التقرب إلى الله جل وعلا بالنوافل

التقرّب إلى الله جلّ وعلا بالنوافل

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 شرع الله تعالى لعباده فرائض أوجبها عليهم ليتعبدوه بها لا خيار لهم في تركها هم مأمورون بها إن كانوا مؤمنين وفتح لهم باب النوافل لكل عبادة فالزكاة واجبة والصدقات نافلة وصيام رمضان فرض وصيام الاثنين والخميس وعرفة وعاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر نافلة والحج فريضة والعمرة نافلة والصلوات المكتوبة فرئضة والسنن نافلة. وصحيح أن النافلة هي بمعنى الزيادة والنافلة يؤجَر فاعلها ولا يأثم بتركها إلا أننا إذا تأملنا في الهدف من تشريعها نجد أنها بمثابة اختبار عملي لمدى حبنا وتذوقنا للذة الفرائض وهي معيار إقبالنا على الله تعالى فيما أمرنا به وشرعه لنا. وهي كما أراها والله أعلم من باب شكر الله على نعمة الفريضة التي شرعها الله تعالى لنا لعبادته ولكل فريضة نافلة من جنسها هي تعبير عن امتنان العبد لربه أن شرّفه بهذه التكاليف. وقد بلّغنا النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلّغ عن ربه سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "..وما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ.." (من حديث رواه البخاري عن أبي هريرة)

إذن هذا كلام الله تعالى يبلغنا أنه يحب تقرّب عباده إليه بالفرائض فمن أدّى الفرائض فهو عابد لله تعالى متقّرب إليه سبحانه إن أدّاها حقًا وصدقًا ولو أخذنا ما يتعلق بالصلاة موضوع حديثنا فالصلوات المكتوبة في اليوم والليلة مجموعها 17 ركعة فقط. ثم يحثّ الله تعالى عبده المؤمن بوصف التشريف (عبدي) على التقرب منه بالنوافل ويعده بأجور عظيمة لا يردّها إلا مستغنٍ عن كرم الله تعالى وجوده ومن منا هذا المستغني ونحن أفقر الناس إلى عطاءات الغني الوهاب الجواد الكريم؟!

قد عشنا مع الصلاة في رسائل سابقة وذقنا حلاوة القرب من الله تعالى فيها في كل حركة فيها وفي كل ركن وقول أفلا يسعى من ذاق هذه اللذة وهذا الشعور الروحاني الذي ارتقى بنا في فضاءات العبودية والفيوضات الربانية أفلا يسعى للمزيد؟! بلى والله! إذن هذه دعوة من الله جلّ جلاله أن نتقرب إليه بالنوافل ووعدنا بحبّه...

توقف هنا وتأمل: من الذي يبشرك بأن يحبك إن أديت النوافل؟! الله! مالك الملك، رب العالمين، الكريم، الرحمن الرحيم الحميد المجيد العظيم العلي ذو الجلال والإكرام، الله الذي له الأسماء الحسنى هو الذي يحبك! حُقّ لك يا من تسمع هذه البشارة أن يطير قلبك من مكانه ويطيش عقلك وتحلّق بلا أجنحة سعادة وفرحًا وحبورا..

وما أثر هذا الحب يا رب؟ "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" هكذا تصبح عندما يحبك الله، كل ما أعطاك من الحواس يستقيم على منهجه ويصبح ناطقًا بالحق ساعيًا له..

وعندما يحبك الله "إن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنّه" يا عبد الله الذي يحبك الله إن تقربت إليه بالنوافل ربك يعدك أنك ستكون مستجاب الدعوة وسيعيذك مما تستعيذ منه...

لنتأمل هذه البشارات بقلوبنا وعقولنا وكل مشاعرنا ولنتفكر هل من عاقل يرمي هذه البشارات خلف ظهره مستغنِ عن هذا الكرم الرباني؟! لا أتصور عاقلًا يفعلها! إذن لماذا كثير منا إلا من رحم ربي قد فرّط بل استغنى تمامًا عن النوافل في صلاته ويقول قد أدّيت ما عليّ وكفى؟! ألا نعلم أن صلاة النافلة لا تنفع أحدًا غيرنا، فهي تقرّب إلى الله تعالى وتستدعي محبته سبحانه وهي اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم حبًا له وتأسيًا به وهي تجبر النقص في الفرائض يوم القيامة فمن منا قد ضمن أن صلاة الفريضة قد قبلت منه بلا نقص ولا خلل فيها؟! قال صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة. يقول ربنا للملائكة -وهو أعلم-: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم". (رواه الترمذي والنسائي وأبو داود).

لماذا نجعل نافلة الصلاة أهون ما نُسقطه من جدول عباداتنا اليومي؟! بعضنا لم يصلي نافلة في حياته، وبعصنا يتثاقل عنها فيفرّط فيها بل قد يؤجل صلاة الفريضة لآخر وقتها ثم يتذرع أنه ليس هناك وقت للنافلة! وبعضنا يصليها بسرعة البرق فلا يقرأ بعد الفاتحة شيئًا من القرآن بحجة أنها نافلة!! ولو أدركنا حاجتنا للنافلة لما قصّرنا فيها!

ولمعرفة أهميتها فلننظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله تعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أحب الخلق لله وأفضل الخلق عنده يقوم الليل حتى تتفطّر قدماه وعندما يُسأل عن طول قيامه يقول: أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورا؟!

أنت حينما تتقرب إلى الله بالنوافل يحبك الله، فإذا أحبك الله سمعتَ ونظرتَ بنور الله، وتحركت جوارحك بنوره وسعيت في الدنيا بنوره، وإذا استعذت به أعاذك، وإن سألته أعطاك..

وهذه بشارة من النبي صلى الله عليه وسلم خير من تقرب إلى الله بالنوافل: في جامع الترمذي عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ السُّنَّةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ» . وعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»قَالَتْ أَمُّ حَبِيبَةَ فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ". (أخرجه مسلم).

تسعى بعمرك كله وجهدك كله لبناء بيت واحد في الدنيا الفانية أفلا تسعى أن يبنى لك بيت في الجنة كل يوم؟!

تكلمت فقط عن النوافل في السنن المؤكدة ولصلاة التطوع حديث آخر صلاة التهجد (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴿٧٩﴾ الإسراء) فمن ذاق لذة التقرب إلى الله تتجافى جنوبهم عن المضاجع لأنهم لا ينعمون ولا يهنأون إلا بين يدي ربهم جعلني الله وإياكم ممن ذاق فعرف فاقترب فارتقى فأحبه الله...

ولنعلم أن صلاة النافلة تشغل أوقاتنا بما يحب الله وتقلل من أوقات التفريط واللغو والانشغال عن ذكر الله فاستحضر النية في صلاة النافلة واعقد العزم على عدم التفريط فيها فأنت الرابح الأكبر إن واظبت عليها.. ومحرومٌ من حرم نفسه من هذه المنزلة العظيمة، ومغبونٌ من فرّط في التقرّب إلى الله...

 اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك واجعلنا ممن يتقرب إليك بالنوافل حتى تحبنا يا رب فحبك غاية رجائنا يا ودود...



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل