تفسير سورة الشعراء- 3- د. صالح الخضيري- دورة الأترجة

تفسير سورة الشعراء - 3

د. صالح الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٧٠﴾ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴿٧١﴾ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿٧٢﴾ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣﴾ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿٧٤﴾) .

قال الله تبارك وتعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ). يبتدئ بقصة الخليل عليه الصلاة والسلام فيقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ) يعني اقرأ يا محمد على قومك نبأ الخليل وخَبَرِه الجليل الذي هو من أعجب أنبائه الكثيرة عليه الصلاة والسلام وأفضل أخباره لأنه تضمن لرسالته ودعوته لقومه ومحاجّته لهم وإبطال ما هم عليه من الشرك ولذلك قيّده بالظرف فقال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ) والخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو إمام الأنبياء جعل الله عز وجل في ذريته النبوة والكتاب فما بعث الله بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام نبياً إلا وهو من ذريته. ولقد تكرر في القرآن ثناء الله على الخليل عليه الصلاة والسلام حتى كاد القرآن أن يكون ثناءً عليه. فأثنى الله عليه في معظم سور القرآن وقال الله (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) وقال (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) وقال (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) لأن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ليس له من نفسه شيء، حقّق عبودية الله تبارك وتعالى، حتى أنه في هذا السبيل جعل ماله للضِيفَان، وعرّض جسده للنيران، وقدّم ولده للقُربان، فاستحق أن يكون خليل الرحمن، ولهذا قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). قال لأبيه آزر (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) والقرآن يفسّر بعضه بعضاً وقال تعالى (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) مريم)، قال لأبيه وقومه (مَا تَعْبُدُونَ) يعني أي شيء تعبدون؟! وهو عليه الصلاة والسلام يعلم أنهم يعبدون الأصنام لكنه أراد أن يُلزِمَهُم الحُجّة وأراد أن يبيّن لهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء (مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا). قالوا متبجّحين بعبادتها (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) ننحتُها ونعملُها بأيدينا (فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) أي مقيمين على عبادتها في كثير من أوقاتنا، وقال بعض أهل العلم إنما قال (فَنَظَلُّ) لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل. يقال ظلّ يفعل كذا إذا فعل بالنهار، والليل يقال بات يفعل وهذا من بلاغة القرآن. قال إنما قال (فَنَظَلُّ) لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، يقال ظلّ يفعل كذا طول نهاره، يعني ظلّ يفعل كذا إذا فعله بالنهار، والليل يقال بات يفعل كذا.

قال لهم إبراهيم عليه السلام مبيّناً عدم استحقاقها للعبادة (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ) هل هذه الأصنام تسمع دعاءكم؟ هل يستطيعون تفريج كروبكم؟ هل يزيلون عنكم كل مكروه؟ (أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) فأقرّوا أن ذلك كله غير موجود في معبوداتهم وأنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً من ذلك وإنما عبدوها لشيء واحد، وجدوا آباءهم على عبادتها فهم على آثارهم يهرعون. ولهذا لما كسّرها الخليل عليه الصلاة والسلام كما في سورة الأنبياء قال (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ). (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) أجابوه بالتقليد البحت بغير حُجّة ولا بُرهان ومعلومٌ أن التقليد ليس بحُجّة. قال لهم الخليل عليه الصلاة والسلام في سورة الأنبياء لما أجابوه بالتقليد بماذا رد عليهم الخليل عليه السلام لما قالوا (وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)؟ قال (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) تحتجّون عليّ بفعل الآباء؟! (أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) يعني احتجّوا بشيء ليس بحُجّة! فالتقليد لا يُعتبر حُجّة، حتى قال أهل العلم أن المُقلِّد ليس معدوداً من أهل العلم، المُقلِّد ليس معدوداً من أهل العلم، ما له نظر في الأدلّة وتمييز ومعرفة صحيحها من سقيمها. وقول الغير يحتج له أو يحتج به؟ لا يحتج به إنما يحتج له يطلب الدليل له، فهؤلاء ما عندهم دليل قالوا (وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) قال إبراهيم (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) وهنا قال (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) ولعل قول إبراهيم هذا كان في أوّل الدعوة قبل أن يعزم على تحطيمها فأظهر هنا قِلّة اكتراثه بهذه بالأصنام قال (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) فقط، لأنه أيقن بأن سلامته بعد ذلك تدلّ على أن الأصنام لا تضُرّ بأدنى ضرر وإلا لضرّته لأنه بيّن أنه عدو لها، فلعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام جاءهم على مراحل: أول ما بدأ قال هذه الأصنام عدو لي أنا بيّنت أنها عدوٌ لي دعوها تضرني ما ضرّته. والأصنام ما لها إدراك حتى توصف بالعداوة فكيف قال إبراهيم (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي)؟ هذا من قبيل التشبيه البليغ أي هم كالعدو لي في أني أبغضهم وأضرهم أفعل بهم المكروه ما يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئاً! (إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) هذا استثناء منقطع، (إِلَّا) بمعنى (لكن) أي لكن رب العالمين جل جلاله ليس كذلك بل هو وليي في الدنيا والآخرة.

(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) هو المتفرِّد بنعمة الخلق ونعمة الهداية إلى مصالح الدنيا والآخرة، وقد وصف الخليل عليه الصلاة والسلام ربّه بما يستحق العبادة لأجله، فإن الخَلْق والهداية والرزق بيده جلّ وعلا ويدلّ على ذلك قوله (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) هذا تخصيص لبعض الضروريات فالله جل وعلا هو وحده المنفرِد بذلك، فيجب أن يُفرَد بالعبادة والطاعة , وتترك عبادة هذه الأصنام التي لا تخلق ولا تهدي ولا تُمرِض ولا تشفي ولا تُطعِم ولا تسقي ولا تُميت ولا تُحيي ولا تنفع عابديها بكشف كرب ولا مغفرة ذنب، ولا شك أن دفع المرض والشفاء من المرض بعد نزوله، والإماتة والإحياء ومغفرة الذنوب، نِعَم يجب على العبد أن يشكرها، وأعظم الشكر وأساس الشكر وأكبر الشكر أن يُفرَد الله جل وعلا بالعبادة وحده دون سواه.

لماذا أسند إبراهيم المرض إلى نفسه دون غيره من الأفعال المذكورة؟ لماذا قال (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ) ما قال "والذي يمرضني"؟ فعل هذا رعاية للأدب مع الربّ جل وعلا، وإلا فإن المرض وغير المرض كلّه من الله وكلّه بيد الله، لكن فعل هذا رعاية للأدب مع الله سبحانه وتعالى كقوله جل وعلا عن الجنّ أنهم قالوا (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا). وقول إبراهيم (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) المراد بأنه البعث وحُذِفت الياء من هذه الأفعال لكونها رؤوس الآي حتى تتوافق رؤوس الآي.

(وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) أطلق على رجاء المغفرة لفظ الطمع تواضعاً لله وهضماً لنفسه ومباعدةً لها من هاجس استحقاق المغفرة، لماذا طمع بذلك؟ لأن الله وعده. والمغفرة ما هي؟ العفو عن الخطايا. لماذا قال (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) يعني يوم القيامة؟ لأنه اليوم الذي يظهر فيه أثر العفو وهو يوم الجزاء للعباد لأعمالهم. (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) فلا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو كما قال تعالى (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ). وقد جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت « قلت يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ فقال لا يا عائشة، لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». ابن جدعان هذا كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الرجل كان مؤذياً في قريش ما يمكن يقابله أحدٌ إلا يؤذيه، يضرب هذا، ويقتل هذا، يعمل المشاكل مع فلان، يوم من الأيام - ساق قصته الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية - يوم من الأيام يئس من الحياة من كثرة مشاكله مع الناس طلع من مكة حائراً بائراً يائساً زاهقة نفسه من كل شيء، ووجد جبلاً ورأى في المغارة ثعباناً عظيماً دخل يريد أن يغامر مع الثعبان قال إما أقتله كعادتي في الأذى وإلا يقتلني واستريح من الناس ويستريحون مني، قال يهجم على الثعبان ما يتحرك الثعبان ويناظر ويلمس وإذا ثعبان من ذهب ويأخذ الذهب وينظر وإذا في المغارة ذهب أكثر من الذهب الذي في الخارج ويأخذ الذهب هذا ويشتري قطعاناً من الإبل ويأتي إلى قريش ويصِلُهم ويبدأ يُطعِم الناس ويصير له مكانة عظيمة حتى إنه جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن أبي جهل لما قُتِل قال إني تدافعت أنا وإياه على جفنة ابن جدعان فدفعته فوقع على حَجَر النبي e دفع أبو جهل ففيه أثر في ركبته من هذا- فكان يُطعم الناس وتبدلت حاله بعد البغض والشقاء إلى أن صار محبوباً عند قريش لإطعامه وصلته للناس. فالشاهد إن عائشة رضي الله عنها استرعى انتباهها هذا الأمر، عبد الله بن جدعان يا رسول الله كان يصل الرحم ويطعم الطعام فهل ذلك نافِعُه؟ قال « لا ينفعه إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ».

(رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) دعا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام بعد ذلك فقال (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) يعني علماً كثيراً وحكمةً وفهماً، أعرف به الأحكام وأحكم به بين الأنام. وقيل (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) يعني حكمة ونبوة، يعني طلب الازدياد من مراتب الكمال والمنزلة وسأل الله على الدوام على ذلك. (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) أي بالنبيين والمرسلين من قبلي في المنزلة والدرجة.

(وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) أي اجعل لي ثناء صدق، وتخليد مكانة مستمر باق إلى آخر الدهر، وهذا التفسير نُقِلَ الإجماع عليه هذا يدخل في إجماعات المفسرين، يعني اجعل لي ثناء صدق وتخليد مكانة مستمرٍ باقٍ إلى آخر الدهر، وقد ذكروا أن هذه الآية مفسرة لقوله تعالى (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) وقوله تعالى أيضاً (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) يعني تركنا عليه ثناءً حسناً. وفعلاً إبراهيم عليه الصلاة والسلام من هذا لسان الصدق الذي كتبه الله له أنه ما بعث الله نبياً إلا من ذريته، وأنه أيضاً إلى الآن يذكر إبراهيم (اللهم صل على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم). في القرآن في سورة البقرة ذكر الله إبراهيم، في سورة آل عمران، في سورة النساء، في سورة الأنعام، في سورة براءة، في سورة هود، في سورة الحجر، في سورة إبراهيم، في النحل، وفي النحل قال الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا). ثم تسلسل ذِكْرُه في القرآن في سورة مريم، وفي سورة الأنبياء، وفي سورة الحج (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا)، وفي سورة الشعراء هنا، وفي سورة العنكبوت، وفي سورة الممتحنة، وفي سورة النجم (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)، وفي سورة الأعلى، يعني سبحان الله! معظم سور القرآن ثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذِكْر له. وفي سورة الشورى كذلك، وفي سورة الصافات تفصيل، وفي الزخرف. آية هنا (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) في آية في سورة مضت مرّت عليكم قريبة من هذا، خبرٌ أخبره الله عن المؤمنين أنهم سيكون لهم لسان صدق ومكانة ومنزلة ما هي الآية؟ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) يعني محبةً في قلوب الخلق ومنزلة. وإبراهيم جعل الله له ذلك، حتى إن رجلاً قال للنبي e كما في الصحيح قال له يا خير البرية، قال « ذاك إبراهيم » قاله من باب التواضع عليه الصلاة والسلام. وقال ولد لي البارحة ولد سميته باسم أبي إبراهيم. فسيرة الخليل عليه الصلاة والسلام عجبٌ من العجب، وله سبب واحد أنه حقق عبوديته لله ما له من نفسه شيء أبداً يلتمس مراضي الله في كل بقعة وفي كل مكان حتى إن الله لما أمره أن ينقل هاجر وإسماعيل من فلسطين أرض الشام إلى الحجاز (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) جاء بهم، وتبعته هاجر قالت يا إبراهيم كيف تتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أحد؟ وهو ما يكلّمُها لأنه لو التفت تدركه شفقة الوالد على ولده، استمر مقفّي حتى قالت آالله أمرك بهذا؟ فأشار برأسه أن نعم ولا التفت، قالت إذاً لا يضيعنا، فلما صار خلف الثنيّة دعا بهؤلاء الدعوات (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) إلى آخر الآيات. (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) في الحال (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا) أسلم إبراهيم وإسماعيل، ولهذا قال الله (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)، (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) وكل أمّة من الأمم تتمسّك بالخليل وتعظّمه فصار محبوباً، مقبولاً، معظّماً في جميع المِلل في كل الأوقات، وجعل الله النبوّة في ذريته (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ).

(وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) فأجاب الله دعاءه ورفع منزلته في جنات النعيم. (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) كان أبوه قد وعده أن يؤمن به فوعد أباه أن يستغفر له (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) وقال تعالى (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) رجع إبراهيم عن الاستغفار لأبيه لما تبيّن له أنه عدو لله تبرّأ منه. (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) يعني لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، ولا تلحق بي ذُلّاً وهواناً بمعاتبتي، أو لا تعذّبني يوم القيامة بل أسعدني في ذلك اليوم. وقد روى البخاري عند قوله تعالى (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرَة والقَتَرَة » وجاء في إسناد آخر عند البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يلقى إبراهيم أباه فيقول يا ربّ إنك وعدتني أنك لا تُخزني يوم يبعثون، فيقول الله إني حرّمت الجنة على الكافرين ». وفي لفظ عند البخاري أيضاً « يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرَة وغَبَرَة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم يا ربّ إنك وعدتني أن لا تُخزني يوم يبعثون فأيُّ خزيٍ أخزى من أبي الأبعد فيقول الله تعالى إني حرّمت الجنة على الكافرين. ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ - يعني انظر ماذا تحت رجليك - فينظر فإذا هو بذيخ متلطِّخ - الذيخ هو الذَكَر من الضباع، كأنه حُوّل بقدرة الله آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعجرته فيُلقى في النار كذلك، نسأل الله العفو والعافية - فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار » جاء في سنن النسائي الكبير بلفظ قال « انظر أسفل منك فنظر إبراهيم فإذا هو -أي آزر- ذيخٌ يتمرّغ في نتنه فأخذ بقوائمه فأُلقي في النار ».

(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) يعني لا ينفع فيه المال والبنون أحداً من الناس والابن هو أخصّ القرابة وأولاهم بالحماية والدفع والنفع، فإذا لم ينفع فغيره من القرابة والأعوان أولى. لا ينفع في ذلك اليوم إلا الإيمان بالله جلّ وعلا، إخلاص الدين له، التبرؤ من الشرك وأهله كما قال الخليل نفسه عليه الصلاة والسلام قال لقومه (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ). ولهذا قال الله (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) ما هي ملة إبراهيم؟ الحنيفية، هي التبرؤ من الشِرْك وأهله والاستسلام لله ظاهراً وباطناً، إفراد العبادة لله وحده لا شريك له.

(إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) هذا هو الذي ينفعه، يا رب ينفعه عندك يوم القيامة وهو الذي ينجو به من العقاب الذي يأتي الله بقلب سليم. والقلب السليم هو الذي سَلِمَ من الشِرك، وسلم من الغِلّ والحِقد والحسد، وسَلِم من الكبر، وسَلِم من الشُحّ وحُبّ الدنيا والرئاسة، فسلم من كل آفة تبعده عن الله U، سلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره. القلب السليم هو الذي يسلَم من كل شبهة تُعارض خبر الله، ومن كل شهوة تُعارض أمر الله، سلم من كل إرادة تزاحم مراد الله، سلم من كل قاطع يقطعه عن الله، قلب مخلص لله I ظاهراً وباطناً، قلب حقّق العبودية لله سبحانه وحده لا شريك له. (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) فلم يقطعه قاطع عن الله U. فهذا القلب السليم في جنة معجّلة في الدنيا وفي جنّة في البرزخ وفي جنّة يوم المعاد. ولهذا يقول بعض الصالحين "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة هي جنة الرضا بالله I رباً" قال عليه الصلاة والسلام « ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد e نبياً ورسولا » لا بد أن يُسَلِّم الإنسان لأمر الله (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). ما يكون صاحب القلب السليم إذا سمع بدليل من القرآن أو من السُنّة بدأ يلتمس المعاذير لنفسه ليتهرّب من هذا الحكم الشرعي!

يأخذ أوامر الله وأوامر رسوله عليه الصلاة والسلام كاملة، يستجيب لله وللرسول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) هذا صاحب القلب السليم الذي يقبل دين الله كاملاً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) يقبل أوامر الله. لماذا حصل لبعض الناس الآن حصل لبعضهم مرض الشبهات وبعضهم مرض الشهوات؟ لأن هؤلاء الذين حصل لهم هذا ما استسلموا لأمر الله، أما لو اقتنع الإنسان بأنه عبدٌ لله هو بين أمرين إما يكون عبداً لله وإما يكون عبداً للشيطان وشهوته. يقول ابن القيم عن أمثال هؤلاء "هربوا من الرِّقّ الذي خلقوا له، فبُلُوا بِرِّقّ النفس والشيطان". فالقلب أصلاً عليه مدار الأعمال كلها ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين قال « ألا وأن في الجسد مُضغة إذا صلَحت صلَح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ». فعلينا عباد الله أن نعتني بإصلاح قلوبنا، نبحث ما هي الأشياء التي تصلح قلوبنا، قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح « إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». القلب له أثره الواضح، القلب السليم القلب الصالح صاحبه لا يأكل إلا الحلال، ما يأكل إلا المال الحلال، الكسب الطيب فقط، يبتعد عن الخبيث والمتشابه، صاحب القلب السليم لا يحمل غِلّاً ولا حقداً ولا حسداً بل يجاهد نفسه بقدر ما يستطيع، لا يحمل ذلك على أحد من المسلمين. صاحب القلب السليم هو الذي يؤدّي فرائض الله كاملة وينتهي عما نهاه الله. صاحب القلب السليم هو الذي إذا خلا بمحارم الله وتهيأت له فرصة المعصية قال إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ). صاحب القلب هو من السبعة الذين يُظِلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله". وما أحوجنا معاشر المسلمين والمسلمات في هذا الوقت هذا الزمن ما أحوجنا أن نعالج قلوبنا، قلوبنا ميتة، ماتت القلوب لأسباب، لفتن الشبهات والشهوات التي تُعرَض على المسلمين صباح مساء عبر القنوات وعبر المواقع، فِتَن أفسدت بعض الفِطَر وأفسدت كثيراً من قلوب الناس، ولهذا تجد القلب يتأثر من نظرة واحدة. الآن تهيأت للناس وفتحت أبواب الشبهات والشهوات، فالآن المبتدعة والكَفَرة يعرُضون فِتَنَهم ويعرضون شُبهاتهم في المواقع وعلى القنوات صباح مساء، وأصحاب الشهوات يعرضون فتنهم في القنوات والمواقع صباح مساء، والقلوب ممتَحنة بين هذه الأشياء: إما داعي الرحمن أو داعي الهوى والشيطان وهناك (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ). ولهذا من دعاء المؤمنين (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) فما أحوجنا في هذا الزمن إلى أن ندعو الله من قلوبنا بأن يثبِّت قلوبنا على الإيمان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائماً يقول « يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينكفقيل له يا رسول الله آمنّا بك وصدّقناك فهل تخاف علينا قال ما من العباد أحد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا أراد أن يقلبه قلبه » وكانت يمينه المفضلة أنه يقول « لا ومقلِّب القلوب » وفي الحديث الآخر « لقلبُ ابن آدم أشد تقلّباً من القِدِر إذا استجمعت غلياناً » فالقلوب تتغير وتختلف وتتقلّب ولهذا الإنسان عليه أعظم علاج لإصلاح قلوبنا هو الدعاء وتدبر القرآن، قراءة القرآن بالتدبر. يقول ابن القيم "أنفع ما يكون لصلاح القلوب هو قراءة القرآن بالتدبر والتفهّم، ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لاشتغلوا بها عن غيرها، فإذا جاء إلى آية وهو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه قرأها ثم كرّرها وكرّرها وكررها حتى يصلح القلب".

الآن كثير من المسلمين أعرضوا عن كتاب الله حتى صَدَقَ على كثير منهم قول الله (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) جعل كثير من المسلمين معظم أوقاتهم انشغلوا بالشعر والنشيد وأسرفوا في هذا، وانشغل كثير منهم بالقنوات والمواقع والفايسبوك والتويتر والبلاك بيري وما إلى ذلك من الأجهزة وتجد الواحد ما عنده وقت للسنن الرواتب التي فيها صلاح قلبه، ما عنده وقت لقراءة القرآن التي فيها صلاح قلبه، ما عنده وقت لقيام الليل، ما عنده وقت لصيام النهار، ما عنده وقت لتدبر القرآن وتفهم معانيه، شُغِل عن الفرائض بل بعضهم ربما يدخل عليه الوقت ويخرج الوقت وهو ما صلّى الفريضة التي فرضها الله فضلاً عن الرواتب، فهل هذه حالة ترضي الله؟!ّ إلا ممن منّ الله تبارك وتعالى عليه، قال عليه الصلاة والسلام « بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل من الغرباء يا رسول الله؟ قال الذين يُصلِحون ما أفسده الناس » ولن يُصلِح الناس أحدٌ وهو فاسد،

لن تصلح الناس وأنت فاسد    هيهات ما أبعد من تكابد

الناس لا يصلحهم إلا من أصلح نفسه أولاً، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

(إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) لا تتم سلامة القلب مطلقاً حتى يسلَم من خمسة أشياء كما أشار إلى ذلك الإمام العلامة الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى قال: لا يتمّ للقلب سلامة - يعني سلامة مطلقاً - حتى يسلَم من خمسة أشياء من شِرك يناقضُ التوحيد، وبِدعةٍ تُخالِف السُنّة، وشهوةٍ تُخالِف الأمر (لا بد يَسْلَم من الشهوة التي تخالف أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام) وغفلةٍ تناقض الذِكر (يسلم من الغفلة التي تناقص الذكر عكس الذكر تماماً) وهوىً يُناقض التجريد (والتسليم المطلق لله) يعني يسلَم من الهوى الذي هو ضدّ التجريد والإخلاص يعمّ هذه الأمور كلها.

 

الإخلاص الذي هو تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين وإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام من أصحاب القلوب السليمة قال الله تعالى (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) يعني من شيعة نوح عليهم الصلاة والسلام. ولا أدلّ على سلامة قلبه من كونه ليس له من نفسه شيء، كل مراداته وهوى نفسه تحت قدمه إنما هو يلتمس مراضي الله I.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل