تفسير سورة الشعراء- 2- د. صالح الخضيري- دورة الأترجة

تفسير سورة الشعراء - 2

د. صالح الخضيري - دورة الأترجة القرآنية 

 (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ﴿٤١﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٢﴾ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ﴿٤٣﴾ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ﴿٤٤﴾) .

قال الله تعالى (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)). (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ (58) طه) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم، تواعدوا في يوم الزينة (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) اليوم الذي يتفرغون فيه من أشغالهم (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ) هل أنتم مجتمعون على شكل سؤال استفهام، هم الآن توجّسوا خيفة من موسى، يعني هذه عادة المُبطِل -مثل ما يقولون بالمثل إنه يولم العصابة قبل الفلقة، المثل العامّي- فهم الآن يحتاطون لموسى لأن فرعون يعلم يقيناً أن موسى u إن غلب فسيسحب البساط من تحته وسينصرف الناس إلى موسى وهو عالم بهذا، فلهذا أحبّ أن يعطي موسى كما يقولون ضربة استباقية وسيأتي بيان سخافة عقل فرعون لمّا قال (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) مع أن الناس يعلمون يقيناً أن موسى u ما كان يعرف السَحَرة ولا التقى بهم. (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) حتى هم أُنظر سخافة عقول السحرة! أُنظر أنهم أيضاً ما عندهم قدرة على قلب الأشياء إلى أعيان حقيقة لو كانوا فعلاً يستطيعون أن يقلبوا الليل نهاراً والنهار ليلاً والبعرة ذهباً لما احتاجوا أن يطلبوا أجرة من فرعون كان يسحرون فرعون ويأخذون جميع ما عنده من الذهب، لكن هم أصلاً هم أعجز وأذلّ من ذلك! ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما سُئل عن الكُهّان؟ قال إنهم ليسوا بشيء. هنا فرعون وعدهم ومنّاهم أنه يعطيهم ما أرادوا من أجر وأنه سيقرّبهم ويُعلي منزلتهم عنده والخلق كلهم عارفون بأن فرعون كان عبداً ذليلاً مُهاناً مُحتَقراً عاجزاً وإلا أصلاً لما استعان بالسحرة، ألم يدّع أنه هو ربهم؟! الرب ما يستعن بأحد! ما يحتاج أنه يجلب أناساً متفننين من السحر ويعِدَهم ويرتّب لهم جوائز ويقرِّبهم، الرب ما يحتاج لهذا الشيء أبداً!! فكل الناس يعرفون لكن سبحان الله أُنظر إلى العقول كيف (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) لا تغيب عن بالكم هذه الآية العظيمة- (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) العقول إذا مُسِخَت ما صار الإنسان يفكر بعقله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) يتفكّرون، أما أشباه البهائم الذين رضوا لأنفسهم بالذِّلة والهوان فهؤلاء لا حيلة فيهم. إذاً وعدهم ومنّاهم وأنه سيعطيهم وسيفعل.

(قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) وفي آية أخرى أنهم هم قالوا (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) والحمد لله أن الله وفّق موسى أنه يجعلهم هم الذين يبدأون حتى يرى الناس كيف سحرهم العظيم كما قال الله (وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) يبهر العقول ففعلاً ألقوا حبالهم وعصيّهم وسحروا أعين الناس كما قال الله في سورة الأعراف (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) هنا جاء دور موسى (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) ألقى موسى عصاه فإذا هي حيّة تسعى وتلقف ما يأفكون، ألقى موسى عصاه فتحولت حيّة فأكلت سحرهم كله، أكلت الحبال والعصيّ وخاف الناس وفزعوا، هم هربوا خشوا أن تأكلهم. (تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) تأكل (مَا يَأْفِكُونَ) يعني ما يلقونه ويوهِمون أنه حقٌ وهو باطل. فهنا كما قال الله (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وهنا قال (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) لماذا ألقوا ساجدين؟ لأنهم رأوا الحق. ألقي السحرة ساجدين، الآية في الأعراف نفس التي في الشعراء (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) لا فرعون الذي يدّعي. تحولوا من التحدي السافر لموسى إلى التسليم المطلق الذي يجدون برهانه في أنفسهم عين يقين سيشاهدونه بأعينهم، وهذا دليل على أن الحقّ بَهَرَهم واضّطرهم أن يسجدوا بحيث أن الواحد منهم ما تمالك نفسه أن يقع ساجداً لله سبحانه وتعالى مباشرة، وهكذا الإيمان إذا وقر في القلب. إذا وقر الإيمان في القلب وعاين العاقل الإنسان المُبْصِر عظيم قدرة الله ما يتمالك نفسه أن يستسلم لرب العالمين. ولكن الطواغيت المتجبرين كفرعون ومن سلك سبيله لا يُدركون كيف يشرق الإيمان في القلوب، ولا كيف تُخالط بشاشة الإيمان القلوب، فهم لطول ما استعبدوا الناس يحسبون ويعتقدون أنهم كما ملكوا أجسادهم أنهم يملكون أيضاً قلوبهم، وجهلوا أن القلوب بيد علّام الغيوب.

قال لهم فرعون متهدداً لهم على الإيمان (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) وفي الأعراف (آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) وهنا قال (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) كبيرهم الذي علمهم السحر! أصلاً موسى ما يعرفهم كما سبق آنفاً، ولا التقى بهم، ولا بينه وبينهم ترتيب، ومن الذي جمعهم موسى أو فرعون؟! أنت يا فرعون أنت الذي جمعتهم أرسلت في المدائن أناس يجمعونهم ويحشرون الناس فكيف تقول كبيركم الذي علمكم السحر؟! ولكن كان الخبيث حاكماً مستبداً على الأديان والأقوال، وقد تقرر عنده وعندهم أن قوله مُطاع وأمره نافِذ ولهذا بدأ يهدد ولهذا قال (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) .

وفي سورة طه (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)) الإيمان ليس شيئاً يباع ويشترى، الإيمان كما قال الحسن البصري ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلّي ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل. إذا وقر في القلب يفعل الأعاجيب، الإيمان هو الذي جعل عمير بن الحُمَام رضي الله عنه لما قال يا رسول الله وكان بيده تمرات قال يا رسول الله ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ قال نعم، فألقى التمرات وقال والله لئن بقيت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة. هذا الإيمان، الإيمان يفعل الأفاعيل في القلوب. لكن هذا من تمويه فرعون ليُريَهم أنهم ما غُلِبوا ولا انقطعت حجتهم فقال إن موسى كبيركم الذي علمكم السحر فتواطأتم أنتم وإياه على أن تنغلبوا له وتنهزموا ويعلم هو قاتله الله أنه كذب، لكن إنه الإيمان يدعوة موسى، موسى يدعو إلى ماذا؟ إلى توحيد رب العالمين، وفرعون يدعو إلى تعظيم نفسه وأنه هو رب الناس، فهذه واضح أن هذه الدعوة هي التي تزعج وتخيف أنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع رب العالمين جل وعلا. لأنهم يحاولون أن ينازعوا الرب جل وعلا وهم هؤلاء الطواغيت يقوم ملكهم على تنحية ربوبية الله I ، تنحية شريعة الله وإقامة أنفسهم أرباباً من دون الله يُشرِّعون للناس ما يشاؤون ويعبّدون الناس لما يشرِّعون وهذان منهجان لا يلتقيان، إما أن يكون الإنسان عبداً لرب العالمين أو يكون عبداً للعبيد وهؤلاء الطواغيت هم عبيدٌ لشهواتهم وعبيدٌ للشيطان.

(قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) يعني نحن لا يهمنا أن تفعل هذا بنا، لا يضرنا. (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) فهم يقولون نحن نطمع أن الله جل وعلا يغفر لنا ذنوبنا وفي آية أخرى (وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ويحتمل أن فرعون فعل بهم ما توعّدهم به لأنه قادرٌ على أن يفعل بهم هذا، ويُحتمل أن الله منعه منهم، وفي القرآن ما فيه تصريح أنه فعل بهم هذا أو لم يفعل لكن جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فعل بهم ذلك حيث قال إنهم كانوا في أول النهار كُفّاراً فَجَرَة ثم أصبحوا شُهداء بَرَرَة.

ثم لم يزل فرعون وقومه مستمرين على كفرهم يأتيهم موسى بالآيات والبينات وكلما جاءتهم آية وبلغت منهم كل مبلغ وعدوا موسى وعاهدوه أن يؤمنوا كما قال الله (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا). فلما يئس موسى u من إيمانهم وحقّت عليهم كلمة العذاب وآن لبني إسرائيل أن ينجّيهم الله جل وعلا من أسرِهم ويمكنّ لهم في الأرض أوحى الله جل وعلا إلى موسى u (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي) أي اخرُج ببني إسرائيل كلّهم أخرجهم من مصر متوجهاً إلى فلسطين، أخرِجهم.

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) وفي طه (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ) وهنا (إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) يعني سيتبعكم فرعون وجنوده ووقع كما أخبر فإنهم لما أصبحوا إذا بنو إسرائيل قد سروا كلهم مع موسى u. قوله (أَسْرِ بِعِبَادِي) متى هذا ليل وإلا نهار؟ ليل.

(فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) أرسل يجمعون الناس ليوقع ببني إسرائيل وقال مشجِّعاً لقومه (إِنَّ هَؤُلَاءِ) أي بني إسرائيل (لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) إذا صاروا شرذمة قليلين لماذا تجمع الناس؟!! (وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) فلا بد أن ننفذ غيظنا في هؤلاء العبيد الذين أبَقوا منّا وفرّوا، لابد أن ننفّذ الغيظ فيهم (وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) فعلاً هم غاظوا فرعون وقومه.

(وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) أي الحذر على الجميع منهم, وهم أعداء للجميع وهم أعداء في الواقع لفرعون لأنهم سيزيلون مكانته فيسحقونه سحقاً وهو يوهِم أنه عدوٌ لي وعدوٌ لكم أنتم أيضاً. (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) وفي قراءة سبعية (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ) وهما لغتان حذرون وحاذرون. فخرج فرعون وجنوده في جيش عظيم ونفير عام لم يتخلّف منهم رجلٌ واحد لحكمة يعلمها الحكيم العليم سبحانه وتعالى ما تخلّف منهم إلا أهل الأعذار الذين منعهم العجز.

قال الله جل وعلا (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) بساتين مصر وجناتها الفائقة وعيونها المتدفقة وهذه الزروع التي ملأت أراضيهم وعُمِرت بها حاضرتهم وبواديهم خرجوا منها. (وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) يُعجِب الناظرين ويُلهي المتأملين، تمتعوا بهذا دهراً طويلاً وقضوا لذّتهم وشهوتهم التي كتب الله لهم عمراً مديداً في هذه الأماكن وهذا البساتين وهذه الجنات والعيون لكنهم قضوها على كفر وفساد وظلمٍ لأنفسهم أولاً وظلمٍ لبني إسرائيل ثانياً، وعاقبة الظلم وخيمة ولهذا في آخر سورة الشعراء (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).

(كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) هذه البساتين والعيون الجارية والزروع والمقام الكريم أورثها الله لبني إسرائيل الذين كانوا قبل ذلك عبيداً لفرعون والأقباط. كانوا متجهين لجهة فلسطين لكن انتفى المحذور فرجعوا مرة أخرى إلى مصر كما قال الله في سورة الأعراف (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) ما كانوا يبنون من العمارات كلّها دمّرها الله وأهلكها (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) يعني إتّبع فرعون وقومه موسى وقومه وقت شروق الشمس وساروا خلفهم على غيظ وحَنَق قادرين.

(فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ) رأى كلٌ منهما صاحبه (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى) شاكين لموسى وحزينين يا موسى (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) وذلك أن موسى انتهى ببني إسرائيل إلى سيف البحر ما شيء إلا البحر أمامهم وفرعون وجنده خلفهم، قالوا يا موسى (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) فقال موسى عليه الصلاة والسلام مقولةَ الواثق بوعد ربه، المتوكّل على ربه (قَالَ كَلَّا) وهي حرف إبطال يعني ليس الأمر كما ذكرتم إنا مدرّكون، لسنا كذلك (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) سيدلّني لما فيه نجاتي ونجاتكم أيضاً (كَلَّا) من قال لكم إنا مدركون؟! 

قال الله (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ) البحر خلقٌ من خلق الله ضربه موسى ضربة واحدة، لا إله إلا الله! فانفلق، هذا الماء هذا البحر بقدرة الله أصبح اثني عشر طريقاً كما قال الله (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى) اثنا عشر طريقاً على عدد قبائل بني إسرائيل يمشون في أرض واضحة بيّنة جافّة يابسة فكان الماء بقدرة الله بين هذه الطرق الاثني عشر كالجبال قائماً واقفاً الماء بقدرة الله القوي العزيز (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). اثنا عشر طريقاً كل طريق بينهما الماء واقف بحيث أن كل مجموعة تمشي في طريق ما تخاف على المجموعة الثانية تراها من خلال الماء الشفاف كل طريق وكل جماعة يمشون مع طريق يرون أهل الطريق الثاني وهم يعبرون البحر الأحمر هذا، بحر القُلْزُم. (فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) كالجبل فدخل موسى وقومه.

قال الله (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ) في ذلك المكان (ثَمَّ) تدل على المكان، يعني فرعون وقومه قرّبناهم وأدخلناهم في ذلك الطريق اليَبَس الذي سلكه موسى وقومه (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ) لما استكمل موسى عليه السلام وقومه خارجين لم يتخلّف منهم أحد، واستكمل فرعون وقومه داخلين انطبق البحر عليهم فأهلك الله جل وعلا القوم الظالمين، هلكوا عن آخرهم. وهنا قال الله I(ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ). فرعون لمّا أدركه الغرق ماذا قال؟ فلمّا أدركه الغرق قال (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قال الله (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً).

 

(إِنَّ فِي ذَلِكَ) في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصرة والتأييد لعباد الله المؤمنين (لَآيَةً) لدلالة وحجّة قاطعة وحكمة بالغة على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده ونصره لجنده وأوليائه (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) فهو العزيز جل وعلا الذي أخذ فرعون، الرحيم الذي رحم موسى ومن معه (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) له عزّة القدر وعزّة القهر وعزّة الامتناع. (الرَّحِيمُ) له صفة الرحمة جلّ وعلا رحمته وسعت كل شيء كما قال (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) والرحمة صفة من صفات الله تبارك وتعالى، صفة من الصفات الفعليه يُثبتها أهل السنة والجماعة على الوجه اللائق بجلاله وعظمته كبقية الصفات. والقول في الصفات كالقول في الذات فأهل السنة والجماعة منهجهم أهل الحق واضح في أسماء الله وصفاته يثبتونها على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل كما قال الله جل وعلا (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل