو يقرأ الجزء أن يتعرف على هذه الموضوعات وهو يقرأ الجزء لتجتمع لديه معاني الآيات الكريمة.

هذا الجزء يحتوي على موضوعات كثيرة جداً ولكن بإذن الله سنحاول جمعها وتلخيصها:

الموضوع الأول لعله من أبرز الموضوعات في هذه السورة والموضوع أخذ حظا كبيراً من العناية والاهتمام وهو موضوع تحويل القبلةوهو الموضوع الذي افتتح به هذا الجزء في قول الله عز وجلّ (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142) البقرة)، ثم قال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة:143]، ثم قال: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) [البقرة:144].

نبذة يسيرة: وهو أن هذه السورة سورة البقرة افتتحت بمقدمة بيّن الله فيها أصناف الناس الذين يقبلون الحق والذين يردّونه والذين يكونون متذبذبين وهم المنافقون، ثم ذكر الله عز وجلّ قصة آدم عليه السلام وكون إبليس أبى أن يسجد لآدم ومكر إبليس بآدم، ثم قصة بني إسرائيل كنموذج على أولئك القوم الذين يترددون في قبول الحق وعدم قبوله، ثم ذكر قصة ابراهيم عليه الصلاة والسلام ليبين امتداد النسب الديني لهذه الأمة وأنها مرتبطة بأبي الأنبياء وإمام الحنفاء وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال الله عز وجل: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ)[البقرة:12] فلما تحدث عن إبراهيم تحدث عن بنائه للكعبة ناسب أن يذكر قضية تحويل القبلة إلى الكعبة لأن الصحابة كانوا قبل ذلك يصلّون إلى البيت المقدس حيث لم يؤمروا قبله أن يصلوا إلى الكعبة لذلك وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس ليستقبل القبلتين وكان يتشوّف إلى أن تنقل إلى الكعبة ولما حوّلت القبلة حصلت مشكلة في المجتمع: أما المؤمنون الصادقون فقد قبلوا هذا الأمر قبولاً عجيباً لم يترددوا في قبوله لحظة واحدة بل إن بعض المسلمين في مسجد من المساجد في المدينة لما مر بهم مارّ قال: لقد سمعت قول الله عز وجل كذا وهم يصلّون فتحولوا في نفس الصلاة إلى الكعبة بعد أن كانوا متجهين إلى بيت المقدس من الشمال إلى الجنوب ولم يترددوا في قبول هذا البيان من الله عز وجل لحظة واحدة. وهذه الاستجابة وهي أحد تطبيقات محور الاستجابة في سورة البقرة بخلاف بني إسرائيل الذين قيل لهم: اذبحوا بقرة قالوا:(قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)[البقرة:67].

أما اليهود فإنهم اتخذوا من تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ذريعة للتشكيك في النبي صلى الله عليه وسلم وفي نبوته وكيف يترك قبلة الأنبياء ولذلك صدّرها الله بقوله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا)[البقرة:142]، قال الله رداً عليهم:(قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)[البقرة:142] ما شأنكم أنتم؟! كعادة اليهود في إثارة الفتن دائماً وفي محاولة التشكيك والتلبيس على الناس في أديانهم، هذا هو الموضوع الأول الذي جاء في هذه السورة.

الموضوع الثاني: الاستعانة بالصبر والصلاةوهذا له مناسبة: ماهي مناسبته؟  في أول آيات بني إسرائيل في قصة بني إسرائيل في سورة البقرة قال الله عز وجلّ (واسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ(45) الًّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)[البقرة:45-46] قد يظن ظانّ أن هذا الأمر خاص ببني إسرائيل في هذه السورة أو بعد أن جاء إلى خطاب المؤمنين وإلى خطاب هذه الأمة أكّد عليهم هذا الأمر كما أخبر به من قبلهم وأكّده عليهم فقال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153) البقرة) ما المناسبة بين هذا المقطع والمقطع الذي قبله؟ تحويل القبلة يتصل بالصلاة، مباشرة يأتي بعده الأمر بالصلاة والصلة واضحة جداً، وهنا لما قال: (واسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) الصلاة مرتبطة بتحويل القبلة والصبر عماد المؤمن في كل حال من أحواله وله اقتران بالصلاة، فالإنسان يصبر فينفذ صبره فيصلي فيجدد قوته على الصبر والصبر والصلاة مرتبطان.

ولما ذكر الصبر تحدث عن فضيلته وأهميته وذلك في قول الله عز وجلّ (ولَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) البقرة) من هم؟ (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)البقرة) لاحظ ثلاث بشارات من الله :(أوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(157) البقرة) ثلاثة أشياء لم يجمعها الله لأحد في القرآن إلا للصابرين.

الموضوع الثالث في هذا الجزء الكريم قضية التوحيد:بعدما ذكر قصة ابراهيم وتحويل القبلة المناسبة لقصة إبراهيم بدأ بأهم الأمور وهو التوحيد لذلك قال الله عز وجل: (وإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) البقرة) ثم ذكر دلائل التوحيد الدلائل الكونية على أن الله هو الواحد الرب المستحق للعبادة بقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) البقرة) ثم ذكر أن من الناس من يجعل لله أنداداً‘ فقال (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) البقرة).

عندما تحدث عن التوحيد وأهميته ذكر قضية البرّ الجامعة لمعاني الدين كلهبل لأدنى الأعمال وليس في أعمال الشريعة دنيّ لكن إلى أقلّها وأيسرها فجاءت الآية في قول الله عز وجل (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) لأن العرب كانوا يخترعون أشياء من عند أنفسهم يرون أن البر فيها مثلاً: يرون من البر أنك إذا رجعت من الحج أن تأتي من ظهر البيت وليس من بابه فالله عز وجل نفى هذه الأشياء وبيّن أن البر حقيقته تكون في هذه العقائد والأعمال المذكورة في هذه الآية. وما جاء بعد هذه الآيات كلها تفسيرات لها كلها تطبيقات عملية لأنواع البرّ، أنواع العبادات مثلاً: الصيام والحج والجهاد وغيرها. وآية البر هي قول الله عز وجلّ (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)[البقرة:177] لاحظ ليس الإيمان خارج عن البر لأنه لا يُقبل عمل إلا بالإيمان قال: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)[البقرة:177] نطرح سؤالًا أين القَدَر في هذه الآية؟ لم يذكر القدر في هذه الآية ولا في آية سورة النساء مع أن الآية تعداد للأركان الإيمان الستة فأين هو القدر؟ القدر هو الإيمان بقدرة الله التي هي أحد صفاته وإنما أُفردت في بعض الآيات لوقوع الإشكال أوالريب فيها عند بعض الناس وإلا في الأصل من آمن بالله آمن بالله وبعلمه ورحمته وقدرته من مقتضياتها الإيمان بالقضاء والقدر، لذلك لم تذكر لا في هذه الآية ولا في سورة النساء.

بعد الإنتهاء من الإيمان بدأ بالتطبيقات العملية قال: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ)[البقرة:177] أي على حب المال( ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ )[البقرة:177]

ثم ذكر أركان الإسلام وأهمها (وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ)[البقرة:177]

ثم ذكر الوفاء بالعهود قال: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ)[البقرة:177]

ثم ذكر الصبر في كل أحوال المؤمن قال:( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ )[البقرة:177] ثم أثنى عليهم بقوله (أوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)[البقرة:177]

بعد آية البر ذكر قضية القصاص والوصية والصيام ثم الجهاد ثم الحج وإنما جاءت هكذا متتابعة لبيان أنها داخلة في معنى البرّ وأن البر يقتضي منك أن تفعل هذا وهذا وهذا.

ثم انتقل إلى موضوع جديد بعد آيات الحج وهو أنواع الناس في قبول الحق كما بدأ به السورة تماماً في قول الله عز وجل: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (3) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) ثم جاء بعد ذلك ذكر المنافقين والكفار واليهود.

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) البقرة) وسورة البقرة مليئة بذكر التقوى ذكر فيها التقوى 36 مرة حتى في الأحكام الفقهية البحتة يقول: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) البقرة) ويختم آيات الصيام بقوله (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وفي أحكام الطلاق.

والنوع الثاني (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) البقرة) ثم يبين أن المطلوب من كل واحد أن يقبل هذا الدين كله وأن لا يتردد في قبوله كله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً)[البقرة:208] أي في الإسلام كله.

بعد ذلك جاءت الإجابة على بعض الأسئلة التي كانت تترد في المجتمع المسلم: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ)[البقرة:215] (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ )[البقرة:217]، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)[219] (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى)[البقرة:220]

ثم انتقل الجزء إلى أحكام الأنكحة بدأ بقول الله عز وجلّ (ولاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ )[البقرة:221]  ثم بعدها المحيض وتحريم اتيان المرأة وهي حائض ثم بيان أن نساءنا حرث لنا ثم آيات الطلاق والعِدد والرضاع والأحكام المترتبة على الطلاق وما يتعلق به من العدة من والرضاع وهذا تسلسل منطقي .

بعد ذلك ختم هذا الجزء بقضية مهمة جداً وهي قضية الجهاد، وافتتح هذا الموضوع بقول الله عز وجل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ)[البقرة:243] غالبا الذي يمنع الإنسان من الجهاد هو الخوف من الموت (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ)[البقرة:243] الموت يأتي للمجاهد وللقاعد على فراشه قال: (فقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)[البقرة:243] (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(244) مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(245) البقرة)

ثم جاءت قصة عملية على قضية الحذر والخوف من الموت: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[البقرة:246] قصة جالوت وطالوت لما بُعث لهم ملك ليقاتلوا إذا بهم يترددون ويتخوفون ولكنه مضى بأمر الله عز وجل وقاتل أعداءه بأقل عدد كان معه حتى قيل أن عدتهم كانت كعدة أعل بدر وظهر في تلك الأثناء داود عليه الصلاة والسلام عندما قتل جالوت (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء) [البقرة:251] ثم بيّن الله حِكمة الجهاد فقال:(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ(252) البقرة)

وقفات في آيات الجزء:

ننتقل إلى أن نسلط الضوء على بعض المعاني في الموضوعات التي ذكرناها بها ومنها موضوع الاستعانة بالصبر والصلاة وأثر اقتران الصبر بالصلاة، فكل منا تنزل به مصائب في هذه الحياة هذه طبيعة الحياة (لَقَدۡ خلقنا الإنسان فِى كَبَدٍ (4) البلد) المصائب تنزل بالإنسان في وقت والكدر يأتي في وقت آخر وهذا قدر الله عز وجل ، والله عز وجل يقول:( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ )[البقرة: 155] كلمة شيء كلمة منكّرة والتنكير هنا كما يقول أهل البلاغة لإفادة التقليل، وكذلك كلمة (مِن) للتبعيض أيضاً، ثم نتحدث عن قضية الصبر وأثره وقيمته في حياة المؤمن وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل إذا حزبه أمر .

لا يخلو المسلم وغير المسلم من مكابدة هذه الحياة والتنقل بين أنواع مصائبها (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ )[البقرة:155] لكن يختلف المسلم عن غيره بأن لديه دعامتان يعتمد عليهما في هذه الحياة:

الدعامة الأولى دعامة الصبر فهو يتصبر ويعلم أن هذا الصبر مما يرقّيه عند الله عز وجل، ويرقّيه من جهتين: الجهة الأولى تكفير سيئاته حتى إذا لم يبق من سيئاته شيء صار رفعة لدرجاته قال الله عز وجلّ (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزمر:10] ولا يشترك مع الصبر أيّ عمل آخر في هذه المنزلة والدرجة العالية الرفيعة التي جعلها الله للصابرين ولهذا نحن نقول لإخواننا الذين ابتُلوا أياً كان نوع البلاء والله ما تدرون يوم القيامة أن أعظم ما تفخرون وتفرحون به بين يدي ربكم سبحانه وتعالى إذا عرضتم عليه هو هذه البلايا التي ابتُليتم بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ليتمنينّ أهل العافية يوم القيامة عندما يُعطى أهل البلاء ثوابهم أن لو كانت جلودهم قرِضت بالمقاريض" لما يرون من أثرالتكفير من السيئات ورفعة الدرجات. نحن لا نتمنى البلاء لكن إذا ابتلينا نصبر والصبر ليس سنّة أو مستحبًأ وإنما واجب على المسلم لأن الله أمر به (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ(7) المدثر)، (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ)[النحل: 127] فهو واجب بإجماع العلماء. والمنزلة العالية التي هي أعلى من الصبر وليست واجبة هي منزلة الرضى وهو أن يصبر الإنسان ويتحلى بالرضى فيقول أنا راضٍ عن ربي وعن قدره الذي قدّره عليّ ولا أتسخط شيئاً مما حلّ بي، بل أرى أن هذا الذي حلّ بي خير لي مما أختاره أنا لنفسي (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) فصلت) .

تأتي قضية أخرى: الصلاة ما حكمة وجودها مع الصبر؟

الصبر قد يتصبر الإنسان فترة ثم يبدأ الصبر ينفذ فيحتاج إلى وقود ما هو وقوده؟ الصلاة، جرّب يا أخي المسلم أن تصبر ثم تصلي أو إذا نزلت بك مصيبة أن تصلّي وافزع للصلاة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة انظر ماذا ينزل عليك من كميات هائلة من السكينة والثبات والرحمة التي لا تكاد تصدقها عن نفسك لأنه يرتبط بالله ويخرج من دائرة الوساوس ويرتبط بالله عز وجل وهنا الله عز وجل يمده بعونه وبالصبر.

المسائل في الجزء (يسألونك)

إذا تتبعت المسائل في القرآن وجدتها لا تزيد عن 12 مسألة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ)[البقرة:222]، (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ) [البقرة:215]، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) [البقرة:217]، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) [البقرة:220]، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) [البقرة:219]، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ) [البقرة:189]

تجد أنها قليلة لا تتجاوز إثني عشر مسألة ما سرّ ذلك؟ أوما هي الفائدة أو العبرة التي نأخذها من هذا؟

الفائدة التي نأخذها من هذا استنبطها لنا ابن عباس قال: إن أصحاب رسول الله كانوا أصحاب عمل فلم يكونوا مشغولين بتوليد المسائل ومعرفة الإجابات عليها بقدر ما كانوا مشتغلين في الميدان بالعمل بما أنزل عليهم في القرآن فمن اشتغل بالعمل لم يحتج إلى كثير من المسائل والأسئلة والتكلفات والتقعر، لماذا الله شرع كذا؟ وما هي حكمة التشريع في كذا؟ ولماذا لم يأمرنا الله بكذا؟ هذه لا ينبغي للمسلم أن يكون متسماً بها، تسأل فعلاً عن شيء أشكل عليك تريد العمل به ولا تسأل من أجل الفضول أو تزداد معرفة لكن دون أن تكون عندك الهمة كي تعمل وتتقرب إلى الله عز وجلّ ولو انشغل كل واحد منا بما أُمر به لانصرف عن كثرة السؤالات.

آيات الطلاق ذكرت تفصيلها في هذا الجزء ونلاحظ أنها أغلبها تختم بالتخويف بالله عز وجلّ وبذكر أسمائه وصفاته، والله عز وجل يقول في أزمة ومحنة الطلاق والشقاق والمشاكل بين الزوجين نريد أن نلفت لهذه القضية وقفة مع قوله تعالى: (وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)[البقرة:237] توجيه للبيوت التي تضطرب فيها إشكالات قد تمر بها كثير من هذه البيوت.

ربنا عز وجلّ من حكمتة العظيمة لما شرع النكاح شرع أيضًا لنا الطلاق لم يشرعه الطلاق لكي تتحطم الأسر ولكن أحيانًا لا يتوافق الزوجان فيكون هناك مخرج لهما بالطلاق ومن رحمته وحكمته سبحانه وتعالى أن جعل هذه الطلاق متدرجاً ولم يجعله كلمة واحدة تنتهي بها الحياة الزوجية فجعله طلقة أولى ثم ثانية ثم ثالثة ولا بد من مراعاة أن يكون هذا الطلاق للعدة (وهو الطلاق في طهرالذي لم يجامع فيه الرجل امرأته) إذا راعى الزوجان هذه الأمور ولم تنجح ولم تفلح جميع المسائل فهنا الحمد لله (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ)[النساء:130] وهنا يجب أن يكون طلاقنا مثل نكاحنا أي كما أننا نسعى إلى أن يكون النكاح نكاحاً مباركاً يجب أن يكون الطلاق كذلك طلاقاً مباركًا كما في الآية (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ)[النساء:130]

أعجبني مرة شاب يقول لي: أنا أسكن مع والدتي قلت اين والدك؟ قال أبي يسكن في بيت آخر قلت: متزوج؟ قال لا، قلت: مطلق الوالده قال: نعم مطّلق للوالدة؟ قلت: ولماذا لم يتزوج؟ قال: أبداً اتفق مع والدتي أن ينفصلا، لكن الوالده الآن منذ ثلاثة عشر عاماً لايصنع طعام الوالد ولا يكوي ثيابه إلا هي وفي كل يوم أذهب للوالد بالطعام واللباس تقول الوالدة: سلّم على والدك، وفي كل يوم أخرج من الوالد يقول لي: سلم على أمك،أوصيك بأمك. ولولا أني سمعت هذا بأذني ما حدّثت به لكنه طلاق رُوعي فيه شرع الله عز وجلّ شعر الرجل وشعرت المرأة بأنهما لا يمكن أن يجتمعا فانفصلا واتقيا الله عز وجلَ. ومن هنا يأتي: لماذا يأتي الحديث والتذكير بالتقوى عند الطلاق كثيراً، فكل آيات الطلاق ذكر فيها التقوى، لماذا؟ لأن عند الطلاق يأتي الغضب وكل واحد يتطلع على عورة الآخر وقد عرف كل أسراره إذا لم تكن له تقوى تردعه فإنه سيفضي بأمور وقد يصدقه الناس عليها، ويبدأ يسحب التاريخ الماضي وينسى التاريخ الإيجابي، تصور لو قال الرجل في امرأته بعد طلاقها: أنا وجدتها امرأة غير عفيفة، سيصدقه الناس.

لكن إن كان عنده تقوى لله عز وجل فإنه لن يفعل، تصور لو طلق الرجل المرأة ثم أراد أن يعذبها بأولادها أو في أي شيء يختص بها ! لذلك قال الله عز وجلّ في الآية (وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[البقرة:237] ثم ذكر الصلاة مرة أخرى فقال (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى)[البقرة:238] لأن الذي يحافظ عليها لا يمكن أبدًا أن يخلّ بهذه الأوامر في هذه الأمور الدقيقة الخفيّة على الناس.

قضية الجهاد وقصة طالوت وجالوت.

لا شك أن الأمة التي تتراخى في أمر الجهاد تصبح أمة ضعيفة وتصبح نهبًا لأعدائها. لذلك هؤلاء من بني إسرائيل شعروا بالذل والضعف والمهانة فطلبوا من نبي من أنبيائهم: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[البقرة:246] لما طلبوا أن يقاتلوا بعث الله لهم ملِكًا وجعل له وصفين كريمين قال:( وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)[البقرة:247] لكن اعترضوا على اختيار الله له قالوا: ( قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ )[البقرة:247] طيب هذا اختيار الله لكم فلماذا تعترضون عليه؟!! ولذلك الأمة التي تريد أن تجاهد وتريد أن تقاتل يجب أن تكون مطيعة لله مستسلمة لأمره .

سؤال الحلقة: كم مرة ذكرت التقوى في سورة البقرة؟ 36

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل