تفسير سورة النور - 1- د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة النُّور -1

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

 (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١﴾ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾) .

تفسير سورة النور، هذه السورة هي سورة مدنية اشتملت على جملة من الأحكام والقضايا المهمة ويصح أن نقول أنها سورة الأسرة المسلمة لما فيها من ذكر أحكام الأسرة، وقد اشتملت على جملة من الأحكام المهمة حتى قال عمر t علِّموا نساءكم سورة النور. وأما مقصود هذه السورة وهدفها فهو ذكر العفاف والستر والمحافظة على هذه الأسرة. هذا هو مقصود السورة فقد اشتملت على جملة من المواضيع والأحكام التي تدور حول هذا المقصود، ولذا فلو تأملنا في مواضيع هذه السورة وجدناها قد عالجت جريمة الزنا وحذّرت منه وذلك من طريقين:

الطريق الأول: العقوبة المحدّدة للزُناة وهذا بعد حصول الجريمة.

الطريق الثاني: طريق الوقاية قبل حصول الجريمة ويدخل في ذلك حدّ القذف والنهي عن إشاعة الفاحشة في المؤمنين وتحريم مناكحة الزّناة والأمر بِغَضّ البصر والاستئذان في البيوت والاستئذان داخل البيوت ومعرفة أوقات العورات ووضع الثياب وغير ذلك.

فهذه السورة جاءت بالطرق والوسائل التي تساعد على حفظ الفرج من إقامة الحد على الزناة والنهي عن مناكحتهم وغير ذلك مما جادت به هذه السورة كما سيأتينا. أما مكان نزولها فهي -كما قلت لكم- مدنية بإجماع أهل العلم وعدد آياتها قيل إثنان وستون وقيل ثلاث وستون وقيل أربع وستون وأربع وستون هو المشهور والموجود في المصحف الذي بين أيدينا والسبب في اختلاف هذا العدّ أن من العلماء من وصل آية (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَال (36)) بآية (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ (37)) فجعلها آية واحدة إذا جمعناها تصبح عدد آيات السورة ثلاث وستين يعني سقطت آية. ومنهم من زاد ذلك بوصل آية (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)) بآية (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (44)) فيكون مجموع آيات السورة اثنان وستون. هل ورد في فضلها شيء؟ لم يرد في فضلها شيء إذ لم يُنقَل عن النبي e شيء ولكن لما شتملت عليه من الأحكام أمر عمر t الناس أن يعلِّموا نساءهم هذه السورة.

قال الله I (سُورَةٌ) السورة لغةٌ من "السؤر" بالهمز أو من "السور" أما في الاصطلاح فهي طائفة من الآيات ذات فاتحة وخاتمة. السورة هي مجموعة من الآيات تفتتح وتختم فهذه يطلق عليها سورة. قال الله U (سُورَةٌ) المعنى هذه سورة، جاءت "سورة" بلفظ النكرة لتفخيم أمرها وأنها سورة عظيمة ينبغي أيها التالي لها أن تتدبر معانيها لأنها قد اشتملت على جملة كبيرة من الأحكام، فهو ينبّه القارئ حينما نكّر السورة بالاعتناء بها. (أنزَلْنَاهَا) أي أنها مُنْزَلة كسائر القرآن المُنْزَل. َفَرَضْنَاهَا) التعبير بالفرض في مطلع هذه السورة -كما قال بعض العلماء- يوحي بأن ما فيها من آداب وأحكام محكمٌ ليس بمنسوخ مع أن بعض أهل لعلم ذكر أن بعض آياتها قد نُسِخَ كما سيأتي. لكن التعبير بالفرض يوحي بأن ما فيها من أحكام محكمٌ ليس بمنسوخ (وَفَرَضْنَاهَا) أي بيّنا الحلال والحرام والأمر والنهي فيها. (وَأَنزَلْنَا فِيهَا) أي في هذه السورة (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) يعني مفسِّرات واضِحات أي أنزلنا فيها آيات، ما صفة هذه الآيات؟ واضحات. (لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي تتّعظون وتأخذون بأحكامها.

ثم قال الله I (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) لماذا قُدّمت المرأة هنا على الرجل؟ جرت العادة أن يُقدّم الرجل على المرأة في الخطاب إلا في وسائل الإعلام عندما يقولون "سيداتي سادتي" هذا من باب قضية حقوق المرأة لكن جرت العادة في الخطاب الشرعي أن يقدّم الخطاب للرجال على النساء فلماذا قدّم الخطاب للنساء هنا في هذه الآية؟ فقال I (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ما قال الزاني والزانية؟ قال العلماء لأن الزنى في حقّ النساء أشنع ولذلك مع أن الفتن في الغالب إنما تأتي من قِبَل النساء والزنى في حقهنّ أشنع، ما الحكم؟ قال (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) هذه الآية فيها حكم الزاني والزانية وللعلماء فيه تفصيل ونزاع فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بِكْراً وهو الذي لم يتزوج أو مُحْصناً المحصن يدخل فيه الرجال والنساء، من هو المُحْصَن؟ هو الذي قد وطأ في نكاحٍ صحيح وهو حُرٌ بالغٌ عاقل فلو تزوج الإنسان ووطئ في نكاح صحيح وهو حرٌ بالغٌ عاقل فهو يسمى محصناً وإن طلّق كما إن المرأة إذا تزوجت تسمى محصنة وإن طُلِّقت. فهذه الآية فيها حكم الزاني غير المُحصَن هذه الآية هي تذكر حكم الزاني غير المُحصَن (فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) كما في الآية. العلماء اتفقوا على أن هذه الآية ناسخة لآية النساء وهي آية الحبس وآية الأذى قال الله عز وجل فيها (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) النساء) الذي هو الحبس (وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا (16) النساء) إتفق العلماء على أن هذه الآية ناسخة لآية الحبس ولآية الأذى المذكورة في سورة النساء واختلف العلماء في هذه الآية هل هي عامة للمحصن وغير المحصن ثم نُسِخَ المحصن منها؟

يعني أنها نزلت أولاً هذه الآية في المُحصن وغير المُحصن لكن نُسِخَ المحصن منها إما بالسنة المتواترة في الرجم الذي ثبت عن النبي e أنه رجم المحصن ولم يكتفِ "واغدوا يا أنيس إلى امرأة هذا (يعني متزوجة) فإن اعترفت فارجمها" ولم يكتفٍ بالجلد. أو بالقرآن المنسوخ لفظه (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) هذا مذهب من أهل العلم.

القول الثاني قالوا ليس في الآية نسخٌ بل قالوا هذه الآية عامة في المحصن وغير المحصن وزادت السنة الرجم للمحصن وقالوا إن الزيادة ليست بنسخ. إذ قالوا أن المحصن يُجْلَد ثم يُرجَم لكن فعل النبي e يردّ هذا إذ النبي e رجم ولم يجلد كما سيأتينا.

القول الثالث ليس في الآية نسخ وأنها خاصة في البكر وأن الآية إنما سيقت مساق من زنا وهو بكر. وعلى كل فالمقطوع به أن عقوبة الزاني البكر جلد مائة واختلف العلماء في تغريب العام يُغرَّب عاماً فالجمهور يرون تغريبه أما أبو حنيفة رحمه الله فهو يرى أن أمر التغريب وهوأن يطرد من البلد الذي هو فيه سنة كاملة أو يسجن سنة كاملة يعني أن يُبعَد عن البيئة التي هو فيها، فهو يقول مرجعه إلى الإمام إن شاء غرّب وإن شاء لم يغرِّب. والقول الصحيح قول الجمهور لأنه ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي e قال "والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، أُغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله e فرُجِمَت". هذا دليل على أن البكر الزاني سواء رجل أو امرأة إذا زنى وهو بِكر فإنه يُجلَد مائة جلدة ويغرَّب عن بلده أو يسجن عاماً كاملاً فالجلد من القرآن والتغريب من السُنّة والسُنّة حُجّة كما تعلمون.

قال الله U (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا) لماذا عبّر بالجلد دون الضرب؟ لماذا لم يقل والزانية والزاني فاضربوا كل واحد منهما مئة جلدة؟ قال العلماء السِرُّ في ذلك أن قصد الشارع في هذه العقوبة هي الإيلام وليس مجرّد الضرب وأنه لا بد أن يتألم حالَ جَلْدِه حتى يتّعظ. هل يُجمع بين الرجم والجلد للمُحصَن؟ اختلف العلماء فيه على قولين منهم من قال يُجمع بين الجلد والرجم وهم الذين يقولون أن السنة زادت على هذه الآية ويستدلّون بفعل عليّ t حيث جَلَد المرأة الزانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة. لكن الصحيح والذي ثبتت به الأحاديث أن النبي e رجم المُحصن بلا جَلْد وهو الذي استقرّ عليه الأمر. (وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) في دين الله أي في حُكْم الله، يعني لا ترأفوا بهذا الزاني وبتلك الزانية، وليس المقصود الرأفة الطبيعية وإنما المقصود الرأفة التي تصل إلى أن يُسْقَط عنها الحدّ بحيث ترأف به حتى تسقط عنه الحدّ أما كونك ترأف بهذا الإنسان الذي يُجلَد الرأفة الطبيعية هذا أمر فطري طبيعي لكن أن ترأف به فتُسقِط حداً من حدود الله فهذا هو المنهي عنه في هذه الآية حينما الله قال U (وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ). قال مجاهد: إقامة الحدود إذا رُفِعت إلى السلطان فتُقام ولا تعطّل، هذا من حقوق الإنسان السويّ أن تجلد الزاني فيبقى المجتمع نقياً طاهراً. (إِن كُنتُمْ) إغراء لهم (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إغراء لمقيمي الحدّ أي أقيموا الحدود إن كنتم متّصفين بالإيمان بالله واليوم الآخر فافعلوا وأقيموا الحدود على من زنا وشددوا عليه الضرب. ثم قال الله I (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) هذا فيه تنكيلٌ للزناة وتقريعٌ وتوبيخٌ وفضيحة. والطائفة هو الرجل فما فوقه وقال بعض أهل العلم الرجل إلى الألف وقال الزُهري ثلاثة نَفَرٍ فصاعداً. وفائدة حضور عقوبة الزنى فائدة للزاني ولِمَن حَضَر فهي إغلاظٌ وتوبيخٌ للزناة واتّعاظٌ وعبرةٌ لغيرهم ممن يحضرون فالحكمة من شهود العذاب هذا -لذلك الحمد لله الآن الحدود إنما تقام في وضح النهار بحمد الله- ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين.

ما الأمور التي يثبت بها الزنى؟ يقول العلماء إن الأمور التي يثبت بها الزنا سواء كان للرجل أو المرأة:

Ø   الإقرار فإذا أتى رجلٌ وأقرّ على نفسه بالزنا فيُقام عليه الحدّ كما فعل رسول الله e في ماعِز والغامدية "يا رسول الله إني زنيتُ فطهّرني" لأن الحدود كفّارات، هذا الطريق الأول أن يُقرّ على نفسه.

Ø   الثاني البينة وهو أن يشهد أربعة شهود وهذه نادرة في التاريخ وهذان الأمران باتفاق أهل العلم.

Ø   وتزيد المرأة بيّنة ثالثة وهي الحمل وهو مختلف فيه هل هو بينّة أم لا؟ هل إذا حملت إمرأةٌ ليست ذات زوج نحكم عليها بالزنا وإن لم تعترف وإن لم يشهد عليها أربعة؟ بعض العلماء قال لا، لأن هناك شُبهة ربما حملت غضباً عنها إلى آخره والراجح والأصل أنه يثبُت عليها جريمة الزنا وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية إلا إذا أثبتت غيره وإلا الأصل أنه قرينة ودليل على فعل الفاحشة نسأل الله العافية والسلامة.

ثم قال الله I (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) هذه الآية في الواقع أنها مشكلة، لماذا؟ لاحظوا معي أن الله سبحانه وتعالى قال (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) السبب في إشكال الآية ما المراد بالنكاح هنا؟ هل هو النكاح بمعنى العقد والزواج؟ أو النكاح هنا بمعنى الوطء وهو فعل الزنا؟ هل هي هذه الآية لبيان حكم الزنا؟ أو للتشنيع؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين، يرى إبن القيم رحمه الله أن المراد هنا (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) أن المراد به النكاح، المراد به الزواج وهو العقد أي أن الزاني لا يتزوج إلا زانية. ويرى أن الرجل أُمِرَ أن يتزوج المرأة العفيفة فإن لم يفعل ذلك ولم يفعل ما أمره الله U ولم يعترف بحُكْمِ الله فهو مُشرِكٌ مثلها، هذا تقدير الآية عند ابن القيم رحمه الله. وإن التزم وخالف ونكح ما حُرِّم عليه لم يصحّ النكاح فيكون زانياً هذا تقدير الآية. يعني ابن القيم رحمه الله يقول أن الزاني لا ينكح يعني لا يتزوج يعني أمرٌ بعدم الزواج، يقول الله (الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) يقول ابن القيم رحمه الله لأنه إما أن يمتثل هذا الأمر ويعترف به ويخالفه ويعلم أنه منهيٌ عن الزواج بالمرأة الزانية فهو زانٍ مثلها لأن العقد غير صحيح، هذا رأي ابن القيم. أو أن لا يعترف بهذا الحُكم فهو مُشرِك مثله وشنّع ابن القيم رحمه الله على من قال أن النكاح هنا بمعنى الوطء وضعّفه وقال هذا قول ضعيف ولا يصحّ إلا ما ذكره ابن القيم رحمه الله. لكن في الواقع أنا لما تأملت الآية وجدت أن ما قرّره ابن القيم رحمه الله يُشكِل عليه جملة من الاشكالات ولذا فإن معنى الآية -والذي يظهر والله تبارك تعالى أعلم- أن معنى النكاح هنا في هذه الآية الوطء وإن قال بعض العلماء إن الوطء لا يُعرَف النكاح في القرآن بمعنى الوطء أبداً وإنما كل ما ورد النكاح في القرآن فهو بمعنى العقد نردّ عليهم بقوله U (حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) فإن المراد قطعاً هنا في هذه الآية الوطء أم عقد الزواج؟ الوطء. فهو موجود في القرآن بالتالي فترجيحنا أن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة متّسِق ووارد في القرآن كذلك، وهذا هو رأي ابن عطية رحمه الله ورأي الطبري إمام المفسرين. يقول ابن عطية رحمه الله إن معنى الآية يكون: الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين أو من هي أخسّ منها من المشركات، يقول هذا المعنى. يقول ابن عطية أن المراد بالنكاح هنا الوطء وأن المراد "الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين أو من هي أخسّ منها من المشركات" ومن أدلّتهم كذلك أن المؤمن لا يجوز له أن يتزوج المشرِكة بالإجماع وبالتالي فمعنى الآية "الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة" أي زانية مثله من المسلمين أو أخسّ منها امرأة من المشركات والزانية لا يطؤها إلا زانٍ مثلها من المسلمين أو أخسّ منها من المشركين. ثم قال الله I (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الإشارة بـ(ذلك) إلى ماذا المحرّم؟ على قول ما رجحه ابن عطية وابن جرير (وحرم ذلك) أي الزنا وعلى قول ابن القيم رحمه الله الذي يقول أن النكاح بمعنى العقد أي "وحُرِّم الزواج على المؤمنين". فتكون الآية هي بيان الواقع والحال ولم تتعرض للزواج وهذا هو رأي ابن عباس رحمه الله فإنه قال النكاح هنا في هذه الآية بمعنى الجماع، فتكون الآية هي تحكي الواقع حال الزنا ولم تتعرض لحكم الزواج من الزانية أو من العفيفة وإنما هذا قد دلّت عليها آيات أخرى كما قال (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ (25) النساء).

ثم قال الله I (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا (5)) المناسبة أن الله عز وجل لما بيّن حدّ الزنا وشنّع على فاعله بيّن حكم من يقذفون الأبرياء بالزنا بدون دليل. (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) ما هي المحصنات؟ لفظ الإحصان هنا يختلف، الإحصان المراد في حدّ الزنا يختلف عن الإحصان في حدّ القذف، الإحصان في الزنا من وطئ في نكاح صحيح وهو حرٌ عاقلٌ بالغ أما الإحصان في القذف فهو المرأة العفيفة أو الرجل العفيف ليس المقصود بالمحصن هنا الذي سبق أن تزوج فيجوز أن يقذف الإنسان البِكْر. نقول الإحصان في حدّ الزنا يختلف معناه عن الإحصان في حدّ القذف فالإحصان في حدّ الزنا معناه الوطء في نكاح صحيح وهو حرٌ بالغٌ عاقل، أما الإحصان في حد القذف (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) ليس معناها المتزوجين والمتزوجات وإنما المقصود العفائف. (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) والذين يرمون المحصنين؟ هل فقط هذا الحكم خاصٌ بالنساء أو يشمل الرجال أيضاً؟ قوله المحصنات، من العلماء من قال أن المراد (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) تقدير الأنفس المحصنات فيدخل فيه الرجال والنساء. قال الله عز وجل (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) لماذا ذُكِرَ هنا الوصف ولم يذكر وصفاً آخر؟ بمعنى لم يقل والذين يرمون المسلمين أو الذين يرمون المسلمات أو الرجل أو النساء لماذا ذُكِرَ وصف الإحصان؟ قال العلماء ذكر المحصنات بالوصف هنا لفائدة وهو أن هذا الحدّ للمحصَن أما من اشتهرت بالزنى كالبغايا فليس على قاذفها حدّ إنما جُعِلَ هذا هو الحدّ للمرأة العفيفة أما المرأة البغيّ التي اشتهرت بالزنا وعُرِفَت به فهل على قاذفها حدّ؟ ليس على قاذفها حدّ. قال الله عز وجل (فَاجْلِدُوهُمْ) إذا ما أتوا بأربعة شهداء إجلدوهم ثمانين جلدة، لماذا شدد الله عز وجل أمر القذف؟ رحمة بالعباد لأن هذا يتسق مع الحفاظ على الأسرة المسلمة كما سيأتينا (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) إذا كان الناس في مجالسهم يقولون فلانة زنت وفلان زنى هذا مما يقلل هيبة لفظة الزنى عند الناس، فجاؤوا إلى هذا السياج العظيم يعني إذا قلت فلان أو فلانة زنت فيلزمك أن تأتي بأربعة شهداء! إذا لم تأتي وهذا نادر أن تأتي بأربعة شهداء فالعقوبة (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ثلاثة أحكام – أول شيء الجلد كم؟ ثمانين، وعدم قبول شهادتهم، والحكم بفسقهم. ثم قال الله سبحانه وتعالى (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) إختلف العلماء في هذا الإستثناء على ماذا يقع؟ هل يعود إلى الجملة الأخيرة وهي نفي الفِسْق؟ أم يعود إلى الجملة الأخيرة والتي قبلها وهي ردّ الشهادة؟ إختلف فيه العلماء على قولين:

Ø   أما الجلد فقد جُلِد وانتهى، أقيم وأنتهى كفارة له وردعاً لأمثاله. بعض العلماء قال إن الاستثناء يعود إلى نفي الفِسق عنه وإلا يصبح مردود الشهادة إلى أن يموت، هذا القول الأول.

Ø   والقول الثاني قالوا إن الإستثناء يعود على الجملتين فإذا تاب فإنه يرتفع عنه اسم الفسق وتُقبل شهادته وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم.

(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء) الشهادء هؤلاء رجال أو نساء؟ رجال، ما الدليل على أنهم رجال؟ في الآية الدليل، الدليل هو قاعدة العدد أن المعدود يختلف عن العدد تذكيراً وتأنيثاً، الآن (أربعة) مؤنث أم مذكر؟ مؤنث، فشهداء الآن دل على أنهم رجال ذكور إذن أربعة شهداء، قاعدة العدد تثبت على أن الشهادة المرادة في هذه الاية هى شهادة الرجال وهو قول جمهور أهل العلم خلافاً لابن حزم الذي يجيز شهادة النساء.

ألفاظ القذف ثلاثة:

1.   التصريح فإذا قال رجل يا زاني فهذا يوجِب الحدّ إذ قد صرّح برميه بالزنا.

2.   الثاني: الكناية كأن يقول يا خبيث يا فاسق

 

3.   والثالث: التعريض أمي ليست بزانية أختي ليست بزانية أو زوجتي ليست بزانية وهو يكلّم شخصاً آخر، ماذا يفعل؟ مفهوم المخالفة يقول أمي ليست بزانية يعني أمك ماذا؟ ألفاظ القذف هي التصريح – الكناية - التعريض. التصريح بلا خلاف بين أهل العلم على أنه يوجِب الحدّ أما الكناية والتعريض فهاتان لا يُحَدّ فيهما من قالها إلا إذا وجدت قرينة تدل على أنه أراد القذف بمعنى أنه لا يجب الحد إلا في العبارة الصريحة فإذا عرّض أو كنّى فلا نوجِب عليه حدّ القذف إلا إذا كان عندنا قرائن تدل على أنه أراد القذف حقيقة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل